ذاكرة شخصيه بورتريه

مطاردة كوابيس

على العكس من أجنحة الفراشات التي تتمزق لحظة التقاطها، هناك ذاكرة محشوة سلفا بالبارود، ستمزقك إربا لمجرد التفكير بالتقاطها.

لم أتوقف عن البكاء لحظة واحدة حين علمت بمقتل فراس، بقيت في غرفتي لإسبوع كاملٍ، كانت لحظة اغتياله تلاحقني كمشهد سينمائي: 

فراس يمشي نحو المطبخ، يخرج رجل من الحائط ليضع مسدسا في رأسه، الرجل يحدق في عينيّ ضاغطا ببطء على الزناد، أحاول عبثا الصراخ، ومن ثم أبدأ بالسعال حتى التقيؤ محاولا إخراج مسمار صدئ كان مغروسا في حنجرتي.

ذكريات طفولتنا تمّر أمامي كشريط سينمائي، طيفه يعاتبني في كلّ مكان أكون فيه وحيداً، وفي كل وقت، بمعجزة منعت نفسي عن التقيؤ في الباص ذات مرة لكنّي لم أستطع إمساك دموعي حين التفت جميع الركاب نحوي. توقفت بعدها عن استخدام المواصلات العامة، لم أعد قادرا على التواصل مع المحيط، وامتنعت عن الذهاب إلى المدرسة التي كنت أعمل فيها.

حاولت الابتعاد عن الناس، أمضيت وقتي كلّه بالقرب من النهر، لكن لم يكن يوم واحد يمرّ دون أن يفاجئني شخص ما من الخلف بالسؤال نفسه، وكأن كلّ الذين أعرفهم في هذه المدينة قد اتفقوا عليّ:

“ليش قاعد لحالك” 

كان السؤال يستفزني، يجعلني أشعر بأني مجرم ضُبط متلبسا بالجرم المشهود، تحولت لشخص عدائي، عدائي جداً، توترت علاقتي بمحيطي وفي النهاية توجهت لعيادة نفسية، لم يكن أمامي خيار آخر.

على الرغم من اللطف الذي أبداه الطبيب، لكني لم أستطع التجاوب معه، كرهت إحساس الشفقة في عينيه وهو يناولني منديلا لأمسح دموعي، انتهى اللقاء في عشرين دقيقة مع وصفة مهدئات وضعتها في صندوق بريده لحظة خروجي، وجدت طبيباً ثم استبدلته بآخر، في سنة واحدة كنت قد استبدلت عيادات نفسية أكثر من أنواع التبغ التي استبدلتها في حياتي كلها.

تجمعت أكوام الأدوية فوق طاولتي دون أن أستفيد منها شيئا، المنومات لا تمنع الكوابيس، قد تنسيك حصولها عندما تستيقظ، لكن في النهاية انتصرت ذاكرتي على كامل شحنات المخدرات التي كتبها هؤلاء الرجال -الطيبون بمعظمهم- بملابسهم البيضاء النظيفة.

لم يبق أمامنا سوى محاولة العلاج السلوكي، قالت طبيبة الأسرة بلغة قاطعة وهي تناولني ورقة فيها عنوان المركز الذي تقترح فيه العلاج مع وعد منها بحلّ مشكلة التكاليف لأنّ شركات التأمين الصحي لا تغطي مثل هذه الحالات.

ودون أن أعرف ما هو العلاج السلوكي ذهبت إلى الموعد.

حسنا لنبدأ من النهاية، قالت المعالجة وهي تناولني قلما وحزمة من الأوراق دون مجاملات الجلسة الأولى التي اعتدت عليها في العيادات النفسية التي زرتها.

كانت ترتدي تنورة خضراء مزركشة وقميصا كمّوني اللون، انتقلنا للجلوس متقابلين أمام طاولة بسيطة في ركن مشمس، ثم رفعت بيدها القلم في إشارة منها كي أمسك القلم أيضا، لقد دخلَت بالقدم الصحيحة، قلت في نفسي حين لم تطلب مني الاستسلام على سرير، كما فعل هؤلاء الرجال بملابسهم البيضاء.

كان العلاج قائما على فكرة استدعاء الكوابيس وتدوينها مع تغيير النهايات، كان أشبه بورشة لكتابة السيناريو، أعجبتني فكرة إعادة تدوير الكوابيس، كنت أطاردها، أتذكر الحوادث المرتبطة بها، أعنونها للإشارة إليها، ولا أتركها دون أن أضع نهاية مختلفة لها.

اكتب لتنجو.. واصل بنفس الطريقة وحدك، اختتمت المرأة ذات التنورة المزركشة لقاءنا الأسبوعي الأخير وهي تناولني خلاصة الأوراق التي كتبْتها في ثلاثين جلسة دون الاتفاق على موعد جديد.

كانت الكوابيس مدونة على الأوراق بخط واضح على عكس طريقتي في الكتابة وتحت كلّ منها الحادثة التي سبّبتها وفوقها العنوان الذي فكرنا فيه سوية، منذ زمن بعيد لم أكتب صفحات كاملة بخط يدي.

جثة من مسافة صفر

كنت ألهث مستنداً على عكازي محاولا اللحاق بالترام الواقف في المحطة، لكنّ السائق أغلق الباب لحظة وصولي، أنا أعرج، قلت متوسلاً، تركت العكاز محاولا فتح الباب، لكني وجدت يدي مغطاة بالدم وكانت أصابعي كلها مقطعة، ثم بدأت الشرطة بملابسها الفرنسية بإطلاق النار، سقطت على الأرض وبالقرب مني تماما سقطت جثة مقلوعة العينين.

في التاسع والعشرين من شهر شباط تحديداً قبيل منتصف الليل ببضع دقائق، كان الجوّ باردا جدا وكنّا جالسين في سيارته، نشرات الأخبار تحذر من عاصفة ثلجية قلت له لأنهي حديثا طويلا. 

لا تصدق أي شيء يقولونه، قال لي بصوت حذر.

كانت الثورة ما تزال سلميّة رغم التشكيلات العسكرية التي أخذت بالانتشار كالفطريات في محيط مخيم اليرموك، الظلام دامس وصمت مطبق يلفّ الشارع الخالي تماما من البشر، الأضواء الداخلية في السيارة تنير وجوهنا، كنا واضحين كهدف سهل، كنت أتهيأ للنزول من السيارة وكان يتهيأ للتحرك، وفي الظلمة على الرصيف المقابل لنا في ذلك الشارع الضيق، كانت ثلاث عشرة رصاصة تتهيأ للانطلاق، وفجأة انفجر الوميض: طاخ طاخ طاخ طاخ، شيء يشبه انطلاق جوقة من أضواء الكاميرات نحو نجم شهير يقف على بساط أحمر.

لم يستطع عقلي تفسير الوخزات التي شعرت بها في اللحظات الأولى، رفعت يدي لأغطي وجهي لكنّ رصاصة بترت قطعة من إبهامي لتسقط قرب قطعة من دماغه، رأيت الدم يسيل على العظم الأبيض في يدي ومن ثم هوى بجسده نحوي لأرى وجهه للمرة الأخيرة، كانت تفاصيل وجهه الطفولية قد تداخلت في بعضها، استطعت بصعوبة تمييز العينين قبل أن تفجر رصاصة أخرى وجهه تماما. شعرت بارتطام شظايا العظام المتناثرة على وجهي ومن ثم غطى الدم عيني. 

تغيّرت الحياة بعد ذلك قليلاً:

أصبحت ألقب بالأعرج، استعصى النوم، كما استعصت بعض الرصاصات عن الخروج من جسدي، لتصير أجهزة الإنذار عن المعادن سبباً آخر يضاف لوثيقة سفري المؤقتة كي يتجمع حولي رجال الأمن في المطارات كرجل دولة مهم أو كتاجر حشيش. 

ميشلان

كنت أقود سيارتي بالقرب من منزلي في مخيم اليرموك وكانت سيارة شرطة فرنسية تلاحقني، فجأة ظهر أمامي ابن صديقي ضاحكا ليختفي تحت السيارة، نزلت من السيارة مذعورا وعندما اقتربت من العجلات لأبحث عنه، خمشني قطٌ أحمر الشعر في وجهي. 

بعد ثلاثة أيام من سيطرة الجيش الحر على مخيم اليرموك، قررنا أنا وسهام الدخول إلى المخيم، لم أكن قد تدربت بعدُ على المشي بالعكازات، لذلك استعملنا سيارة شقيقها، كان رجال أمن بلباس مدنيّ يجبرون السيارات على التوجه نحو شارع الثلاثين، هناك وقبل بيتنا بثلاثة شوارع أنشأت سيارة عسكرية نقطة تفتيش مؤقتة، كانت السيارات تمشي ببطء بسبب الزحام، لنتفاجأ قبل الحاجز بأمتار قليلة بعدة جثث مكومة فوق بعضها البعض قرب الرصيف، شهقت سهام وأدارت وجهها للطرف الآخر، استمرت السيارات بالتقدم ببطء دون أن يجرؤ أحد ممن كان في المكان على التوقف لفعل أي شيء حيال هذه الجثث بينما الجنود منتشرون بين الناس يراقبون تصرفاتهم، بدا المشهد وكأن وجود جثث مرمية على طرف الرصيف أمرٌ بديهي لا يستحق الوقوف عنده، استمرت السيارة بالمشي متجاوزة الجثث بأمتار قليلة لتصل الحاجز وفجأة انطلقت رصاصة قربنا ليصرخ أحدهم:

هناك قناص

بدأت بالصراخ مطلقا عدّة أوامر في الثانية نفسها: “بسرعة القناص فوقنا، انتبهي في جثث على يمينك، روحي عا اليسار”، انطلقت رصاصة أخرى نحونا لتصيب السيارة العسكرية، “رجعي لورا بسرعة ودوري” كانت السيارة ترجع للخلف نحو الجثث الملقاة قرب الرصيف، شعرت بشيء يعيق حركة العجلات الخلفية لكنه لم يلبث أن انفجر، وحين أصبحت السيارة في الاتجاه الصحيح، ضغطت سهام على دواسة الوقود بقوة، وكما لو كانت السيارة عالقة في الوحل دارت العجلات في مكانها لحظة فوق هذا الشيء الذي انفجر ومن ثم انطلقت بأقصى سرعة، التفتّ للخلف محاولا رؤية الأثر الذي قد يتركه الرأس البشري المسحوق على الأرض، لقد طبعت عجلات السيارة قسمات الوجه الجاف في كلّ مكان عبرت فيه. لم نتوقف حتى بلغنا باب مصلى، نزلت من السيارة وانحنيت بالقرب من العجلات الخلفية، كانت قطعة جلد مكسوة بشعر قصير لرجل أصهب ملتصقة بالحروف اللاتينية النافرة التي تشير لنوع العجلات.

لك على شو عم تتفرج؟ إحمد ربك أنه بعدنا عايشين، قالت سهام بصوت مرتفع.

رجعت إلى السيارة لأدرك أنها لم تفهم شيئا مما حصل. صار شي للدواليب سألتني، لأ، لكن شو كنت عم تشوف؟

نوع الدواليب. خرج الجواب من فمي دون تفكير، كان دماغي في تلك اللحظة أسيرا لسؤال شاذ، أكان الشيء الذي رأيته قطعة من الحاجب أم من فروة الرأس.

في المساء أعلنت إحدى الصفحات عن اكتشاف خمس جثث بالقرب من حاجز النظام المستهدف، بينها جثة مشوّهة الرأس مع اسم صاحبها وصورته، كان الوجه في الصورة مبتسماً، وكانت خصلة شعر حمراء تغطي نصف جبينه.

أين الساق الناقصة ؟

كنت أقطع النهر نحو الضفة الأخرى حين رأيت ساقا تطفو أمامي على وجه الماء، ظننتها في البداية ساقي، نظرت إلى الخلف، كنت أضرب الماء بقدمين اثنتين، أخذت أفكر، سبحت بسرعة نحو القدم الهاربة لألتقطها وحين اقتربت امتلأ الدم في فمي. 

لقد اختار البرميل أصغر بيوت القرية ليسقط قربه، كنت أشاهد هذا البيت الطيني المبتعد قليلا عن بقية البيوت في كل مرة نذهب لإحضار الخبز من مدينة عدرا المجاورة، ولم أكن لأتخيل أن تلك المروحية الخضراء ستقيم له وزنا، لقد كان هدفا يمكن تدميره بمجرد الصراخ بصوت مرتفع قربه. الناس تجمع الأشلاء المتناثرة في المكان بصمت، لقد توقفوا عن الشتائم حين تحول الموت لحدث يومي، ينثر البرميل أو الصاروخ الأشلاء، يجمعها الناس، يدفنونها، ينظفون المكان ومن ثم يعودون لحياتهم، هكذا كانت تمضي الحياة هنا.

أحال البرميل البيت إلى غبار، هذا يجعل المهمة أسهل، قال لي مرة أحد الأصدقاء المتطوعين في الدفاع المدني. رجل يقف على تلة من ركام ويصيح بالرجال الذين يجمعون الأشلاء:

تحروا قبل ما تدفنوا الله يرضى عليكم لا تحطوا شي مع شي إلا إزا كنتو متأكدين إنهم لنفس الزلمة، حرام يا إخوان، لحم الميت عورة. حتى لو كان إصبع حرمة ما لازم ينحط بقبر زلمة غريب.

كانت ست جثث مرتبة قرب بعضها البعض، يأتي رجل حاملا كفا بثلاث أصابع فقط، يجول بعينيه بين الجثث ببطء، ثم يضع الكف قرب إحداها ويمضي، شاب آخر يضع قطعة لحم في وسطها نتوء يشبه الأنف قرب جثة مشوهة الوجه.

انتهى الرجال من البحث بين الغبار الذي كان بيتا ومن ثم اتجهوا لينقلوا الجثث لدفنها.

في رجل ناقصة يا إخوان دوروا عليها، صاح الرجل الواقف على التلة، وبالفعل كانت هناك جثة لرجل بدين بساق ناقصة، كان الدم ما يزال ينزف بغزارة من رأس هذا الرجل، يبدو أن شظية اخترقت رقبته وفكه من الجهة اليسرى. ما خلينا حجر ما رفعناه، قال أحد الشباب، معلش يا إبني دوروا مرة تانية، الله بيجزيكم الخير، حرام، رد الرجل أعلى التلة.

في النهاية حين يئسوا من البحث، وضعوا الجثث المتماسكة في الشاحنة مباشرة، أما الجثث المقطعة الأوصال فقد وضعوها مع أشلائها في قطعة قماش جعلوها مثل الكفن. يا رب: قال أربعة رجال بصوت عال بينما كانوا يرفعون جثة الرجل البدين، الله يرحمهم قال أحدهم، بس هاد المرحوم مصيوب برقبته، بنطلونه ما في شي ولا حتى عليه دم، كيف انقطعت رجله؟

نظرت نحو الرجل لقد كان كلامه صحيحاً، نظروا في بعضهم البعض ومن ثم قام شاب صغير بتحسس بنطال الرجل ورفعه. لقد كان الرجل في الأصل بساق واحدة.

على بعد أكثر من مئة متر كان عامود عليه محوّل للكهرباء وكانت ساق الرجل الاصطناعية عالقة بين الأسلاك.

لمن تقرع الأجراس ؟

قيح بشري يلتصق بجسدي وكأنه بقايا أشلاء، أفتح الماء لأتخلص من الرائحة، تبدأ حرارة الماء في الارتفاع عاليا لأشعر بجلدي وهو يتفسخ، أحاول الخروج لكنّ باب الحمام موصد، أشعر بالاختناق حين أرى جرذين اثنين بين قدمي يتوقفان عن محاولة التهام بعضهما وينظران نحوي في لحظة واحدة.

انتهت الرتابة التي كانت تعيشها العائلات النازحة من جنوب دمشق مع وصول عائلات جديدة إلى مركز الإيواء قادمة من مدينة عدرا العمالية بعد سيطرة جيش الإسلام عليها، ليتحول المكان الذي كان عبارة عن عدة أبنية غير مكتملة في بستان ناءٍ على أطراف دمشق لما يشبه مدينة صغيرة، السيارات تأتي وتروح هناك يوميا، أنشأ بعض الأصدقاء مدرسة بديلة للأطفال، فيما اتخذ رجل فسحة بين شجرتين ليعلن عن افتتاح محل بقالة. ومع وصول العائلات الأخيرة أصبح النازحون من جنوب دمشق أكثر حذراً في استخدام كلمة الثورة في حين كان النازحون من مدينة عدرا العمالية يقحمون كلمة المؤامرة في أي حوار مهما كان موضوعه، ومع ذلك كانت النساء من الطرفين تعد الطعام معا في ذات الوقت الذي كان فيه الرجال يفكرون بمشاريع مشتركة للعمل، لكن تغير الأمر حين ظهر بعض النازحين من مدينة عدرا العمالية بلباس عسكري وهم يحملون السلاح طالبين من بقية الرجال التطوع معهم، وما لبث أن تحول مركز الإيواء لنقطة متقدمة لجيش الدفاع الوطني وأصبح النازحون أقل اختلاطا ببعضهم وأكثر ريبة.

كان الجنود ينطلقون في معارك باتجاه البساتين المجاورة ثم يعودون محملين بالدجاج وأنواع أخرى من الطعام وكثيرا ما كانت هذه الغنائم سبباً لشائعات عن مقايضات مشبوهة بين رجال يحملون السلاح ونساء بلا أزواج. وحدهم الأطفال استمروا باللعب معاً.

في عصر ذلك اليوم الحار تحديدا، وعلى بعد أمتار قليلة من باب المدرسة، كان بعض رجال الدفاع الوطني يجتمعون حول رجلٍ تجاوز الستين يلفظ أنفاسه الأخيرة وهم يصيحون: وهّابي وهّابي، دون أن يتوقفوا لحظة عن ركله بأقدامهم وضربه بأعقاب بنادقهم. كان التراب والدم الجاف يملأ فم الرجل النحيل المرمي على الأرض دون أية مقاومة، وفجأة بدأ أحد الجنود يصرخ متلعثما بكلام غير مترابط وهو يتصنع الغضب “ولادنا يا كلاب لبلادنا وولادنا بدكن تسرقوها يا ولاد الكلب” ثم حمل صخرة محاولا رميها على بطن الرجل لتسقط على وجهه محطمة فكه وأسنانه. تعالت الصيحات الهستيرية. 

إنهم يصطنعون الغضب وليسوا غاضبين قلت لنفسي، وبالفعل كنت أعرف بعض هؤلاء الرجال، شربت معهم الشاي أكثر من مرة، من أين جاؤوا بهذه الوحشية فجأة، لقد كانوا كما لو أنهم يقلدون مشهد تعذيب من تلك المشاهد المنتشرة بكثرة على اليوتيوب.

شو عرفكم إنه سعودي ..  شو عرفكم إنه سعودي ها الابن الكلب، استدرك أحد النازحين حين رمقه صفّ من الجنود بنظرات تهديد، كان يضغط وجه ابنه على بطنه كي لا يرى الدم، ليش خايف ابنك يشوف، بدك ياه يطلع جبان متلك، قال أحد الجنود، ثم نادى عددا من الأطفال ليطلب منهم أن يدوسوا بأحذيتهم على الرجل الذي كان قد فارق الحياة. تردد أحد الأطفال حين اقترب من الجثة وحاول الابتعاد، لكن امرأة يبدو أنها أمه دفعته بيدها للعودة.

انقسم الموجودون في المكان وكأن حربا على وشك الانفجار، رجل بقربي أمسك يد ابنه وصرخ على ابنه الآخر أن يغادر المكان فورا في تحدّ واضح للجنود، التقت نظراتنا للحظة عندما مرّ بقربي مغادرا، وشعرت بالخجل.

كان الشرار ينطلق من أعين الموجودين في اتجاهين متقابلين، تحسس الجنود بنادقهم في الوقت الذي كانت أعين الآخرين تجول المكان بحثا عما يمكن حمله، ساد صمت ثقيل لثانية قطعه صوت امرأة عجوز من بعيد تطلب من ابنتها أن تحضر الطحين لها، يلا جاية، أجابت البنت وذهبت، كانت فرصة ليغادر بعض الناس المكان.

خلّوه للكلب بأرضه قدامهم لها الجبنا وخلي حدا منهم يفكر ينقله من محله، قال أحد الجنود الذي يبدو أنّه يتمتع بسلطة عليهم، انصرف الجنود من المكان وبدأ الناس من الطرفين يتعاتبون، أمسكت عكازي لأخرج، لم تعد بي رغبة بالبقاء في هذا المكان ولكن شيء ما جعلني أقترب من الجثة.

كان يبدو من ملامح الرجل ومن ملابسه بأنّه مجرد فلاح بسيط، كان مرتديا معطفا عسكريا باليا من نوع “الفلت الكوري” الذي كان سائدا بين العمال في سوريا فترة الحصار قبل ثلاثين عاما ومن ثم توقفت صناعته واستمر الفقراء وحدهم بارتدائه صيفا وشتاء، ليس كل الفقراء، فقط من اضطر لامتلاك موهبة الحفاظ على الملابس لثلاثين سنة، لقد كان هذا المسكين منهم، ألهذا السبب ربما ظنوه مقاتلا؟؟ ورغم آثار الضرب التي تعرض لها، كان الأثر المديد الذي تصنعه الشمس على البشرة يبدو واضحا على ملامح وجهه، لقد كان فلاحا أو راعيا وربما حارسا لأحد المزارع، قلت في نفسي وأنا أغادر.

بقيت الجثة في مكانها ليومين قبل أن ترمى بعيدا قرب المزبلة، لتصبح مهمة رمي القمامة من اختصاص الرجال تحديدا بعد أن هاجم جرذ أحد الأطفال. لم نعد نحتمل، سنذهب غدا في وفد لزيارة الضابط العسكري المسؤول عن المنطقة لنطلب منه التدخل لدفن الجثة، قال لي على الهاتف أحد الأصدقاء المتطوعين في المدرسة، تعال معنا، استدرك.

بعد الخروج من عند الضابط ذهبنا لدفن الجثة، لم تكن مهمة إقناعه صعبة، يبدو أنهم هم أيضا لم يعودوا قادرين على احتمال الرائحة في درجات حرارة لم تكن تنقص عن خمس وثلاثين مئوية.

اشترطوا دفنه في نفس المكان، صوت الذباب مرعب، قطيع من الجرذان راح يبتعد عن الجثة لحظة وصولنا فيما كان جرذ منفوخ الجسد يتخبط بحركات عنيفة قرب الجثة ولم يستطع الهرب. إنه يموت، قال أحد الرجال.

نظرة واحدة نحو الجثة المتحللة جعلت بصري يزيغ، وضعت يدي مستندا على كتف الرجل الذي أمامي، الأرض تدور بي، وشعرت بعاصفة تتأهب في أحشائي، شيء ما لفّ أمعائي صعودا، أطبقت شفتي بكامل قوتي، العاصفة توشك على الانفجار، رفعت يدي محاولا إغلاق فمي، لكن شلالا من القيء اندفع نحو الجثة، ضغطت على بطني بكلتا يدي، كانت معدتي تنفجر، تبعني بالقيء الرجل الذي كنت أستند على كتفه ثم آخر وآخر.

كانت حفلة قيء جماعية فوق الجثة، صنع الرجال حفرة تكفي لإخفاء الجسد المتحلل، قضمات الجرذان تبدو طازجة عند العنق، كف اليد اليمنى مجردة من اللحم، كان من المستحيل حمل الجثة، حاولوا دحرجتها باستعمال عصى لكنها غاصت في اللحم، استخدم رجل المجرفة في النهاية لينقل الجثة على مرحلتين ومن ثم بدأ الطمر.

كان الجرذ ما يزال يتخبط عندما ركلته بقدمي نحو الحفرة.

دفن الرجل والجرذ في قبر واحد.

شاحنة الجثث

أشعر بالاختناق، أحاول النهوض بصعوبة في مصعد كهربائي كبير، بضعة أشخاص يحاولون الخروج من نافذة ضيقة، بدأ العرق ينزف مني بغزارة، لن أنجو، إنّ جسدي أضخم من هذه النافذة، سأموت، وفجأة أصبحت على الطرف الثاني من النافذة في أرض مفتوحة، خالد كان يأكل شيئا ما وهو يبكي، وبالقرب منه كانت جثة طفل صغير مقطوع الأذن ملقاة على الأرض.

ذكرتني ملامح مايك تايسون عندما رأيته في جنازة علي كلاي بالمباراة الشهيرة حين عضّ أذن خصمه بأسنانه، حصلت تلك المباراة قبل عشرين عاما تقريبا، كان الستلايت حديث الوجود في دمشق. عشية هذه المباراة كنت أتمشى مع خالد الشبلي في البساتين المقابلة لمنزلنا في مخيم اليرموك بعد منتصف الليل، تفاجأنا برجال شرطة متجمعين حول جثة طفل شُنق على إحدى أشجار الزيتون بعد اغتصابه، لم أبك وقتها لكن خالد لم يستطع تحمل المشهد، بعد عشر سنين من تلك الحادثة قطع خالد شريانه محاولاً الانتحار بعد أن هدم عمال البلدية الملحق الذي بناه بالدّين ولم يكن يملك المبلغ الذي طلبه منه رئيس البلدية، استطاع رجال الأسعاف في مشفى فلسطين إنقاذ حياته، ليشهد الجوع في حصار اليرموك، لم يمت وقتها، لكنّه كان أحد الميتين الذين وجدوهم في شاحنة متروكة على جانب الطريق في النمسا.

مطار شارل ديغول

كان رجل غاضب يتوجه نحوي بسكين، نهضت عن الكرسي لأهرب من قاعة السينما، لكنّي سقطت على الفور، بدأ الناس حولي يضحكون، زحفت خارج القاعة بساقين مقطوعتين، كان الرخام خلفي ملطخا بالدماء، وامرأة في المكان لا تزال تضحك

لم أكن يوماً بحاجة لمهارتي في إخفاء الدمع تحت الكلمات بمقدار حاجتي لها ذلك اليوم، مضت ثلاثون ساعة منذ قبّلت يد والدي للمرة الأخيرة قبل الخروج من دمشق، أحتاج قليلا من الهدوء لألقي نظرة على قلبي إن كان يبكي، قلبي الذي انفصل عني منذ اتخذت قرار الخروج. كنت أشرب القهوة قرب البحر عندما وصلني جواب السفارة ليبلغني برفض الأمن العام اللبناني تمديد تأشيرة الأربع والعشرين ساعة الممنوحة لي استثناءً وبتدخل من القنصلية الفرنسية، علاقة رجال الأمن باللاجئين تحمل وجها آخر إيجابيا، قلت لنفسي مبتسما، هم يصنعون منك رجلا مهما دون أن تدري.

وصلت مطار بيروت قبل الرحلة بخمس ساعات كي أضمن أختام الخروج قبل منتصف الليل، كرسي متحرك على باب المطار تولى نقلي نحو قاعة الانتظار، ورغم أنّ فراس قام بنقلي ذات مرة في مخيم اليرموك على عربة خضار، لكنّها كانت المرة الأولى في حياتي التي أجرب فيها شعور الجلوس في كرسي متحرك، مررنا قرب ميزان الحقائب، كانت نساء بلهجة سورية يرفعن عن الأرض حقائب كبيرة ليسحبها الحزام الجلدي المتحرك بعيدا نحو طائرة متوجهة إلى برلين، وفي المنفذ المجاور كان الجنود الذين احتجزتهم جبهة النصرة في الجولان ثم أفرجت عنهم واقفين بلباسهم العسكري الأنيق يتهيئون للمغادرة نحو فيجي، أين تقع فيجي يا ترى؟

في الحقيقة لم يشغلني أمر هؤلاء الجنود بقدر ما شغلني ما تحتويه تلك الحقائب الكبيرة، هل من علاقة ما مفترضة بين حجم الحقائب و نوع الإقامة التي يستحقها حاملها، أعيد ترتيب السؤال، هل يتساوى لاجئ ترك خلفه بيتا محطما وجثثا مرمية على قارعة الطريق لأقارب لم يجد متسعا من الوقت لدفنهم وانتقل حافياً بين قارة وقارة مشيا على الأقدام أو سابحا بين أسماك القرش مع لاجئ آخر أطفأ الأضواء وأنزل الستائر ثم ودّع جيرانه على مهلٍ دون أن ينسى شراء خمسة كيلوغرامات من الزعتر الأخضر الذي يعشقه أبناؤه حصرا من عند العرجاوي؟ في بعض الأحيان تصلح الحقائب كي تكون دليلا واضحا على علاقة إنسان ما بوطن هرب منه، قلت لنفسي.

كنت أتسلى بهذه الأسئلة كي لا أفكر كيف تمضي الأمور مع قلبي الذي انفصل عني منذ اتخذت قرار الخروج، هل يبقى الإنسان ذاته إن انفصل عنه قلبه؟ سؤال آخر للهروب.

في التاسعة صباحا حطّت الطائرة في مطار شارل ديغول، تولى شخص آخر نقلي في كرسي متحرك أكثر أناقة من السابق، بحثت عن قلبي الذي انفصل عني فلم أجده، لقد كنت أرتجف خوفا، وبرغبة طفل ضائع يبحث عن الأمان أخرجت جوالي لأتأكد من توفر الشبكة، اتصلت بصديقة لي تنتظر قدومي بفارغ الصبر وكانت تعلم بموعد الطائرة. أيقظتها من النوم: 

بلاقيك بشاتليه، أنا تعبانة وما بدي روح للمطار، لا تخاف الطريق سهل طلاع بالاير او اير بي. 

شاتليه؟!! اير او اير بي؟!!

اتصلت بصديق آخر قال لي أنّه متعب، لكنّه سيراني غداً بالتأكيد. 

وين رح تبقى؟ سألني، قررت أن لا أبقى في باريس، قلت له.

هذا أفضل لك، وين بلاقيك بكرا سألني وهو ينهي الحديث.

عند محطة القطارات، بتعرفها؟  

إي بعرفها، أجابني بلهجة ساخرة مع ضحكة أصابتني في أعماقي مع أنه حاول كتمها جاهدا.

هو يعيش في باريس منذ سنين وبالتأكيد يعرف محطة القطارات، لكنّي كنت خائفا جدا فحتى لو كان اللقاء قرب برج إيفل كنت سأسأله إن كان يعرفه، شعرت بالغباء، حاولت إخفاء وجهي عن الناس خجلا. رغبة ملحة لمخلوق يضمّني انفجرت داخلي فجأة، حضنت عكازي وحقيبتي وتكورت على نفسي مقاوماً رغبة عارمة بالبكاء بدأت تجتاحني، بدّي أمي كان قلبي الذي انفصل عني يصرخ طالبا العودة.

وفيما كنت غارقا في عالمي، كان الرجل الذي يدفع الكرسي قد أنهى كلّ معاملات الدخول، لم أنتبه لنفاد صبره إلا حين رأيت الرذاذ يتطاير من فمه وهو ينطق بلغة لا أعرفها، هززت رأسي في إشارة أني لم أفهم ماذا يريد، حاولت التكلم معه بالانكليزية لكنّ وجهه ازداد احمرارا، وفي النهاية هزّ الكرسي المتحرك بعنف ورفعه قليلا من الخلف كسائق شاحنة يريد تفريغ حمولته، أدركت أنه يريدني مغادرة الكرسي فورا وبذات الوضعية التي كنت عليها، متكورا على عكازي وحقيبتي حاولت الوقوف ناسيا أنني لا أستطيع، وما إن لمست قدماي الأرض حتى شعرت بالسكاكين تنغرز في ركبتيّ، ترنحت قليلا ثم سقطت على وجهي. 

كانت بعض شظايا اللابتوب متناثرة حولي، مدّ يده محاولا مساعدتي لكني دفعتها بعنف، الناس كلها تنظر نحوي، طاف الدمع وفاض ومن ثم انفجر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر + 12 =

زر الذهاب إلى الأعلى