ذاكرة حصار

حقيبة كورت جودل وحدود المنطق

إذا نظرتَ إلى كثير من صوره الفوتوچرافية، سيلفت نظرك أول شيء نحوله المرضي الشديد. جلده رقيق وجاف، عيناه غائرتان في محجريهما، عظام وجهه ناتئة معروقة من اللحم والشحم، خداه مجوفان. باختصار: كل علامات سوء التغذية.

أكان محاصرا معنا في المخيم؟ لا أظن ذلك، فقد مات عام 1978. ما كانت مشكلته إذن؟ كان مصابا بشكل من أشكال البارانويا، والبارانويا هذه شعور ثابت وغير عقلاني بأن الناس يترصدونك، يتربصون بك الدوائر، يغتابونك، يكذبون عليك ويخادعونك، يتجسسون عليك، يخططون لقتلك. العالم ــ بكل بساطة وقسوة ــ تهديد مستمر لك. تفقد ثقتك بالآخرين، وتفقد قدرتك على التسامح أو النسيان. سيكون لك قلة قليلة من الأصدقاء الذكور، لكنك قد تستمتع برفقة النساء اللائي سيجدن فيك جاذبية خاصة. والبارانويا تسبب النحول؟ إن حدث أن استحوذ عليك هاجس بأن أحدا يحاول تسميم طعامك، سيكون ذلك النحول أبسط ما تعاني منه. ثم ستموت من تجويع ذاتي، شبيه باعتفاد العرب، ووزنك لا يتعدى تسعة وعشرين كيلوجراما. عمن نتحدث؟ عن “كورت چودل”، أحد أبرز علماء المنطق على مر العصور. كان في أواخر عشرينياته حين وضع نظريته في “عدم الاكتمال في الأنساق الرياضياتية”. وكانت شيئا ثوريا، ولا تزال. كل ما فهمته منها، هذا إن كنتُ فهمت، أن هناك “قضايا” نعرف أنها صحيحة، لكننا لا نستطيع البرهنة على ذلك. وأنه كان لنظريته هذه دور هائل في تطور الحوسبة. وما شأننا وچودل هذا؟

لأني كنت مصابا بالبارانويا حينها، كنا جميعا كذلك. كان يُخيل لنا أن هناك جيشا وطنيا اسمه “الجيش العربي السوري” وفصائل فلسطينية مقاومة تحاصرنا، وتستعد لاقتحام مخيم اليرموك في أي لحظة، ولا تضن علينا بقصف وتجويع. كان منا من اشترى مسدسا وذخّره برصاصة واحدة. ومنا من اقتنى حقنتين من البوتاسيوم لدفشهما في وريده عند الحاجة. ومنا من وضع عبوة الغاز الوحيدة التي يمتلكها في مدخل بنايته وأعد العدة لتفجيرها إن لزم الأمر. ومنا من احتفظ ببعض بذور الخروع، وإن كان يجهل كيفية استخراج سم الريسين منها الذي يفوق بسميته ذيفان الكوبرا بمرتين. وعلام كل ذلك؟ ربما لم يكن عند أحد منا ذلك الطموح بأن يكون أحد النزلاء في “منتجعات الأسد للتربية الوطنية”.

وكان يخيل لنا أن هناك جيشا اسمه “جيش الإسلام” يحمي تخومنا، ويتوعد باقتحام العاصمة في أية لحظة وإسقاط النظام. زرع فينا ذلك مزيجا من الأمل والرعب. الأمل مفهوم، لكن لم الرعب؟ ربما لأن من أعراض البارانويا فقدان الثقة بالآخرين كما أخبرتك. وربما لأن هذا الجيش زعم أنه يريد نصرتنا. وهذا يثير الرعب؟ نعم! فأنا لم أطلب منه أو من أحد غيره أن ينصرني. ثم إن اسمه “جيش الإسلام”، وما شأني والإسلام؟ صحيح أن لي أصدقاء مسلمين لكن هذا لا يعني أن أحمّل جيش الإسلام عبء نصرتي.

وعلى الرغم من  ذلك، فقد سبق له ونصرني. ألا تذكر يا أخي حين كنا محاصرين في اليرموك يحصدنا الجوع واحدا بعد آخر، من الذي حرك مقاتليه في عروض عسكرية من أجلك؟ من تنكر بثياب بابا نويل وأدخل لك الطعام في الكريسماس؟ من الذي أقسم لا يحلب حليبا ولا يولج قضيبا حتى يحيا الناس؟ حينها، لا أخفيكم، تمنيت لو أني وُلِدتُ مسلما وأن لي جيشا كهذا الجيش، ولحية مهذبة أو كثة مثل المجاهد فلان أو الشيخ أبي فلان.  أكان أحد يسمم طعامكم؟ ما كان عندنا طعام، غلبناك في هذه يا چودل! كانوا يسمموننا باللاطعام.

واستولى النازيون على الحكم. وبدأت الإطاحة باليهود وغيرهم: مرة لأنهم من أعراق متدنٍّية، ومرة لأنهم متآمرون أزليون، أو شيوعيون، أو مخربون، أو جواسيس مندسون، أو إخوان مسلمون، أو دواعش. چودل لم يكن يهوديا، لا خطر مبدئيا عليه. ثم ما شأن عالم رياضيات ومنطق بما يحدث؟ غدا سيسقط هتلر، ونذهب جميعا إلى الجحيم. ربما كان چودل من جماعة الحياد، أو فصل الرياضيات والرياضة عن السياسة، أو “السياسة زائلة، أما المعادلات فمصيرها إلى الخلود”، وربما لأن مرضه النفسي أفقده الشعور بالتعاطف. لم يأبه لزملائه وهم يطاح بهم واحدا تلو الآخر. لم يعترض على تصرفات هتلر مثلما فعل علماء آخرون من طراز ماكس بلانك الذي قابل هتلر شخصيا وأبدى احتجاجه على ما يجري بحق العلماء والمفكرين الألمان، وبحق الإنسانية. اعتكف چودل في منزله، وانغمس في نظرياته ومعادلاته. العالم يتهاوى من حوله وهو يتصرف كما لو أنه في عطلة نهاية الأسبوع. لكنه كان خائفا. خائفا لأنه مصاب بالبارانويا، وخائفا لأن كثيرا ممن أطيح بهم هم من أصدقائه المقربين. يُغتال صديقه ومعلمه موريتس شْلِك. يزيد الرعب، يزيد الانغماس. ولأنه كان دائما تحت التهديد، أو هكذا خيّل المرض عليه، جهّزَ حقيبة تحوي أهمّ مقتنياته. حتى إذا اضطر إلى هروب مفاجئ، أو تغيير مكان سكنه لخطر طارئ، لم يُضع وقتا. كذا يتصرف عالم منطق حتى لو كان مريضا نفسيا. يرتفع مستوى الماء، لكنه ناءٍ بحقيبته وزوجته، الكائن الوحيد الذي يثق بتناول طعام من يده. ثم يصل البلل إلى ذقنه. العام هو 1939، تفحصه لجنة طبية فتجده مؤهلا جسديا ونفسيا ليكون جنديا على الجبهة في خدمة الرايخ الثالث. ولأنه فوق كل عيوبه خائن لوطنه وجيشه، يحمل حقيبته، وتحمله زوجته، ويدوران حول العالم في رحلة هروب كبيرة ليستقر في الولايات المتحدة ويصبح مواطنا أمريكيا، بعد أن كان تشيكوسلوفاكيّا ثم مجريا/نمساويا ثم ألمانيّا عريق المحتد.

يقرأ أحدنا سير العظماء ليتعلم منهم، هذا هو المنطق. ولأني مثله مصاب بالبارانويا، قلت: فلأجهز حقيبتي إذن! وماذا ستضع فيها؟ كما العادة، ما خف وزنه وغلا ثمنه. سيكون فيها مثلا:
· خاتم فضي أهدتنيه امرأة كنت أحبها وتحبني فوضعته في بنصري الأيسر، واختلف الأحزاب في تأويل ذلك، وأنقذني من مشكلات وأوقعني في غيرها. لكني كثيرا ما كنت أنتزعه من إصبعي في سنوات الحصار كُرمى لِعَين وعقامة العمليات الجراحية.
· قلادة تحمل قلب حب زجاجيا يسبح فيه اسمها الشريف مكتوبا على حبة رز في سائل يجمع أحمر الشفاه إلى حمرة دم الغزال.
· جُبّة كان يطيب لي تصور أنها من شعر ماعز، جديرة بمتصوف من مقام الحلاج وهو يقول: ما في الجبة إلا الله.
· دفاتر كنت أكتب فيها ما أسميه نصوصا: لا هي قصص، ولا خاطرات، ولا قصائد نثر، وليس ينقصها شيء من نظم. كانت وفق مصطلحات النقاد: تستعصي على التجنيس الأدبي، أي مثل كاتبها، لا جنسية لها.
· أوراق تافهة تثبت من أكون، وتؤكد أني تخرجت في كلية الطب، جامعة دمشق. ثم تخصصت في الجراحة البولية والأمراض التناسلية.
· مسودة/مخطوطة رواية تجريبية بدأت كتابتها مستلهما محيي الدين بن عربي، وكان عنوانها المبدئي: النهاية السعيدة لحياةٍ كلبة.
· بضعة كتب، بضعة فقط، كانت أثيرة إلى عقلي وترتبط بذكريات الطفولة.

لكن يندر أن يجتمع المنطق والكسل. كان هناك عظيم آخر يغادر سريره مرتين أو ثلاثا في العام، ثم حاز جائزة نوبل في الأدب.  لم تكن له أمّ كأمّي تقول له كل صباح: “يللا قوم! هاي العصافير فاقت من نومها” فلم أستطع أن أقتدي بهداه على الوجه الأمثل. لكن ظل الكسل يغريني، ظل رياضتي المفضلة، وطريقتي في ممارسة اليوچا. وابتكرتُ تأويلي الخاص لقول مأثور لم يحظ بالشهرة الجدير بها: “لا تفعل اليوم ما تستطيع تأجيله إلى غد”. ماذا أفهم إذن؟ بالضبط! لم أجهّز حقيبتي تلك، وحين غادرت المخيم اكتفيت بالثياب التي كانت علي. وإن كنت تمكنت بعدها من استعادة أشياء مما ذكرت، لم يكن من بينها الخاتم والقلادة والجبة والكتب. وكان لقصة الاستعادة هذه ذاكرة حقيقية صحيحة، وإن كنت لا أستطيع البرهنة على ذلك.

ولعلّه بسبب البارانويا اللعينة تلك، لا أفهم تعبيرات من قبيل التسوية، والمصالحة الوطنية، والتسامح، والعض على الجراح، وعفا الله عما سلف، والمساكنة “الشرعية” في وطن واحد وتحت سقف واحد مع من قتلوك. على الأقل، ليس قبل أن تأخذ العدالة مجراها، وتهترئ عظام المجرمين وتنخرها الديدان.

للمنطق حدوده إذن وفق چودل، للبلدان حدود، في الشرائع حدود، للمصطلحات العلمية والفلسفية حدود، الغباء البشري وحده ــ وفق آينشتاين ــ لا حدود له، الرضى بالعبودية المستديمة والمستدامة لا حدود له أيضا على ما يبدو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى