ذاكرة حدث

يا متخبّي حفور وطلاع

«يا متخبّي حفور وطلاع!»…

كانت تغمض عينيها وتعد حتى العشرة، ثم تفتح عينيها وتصيح عبارتها، وتعيدها مرة ثانية أو ثالثة، فيهرع إليها من خلف الشجرة، كانت لعبة الطميمة هي اللعبة المفضلة لـ”سماح” الصغيرة ذات الأعوام الثلاثة، مع أخيها “مؤمن” الذي دخل عامه الحادي عشر منذ أشهر.

الجوّ الربيعيّ دافئ، والشمس تغازل أشجار الحديقة العابقة بأصوات العصافير؛ عصافير تتسابق فوق الغصون وتزقزق، وعصافير تلعب بالدور على الأرجوحة الوحيدة في الحديقة الوحيدة، في حيّ “الأربعين”، وتتصايح.. في حين انتشرت مجموعة أخرى تلعب الكرة.. و”مؤمن” هو الوحيد البعيد عنهم وعن صخبهم، لأنه نذر نفسه ليلاعب أخته الصغيرة لعبة الطميمة المفضلة لديها.

“أم محمد” جارة جديدة لي، استأجرت منذ أسابيع قليلة الشقة المقابلة لشقتي التي استأجرتها منذ أيام دراستي الجامعية. هي مهجّرة من مدينة “درعا” منذ أكثر من خمس سنوات، وسكنت مدينة “السويداء” مع طفلتها “سماح”. كانت في أوائل العقد الخامس من عمرها، متعلّمة بوعي المربية المتمكّنة، تحافظ على ابنتها وتوجهها بطريقة ذكية، كما لو أن الطفلة ذات احتياجات خاصة.

سألتها بعد تعارفنا ولقاءاتنا لمرات عدة، عن “مؤمن” الذي تتلفظ ابنتها باسمه دوماً؟ فسردت لي شيئاً من قصة تعلّق ابنتها بأخيها “مؤمن” الذي فارقته منذ سبعة أعوام، وما تزال تحلم بلقائه كل ليلة، وتطالبني بأن آخذها إليه.

«كان “مؤمن” يحمل “سماح”- رغم الفارق القليل بينهما في الوزن- ويدور بها في غرف المنزل، ولا يمل من اللعب معها.. كثيراً ما كانا يخربان كل ما يقع في طريقهما وهما يتسابقان ويتعاركان، تسبقهما شقاوة الطفولة وفرط النشاط، يختبئ أحدهما في غرفة وعلى الآخر إخراجه. حفظنا أنا وزوجي وابني الكبير “محمد” عبارتهما الدائمة: “يا متخبّي حفور وطلاع”.. وكثيراً ما كنت أعاقبهما وأمنعهما من اللعب لكثرة ما يخرّبان في البيت، فأتعب بترتيب الأشياء عدة مرات بسببهما.. كانا يهربان من عقابي إلى الحديقة المجاورة لمنزلنا، ويتابعان اللعب لساعات بين الأشجار، خاصة في الصيف وفي الأجواء الدافئة.

“سماح” كانت تترك غرفتنا أنا ووالدها، وتتسلل إلى غرفة أخويها، فأجدها في الصباح تنام بجانب “مؤمن” وقد أحكمت يديها حوله، وكأنه سيهرب منها. لم تكن متعلقة بـ”محمد” الذي كان عمره 18 سنة في ذلك الوقت كتعلقها بـ”منذر”، مع أن “محمد” كان يحبها ويشتري لها الألعاب والحلوى دوماً».

كانت “سماح” تجوب البيت ضجرة حين يكون “مؤمن” في المدرسة -حسب رواية والدتها- ولا تهدأ على حال، وتظل تسأل: ما رجع من المدرسة؟ وتنتظر عودته على الباب أحياناً لساعات دون ملل، حتى إذا عاد رمى محفظة كتبه من الباب، وجرى يسبقها إلى الحديقة، قبل أن يتناول غداءه أكثر الأحيان.

«وكثيراً ما كان يصرخ بوجهها- تتابع “أم محمد”- عندما تمزّق كتابه أو دفتره، وخاصة عندما يكون أحد زملائه يدرس عنده، فهي لا تكفّ عن المشاغبة وهتف دفاترهم وكتبهم وأقلامهم، فيلحق بها ويخلّص ما خطفته من بين يديها قبل أن تتلفه، لكنه كان حريصاً دوماً على عدم إيذائها.

وحين يحاول أبوها منعها ويقول لها إنه أصبح شهيداً، تقول: “إي الشهيد لا يموت، عمتي كانت عم تقول هيك.. الآن إذا ناديته سوف يخرج، أنظروا: “يا متخبي حفور وطلاع!!!”

في عام 2011 أواخر شهر شباط، الذي جاء جافّاً ودافئاً على غير العادة، اكتشف مدير مدرسة “الأربعين” بمدينة “درعا البلد”، صباح يوم الأحد، كتابة على جدران سور المدرسة من الداخل، تحاكي شعارات المتظاهرين في بلدان الربيع العربي؛ تونس ومصر وليبيا واليمن: “الشعب يريد إسقاط النظام… إجاك الدور يا دكتور” إشارة لتنحّي “زين العابدين بن علي” في تونس، ثمّ “حسني مبارك” في مصر.. فما كان من مدير المدرسة إلا أن بلّغ الأمن بالموضوع، فحضر الأمن السياسي إلى حيّنا، وبدأ بتحقيقات سريعة وختمها باعتقال ثمانية عشر طفلاً من أطفال المدرسة، بينهم “أحمد” و”سامر” صديقا ابني “مؤمن”.

خفت على “مؤمن” الذي كان في الشارع وسط اكتظاظ الناس المترقب، والكل لا يصدّق ما يجري حوله، الأمن يعتقل أطفالاً بين التاسعة والخامسة عشرة من العمر؟!! طلبت من زوجي إحضاره فوراً، استجابة لنداءات “سماح” التي أخذت تبكي وتناديه. كانت تتابع معه أخبار المظاهرات في الدول الثائرة، ومشاهد الاشتباكات مع الأمن والجيش، ووقوع شهداء ومصابين، ويهتفان مع المتظاهرين: “الشعب يريد إسقاط النظام”.

كان الحيّ على شفير بركان سينفجر، والناس متحفزون بانتظار تدخّل وجهاء حوران لإطلاق سراح الأطفال، والأمن يماطل ويسوّف بتحدٍّ قذر، لنعلم بعد أكثر من أسبوعين أن الأطفال تعرّضوا للتعذيب وتكسير الأصابع وسحب الأظافر والأسنان، وربما بينهم من مات.. وجاءت ردود عميد الأمن السياسي “عاطف نجيب” القذرة كوجهه؛ الصفعة الأخيرة في وجه وجهاء البلد: (انسوا أولادكم واجعلوا نساءكم تحمل وتخلف بدلاً عنهم، وإذا لم تستطيعوا ذلك فأتوا بهنّ إلينا ونحن نتولّى الأمر!!!).

في يوم الثلاثاء 15 آذار الذي اعتُبر عيد انطلاقة الثورة فيما بعد، انتشرت الدعوة للاعتصام بعد صلاة الجمعة 18 آذار، تحت شعار “جمعة الكرامة”.. وفي يوم الجمعة كان “مؤمن” قد نزل إلى الشارع، فأخذت “سماح” تناديه بأعلى صوتها من البلكونة: رجاع يا مؤمن رجاع.. منشان الله رجاع.. فما كان من زوجي إلا أن لحق به وأرجعه.. تشبّثت “سماح” بيديه وهي تستعطفه وتستحلفه ألّا يشارك بالمظاهرة، وكأنّ إحساسها بالخطر قد نبّهها وأخافها، ولم تتركه إلا وقد أخذت منه وعداً بعدم المشاركة.

وبعد ساعتين انطلقت الهتافات تشق عنان السماء في الشارع الرئيسي لحيّنا، أكثر من خمسمئة يهتفون: “الموت ولا المذلة”.. لم يطل الوقت حتى طوّقت الفرق الأمنية المكان، وراحوا يرمون المتظاهرين بالقنابل المسيلة للدموع، ويرشونهم بالماء من خراطيم سيارات الإطفاء، ويطلقون الرصاص الحي في الهواء بادئ الأمر.. كنا على البلكونة، فصاح زوجي ادخلوا بسرعة خوفاً من الرصاص الطائش.

دخلنا الغرفة، لكنّ “سماح” عادت إلى البلكونة وأخذت تصرخ، التفتنا إلى مؤمن فلم نجده، ركض أبوه إلى البلكونة والهاتف بيده يتصل به، رد الصوت على الهاتف: (عمو إلك العمر إبنك استشهد).. نزلنا إلى الشارع وكانت الفوضى تعمّ كل المكان، والمصابين بالعشرات، وجدنا رفيق “مؤمن” الذي أجاب على الهاتف مع ثلاثة أشخاص يتجمعون حول “مؤمن” ويحاول أحدهم إسعافه بالتنفس الاصطناعي، في حين قال الرجل الواقف بجانبه: (إنه بطل.. هجم على قنبلة غاز الأعصاب وحملها ورماها على دورية الأمن ثمّ سقط مغشياً عليه).. لم تفده الإسعافات يا حسرة قلبي- وتدفّقت دموعها وشهقت- مات مختنقاً بالغاز، كان جسده ضعيفاً…».

ولا بد لي من تخفيف حدة المشهد الذي روته لي “أم محمد” وهي تنتحب، لتخفيف الصدمة عليكم، لذا سأسرده بسرعة:

سقط في ذلك اليوم ثلاثة شهداء بالرصاص الحي، غير “مؤمن”: “حسام عياش”، و”محمود الجوابرة”، و”أيهم الحريري”. في حين نقلوا الطفل الشهيد “مؤمن” إلى البيت تحضيراً للدفن.

كانت “سماح” تبكي وتضحك، تبكي لأنهم يبكون، ثم تضحك لأنها تظنّ أنه مختبئ ليلاعبها.. وفي المقبرة بعد أن أهالوا التراب عليه، أفلتت يد أبيها وهجمت على القبر تحفر بأصابعها الصغيرة التراب، وتصيح: “يا متخبي حفور وطلاع”، وتضحك، وحين يحاول أبوها منعها ويقول لها إنه أصبح شهيداً، تقول: “إي الشهيد لا يموت، عمتي كانت عم تقول هيك.. الآن إذا ناديته سوف يخرج، أنظروا: “يا متخبي حفور وطلاع!!!” طال انتظارها وسط دهشة الجميع، عادت تحفر التراب بأناملها الصغيرة وتصيح: “يا متخبي حفور وطلاع.. كرمال الله.. كرمال الله طلاع.. والله ما بقى بدي طميمة.. بس طلاع”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 2 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى