ذاكرة شخصيه بورتريه

والدة الذكريات

ألتقيتُ بوالدته بداية عام 2013، في بيتها الكائن في حي من أحياء السويداء، بعد جدال ونقاش طويل بإمكانية ذهابي إليها، فقد كان مرتاباً وقلقاً من هذه الزيارة لخوفه عليّ، ولما قد يترتب على أثرها من أمور غير مأخوذة في الحسبان، بعد أن أعلن هو ورفاقه عن تشكيل كتيبة تابعة للجيش الحر، فبات اسمه معروفاً للقاصي والداني.

حينها كان القتل بمختلف أشكاله قد أصبح من يوميات الحياة في سوريا، وتحولت معه الثورة إلى حرب تأكل أجساد السوريين أينما كانوا، وكيفما كانت توجهاتهم، لندخل في نفق مظلم من العبث والهمجية التي أغرقت الشعب السوري بالموت والدم.

كانت لديه رغبة عارمة بسماع صوت والدته، بعد غياب طال أكثر من سنة ونصف على رؤيتها، كما كان لديّ هاجس كبير بالتعرف عليها بقدر ما حدثني عن هذه المرأة الجبارة، وكيف أنها كانت بجانبه طوال فترة حياته مثل صديقته، إلا أنه اختفى ولم تعد تعرف عنه شيئاً.

استجاب لرغبتي ولرغبته في المقام الأول وأخبرني عن العنوان بتفاصيله الحرفية: “البناية الثالثة على اليمين الواقعة في مربع البنايات المسور، الطابق الرابع، الشقة ذات الباب الخشبي”.

في صباح اليوم الثاني لحديثي معه، قام صديقي بإيصالي إلى الحي الذي تسكن فيه والدته، عندما وصلت إلى ساحة البناء الثالث، شعرت أن كل سكان البناء يتهامسون ويطلون برؤوسهم من النوافذ ليشتموا رائحة الزائرة الجديدة في حيّهم.

كانت البناية قديمة الطراز، ولو كانت الهزات الأرضية تصل إلينا لما صمدت يوماً واحداً. وبينما كنت أصعد الدرج كانت أصوات أبواب شقق الجيران تفتح وتغلق ليتسرب إلي فضولهم من بين شقوقها، يريدون أن يعرفوا أي باب سيفتح أمامي.

وصلت إلى الطابق الرابع لأرى أمامي باباً حديدياً مجنزراَ من جميع جهاته، حتى تخيل لي أنني داخلة إلى سجن، وقفت للحظة أستعيد تفاصيل المكان لأتأكد أن هذا هو بيتها، فقد وصف لي الباب بأنه خشبياً، يبدو أن أموراً تغيرت بعد غيابه وقد باتت خائفة على حياتها، وأن هذا الباب الحديدي وضعته  بعد أن انضم إلى “العصابات المسلحة” حسب رأي الجيران وأهل الحي.

 قرعت الجرس مرتين، سألت من وراء الباب من؟ فقلت: أنا صديقة حسام. صمتت للحظات بعدها قررت فتح الباب الخشبي ومن ثم الباب الحديدي، وقالت، تفضلي، أهلاً وسهلاً.

كانت امرأة في الخمسين من عمرها، ترتدي سروالاً أسود اللون وكنزة خفيفة تميل إلى اللون الرمادي، شعرها مائل إلى السواد منسدل على كتفيها. أدخلتني إلى غرفة الضيافة، في البداية كانت متوجسة مني وغير مرتاحة، إلى أن أخبرتها بأن حسام يريد أن يتكلم معها، عندها قامت بضمي إلى صدرها وأخذت تبكي وتبكي.

 كان البيت يحفُّهُ السكون والحزن، فخوفها من الوحدة ومن التواصل مع الآخرين، جعلها تصبح أكثر نأياً وبعداً عن كل ما يحيط بها، وعدم وجود أحد إلى جانبها يحميها زاد من شعورها بالعجز والخوف، فابنها الذي يصغر حسام بأعوام هاجر إلى روسيا، وابنتيها تزوجتا وأصبحت كل واحدة منهن لها بيتها وأولادها.

رتبت أمور الاتصال بشبكة الإنترنت على اللابتوب الذي أحضرته معي وخط الإنترنت، وكنت قد اتفقت معه على موعد محدد، حاولت الاتصال به مراراً ولكن المحاولات كلها باءت بالفشل، لأعلم لاحقاً أنه كان تحت القصف والهجوم الذي كانت تتعرض له الغوطة الشرقية حينها. ليخيب أملنا أنا وهي بعد أن كانت الفرحة تملأها لخبر سماع صوته بعد غياب طويل.   

 لكن رغم كل ذلك الذي تمر فيه، كانت امرأة قوية لم ينتابها الخوف يوماً رغم كل شيء مرت به، تحملت مصاعب وقسوة الحياة من أجل خلق أسرة متماسكة قوية. كانت ثقتها وايمانها بحسام أكبر من أي خوف أو ظلم. تقول والغصة تملأ قلبها وروحها: “عندما كنت أمشي معه في الشارع أشعر أنني أمسك الدنيا بيد واحدة، مالكة العالم”.

حدثتني يومها عن أمور كثيرة عن حسام وعن العيش بمفردها وحيدة في البيت، وما تتعرض له من مضايقات، وأحاديث تصل إليها من الجيران وأهل الحي بعد أن أصبح حسام في الجيش الحر. تقول لي: ” بقيت فترة طويلة لا أعرف عنه شيئاً لحين شاهدته على محطة أورينت وهو يعلن عن تشكيله للكتيبة، كنت سعيدة وخائفة عليه كثيراً، لكنني أثق بخيارات وموقف حسام، والطريق الذي سلكه”.

غادرتها بعد أن أغلقت ورائي باب سجنها الحديدي، لتعود إلى أماكنها وذكرياتها التي روتهم لي بكافة تفاصيلهم، عن كل ما يتعلق بحسام منذ صغره ولغاية آخر يوم رأته فيه.

بقيت أتواصل معها وأراها بين فترة وأخرى للاطمئنان عليها ولأطمئنها عن حسام، فلم يكن لديها أي وسيلة للتواصل معه. في كل مرة أذهب لزيارتها كنت أشعر بأن وضعها يزداد سوءاَ، فالوحدة التي تعيشها، والخوف من المحيط والواقع جعلها تتوهم بأشياء كثيرة تحدث معها في البيت دون دراية منها، وتعزي نفسها بنفسها بقولها “انشاء الله سوف يسقط النظام ويعود حسام إلى البيت وأتخلص من كل هذا الذي أنا فيه”.

لكنها لم تتخلص من شيء بل زادت معاناتها أكثر، حتى أنها أجبرت على لباس الزي الديني كي لا يعرفها أحد عندما تمشي في الشارع. كانت تقاوم الواقع بالهروب من الحياة والانتظار وحيدة، حتى تلقت خبر وفاته الذي كان فاجعة عليها وعلى كل من عرفها وعرف حسام، بعد أن نجا من القصف والطيران الذي كان يتعرض له يومياً، توفي بحادث سيارة عند عبوره الحدود في إحدى الدول الأوربية.

بعد وفاته ببضعة أيام ذهبت لزيارتها، وحينها كان الإرباك العميق بالنسبة لي، لم أعرف بماذا أواسيها أو أقول لها، الكلام هنا لا معنى له، فقط ضممتها، وأخذنا البكاء إلى انسياب الكلمات من فمها، ” راح بهجة قلبي وروحي قبل ما شوفوا، بحسد تراب النمسا لأنها احتضنت حسام الغالي، انشالله تكون أم حنونة وتدير بالها عليه، يا حيف على هالخسارة إلي خسرتها. يا حسام ما ظل دمع يكفي”.

بعدها عمّ الصمت المكان، وانطوت على نفسها، وبقيت أراقبها وهي تصلي بسرها وقد قصم الفقد ظهرها.

عندها أُقفل باب السجن عليها، لكن هذه المرة ليس الباب الذي اعتادت عليه، وإنما الباب الذي كانت تجعله مفتوحاً لتحافظ على ما تبقى لها من حياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة + عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى