ذاكرة حدث

في ذكرى الصرخة

خطوة إلى الأمام، وخطوة إلى الخلف، هكذا كنت أسير في طريقي إلى ساحة (السير) وسط المدينة عام 2015، حيث ستقام هناك مظاهرة من أجل الاحتجاج على الظروف الاقتصادية السيئة والاحتلالات المتعددة التي دخلت البلاد، وعلى الاستبداد وقمع الحريات وغيره. وعلى الرغم من أن المظاهرة -كما اتفق منظموها- لن تتناول شخص الرئيس وكلمة (النظام) لأسبابٍ تكتيكية، إلا أنني لم أتجرأ على المشاركة فيها، وكنت أسير كما اخبرتكم خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، تدفعني الرغبة إلى الأمام ويشدني واقعي إلى الخلف.

لكن وفي طريقي إلى هناك، وقبل بضعة مئات من الأمتار بدأت أشاهد انتشار عناصر الأمن واستنفارهم، وكانت كل خطوة تعني ازدياد مشاهدة عدد أكبر منهم، وعليه بدأت نبضات قلبي تزداد أيضاً، ويداي ترتجفان، علماً أني لم أقرر المشاركة، وفقط قررت المشاهدة من بعيد.

أما لماذا، فقد كنت أشعر بأن زمن التظاهر قد فقد قيمته في البلاد ولم يعد الأمر بيدنا، وتعريض أنفسنا للخطر الأمني لن ينعكس سوى سلباً على حياتنا دون جدوى، فقد بت أعمل في مكان لا بأس فيه وبدأت أجد نفسي في ذلك العمل، ولا أريد أن أخسر نفسي ومستقبلي لمجرد المشاركة فيما لا جدوى منه حسب قناعتي.

هي الساحة عينها التي اقتربت منها عام 2011 للمشاركة في مظاهرة تحاكي مظاهرات باقي البلاد حينها، وهو الشعور عينه الذي راودني حينها، نبضات القلب ورجفة اليدين وثقل الأنفاس وتلعثم القدمين. لكننا حينها وبعد رؤية الانتشار الأمني الكبير قررنا أن نلغي المظاهرة، لتسري كلمة السر بيننا “فركش”. تلك الكلمة التي كان يعني سماعك لها بأنك شاركت دون أن تشارك.

أنك حاولت، دون أن تستطيع. لتعود إلى منزلك حاملاً مبرراً خارجاً عن إرادتك، كتقريرٍ طبي يبرر غيابك عن العمل على الرغم من حبك للقيام بعملك.

لكن معنى الكلمة يأخذ دلالاتٍ هنا هي أكثر من معنى التبرير، إلى معنى العجز، وعدم القدرة على الانتشار، وعدم القدرة على التوسع والنمو للمجابهة وقلب الموازين بوجه نظامٍ ما زالت سطوته أعتى من إرادتك للعيش.

كانت تلك الكلمة تحيلنا إلى التفكير من جديد في تكتيك عملنا، وإيجاد سبلٍ جديدة للعمل، من تغيير مكان التظاهر والابتعاد عن مركز المدينة الواقع تحت القبضة الأمنية المشددة، وتحيلنا إلى التغيير في نهج الدعوة والشعارات، ولطالما غيرناها كثيراً، لكن دون جدوى، فالخصم لا يمكنه تحمل الخروج عن سطوته تحت أي ذريعةٍ كانت، والاستقطاب الذي حصل وشرخ الشارع السوري كان قد فعل فعله، وباتت محاولاتك للالتفاف عليه مكشوفة، فمجرد أنك تطالب ولو بتحسين رغيف الخبز يعني أنك مع الطرف الآخر ولو بتكتيكٍ مختلف، وكان للشرخ أن يزداد مع دخول البلاد في التحارب العسكري الذي لا يسمح لك بأن تقف في المنتصف.

كانت البلاد تتحول يوماً بعد يوم إلى ساحة معركة حين اكتشفنا أن علينا أن نعود للتحاور مع الناس قبل البدء بدعوتهم لمشاركتنا، أن نفهم ماذا يريدون وأن نتفهم مخاوفهم، التي باتت تصبح واقعاً ملموساً بالنسبة لهم، بل وبالنسبة لنا أيضاً.

ها قد سرق الحق من أمامنا ليصبح ورقة للمطالبة باستباحة البلاد، استباحة ستأتي علينا وعلى حقنا. لتغدو مشاركتك في إعلاء الحق سلاحاً بيد المعارضة الخارجية لإعلاء الصوت في المطالبة باستباحة البلاد.

يوماً بعد يوم وعاماً بعد آخر تحول الحق إلى ماضٍ غائب، بل استشهد في ساحة المعركة، في ظل اختلاف الطرفين المتحاربين على من أطلق الرصاصة عليه، وفي ظل اختلاف النظرة ضمن المعارضين أنفسهم على من دفع بالحق إلى تلك الساحة المكشوفة كي يغدو فريسةً سهلة المنال.

وفي ظل ذلك كله كنت قد بدأت أنسحب من الساحة كي لا أسقط شهيدة الخلاف كالحق الذي ذكرت، وبدأت أنخرط في الحياة الواقعية البعيدة عن الصراع، وقودها الصبر بانتظار انفراجٍ ما، ومحركها العمل المنقذ من السقوط على قارعة الطريق.

نجحت إلى حدٍ ما في عملي، وفي تدبير شؤون حياتي، لكن وفي بلادٍ يحكمها الاستبداد لا يمكن لك النجاة إلا مصادفةً، وإن كنت قد نجوت فلا يعني أنه يمكنك أن تنجو هنا باتباع نهجٍ ما، بل أن حظك قد نجَّاك، ولا يعني أنه يمكن للبلاد النهوض طالما أنها ما زالت تعيش، بل يعني أنها ما زالت تتدبر أمورها وتحت مظلة تدبير الأمور يمكن للبعض التفكير بشيءٍ ما، ريثما يفسح المجال له بالظهور.

لذلك لا يمكنك أن تهرب من حقيقة أن الاستبداد سيصطدم بك في أصغر تفصيل، وسيخرج أمامك في كل ما تريده من الحياة من أمورك المادية وصولاً إلى حياتك العاطفية وطموحاتك المستقبلية، هو كالهوية لا يفارقك، بل وللمفارقة شعاره على هويتك.

هروباً من أن أكون شهيدة الصدفة وسط ساحة المعركة، وجدت نفسي شهيدة الهامش، الهامش الذي سينسى الجنود تفقد من فيه من جرحى بُعيد المعركة، ليتقدموا أو يتراجعوا، دون أن ينتبهوا له، لينزف بصمت وربما يموت بصمت، وفي خضم مكافحتك للنجاة عليك أن تمر في الوسط.

لا فكاك من المجابهة، وإن التففت عليها، كما لا فكاك من الاستبداد وإن نفذت منه مصادفةً، تلك حقيقة كحقيقة وجود الشمس، وهل هناك من يستطيع الهروب من وجود الشمس؟

خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف، نعم كذلك كنت أسير كي أكتفي بالمشاهدة، يزداد رجال الامن ويزداد قلبي خفقاناً، ترجف يداي وترجف أنفاسي، لا زالت كما كانت قبل أعوامٍ إذاً، لا زال خوفي كما هو وإن ظننت أني نسيته، لا زال الاستبداد كما هو وإن اعتقدنا بتراجعه.

خطوة وراء خطوة كان صراعاً دامياً يجول في رأسي، لينهيه رؤية صديق قديم كان يتظاهر معنا منذ سنوات، فيفرح لرؤيتي ويسألني على الفور:

شو جاي تطلعي معنا، لأجيبه دون أن أنتبه:

طبعاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 − عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى