ذاكرة حدث

في الطريق إلى منبج

لم يمض وقت طويل منذ مغادرة الباص لكراجات الراموسة في حلب. لقد أصبحت المدينة كاملها خلفي بذكرياتها و جامعتها وأسواقها والأشخاص الذين قضيت معهم السنين الست الماضية، لم أتخيل حين وصلت هذه المدينة بأني سأشهد فيها الأحداث التي جرت أمامي طيلة الأربع سنوات الماضية، كان شريط الذكريات يمر مسرعا أمام عيني كلما ابتعدت أكثر عن مدينة الرعب هذه، الجثث المتناثرة في مجرى نهر قويق، أصوات المظاهرات المنطلقة من أمام كلية الهندسة يقابلها صوت الرصاص المنهمر من فوهات بنادق رجال الأمن، القذائف المتبادلة بين قسمي المدينة الشرقي والغربي كلها الآن ورائي في طريقي نحو الخارج.

لم أحسم خياري بعد بخصوص الجهة النهائية التي ستنتهي فيها رحلتي التي بدأت الآن، كنت مدركا بأني ذاهب باتجاه الشمال نحو تركيا التي سأستقر فيها بضعة أسابيع عند أبناء عمومتي انتظارا لمركب يحملني نحو المجهول الذي لم أقرر تماما أين سيكون، لكن من الأكيد أن البقاء في هذه البلاد لم يعد ضمن قائمة خياراتي.

ضرب عنيف على حديد الباص أوقظني من لحظة غفوة، كان جميع الركاب ينزلون من الباص مسرعين نحو رجال يرتدون ملابس سوداء أراها للمرة الأولى، إذن نحن أصبحنا تحت سلطة الخلافة قلت لنفسي، بسرعة الله يرضى عليكم يقول سائق الباص، وقفوا واحد واحد خليكم تنتهوا بسرعة يقول أحد المسلحين بلهجة عراقية واضحة.

جمع هؤلاء الرجال هوياتنا الشخصية ثم بدأوا بمناداتنا واحدا واحدا والسؤال عن وجهتنا النهائية، فيما توجهت النساء نحو صومعة قمح يبدو عليها آثار الرصاص بالقرب من الحاجز، حيث كانت نساء بقامات طويلات تتولى تدقيق هوياتهن الشخصية والحديث معهن، لقد كنا جميعا متوجهين لمدينتي منبج والباب، هكذا طلب منا سائق الباص الإجابة عن أسئلتهم قبل الصعود للباص وبينما كنت أتلفت نحوي متاملا المكان الذي يبدو وكأنه شهد معركة للتو، نادى علينا سائق الباص بالصعود وانطلق الباص من جديد بعد أن نزل بعض الركاب المتوجهين نحو مدينة الباب.

كان الباص يمضي متهاويا فوق الطريق الاسفلتي المليء بالحفر نحو مدينة منبج فيما كان قلبي لا يزال يخفق لمنظر الرجال أصحاب اللحى الطويلة الذين تركناهم خلفنا، كانوا بمجملهم هادئين ولم يتعرضوا بالأذى لأي شخص، فقط صرخ أحدهم على أحد الركاب الذي بدأ بكيل المديح بصوت عال لجند الخلافة الذي اعتبر كلامه نفاقا، وما كان من هذا الرجل إلا أن صمت ورجع الى الخلف بخجل.

كانت أصوات أذان العصر ترتفع من مساجد المدينة لحظة دخولنا شوراعها الفرعية بعد أن مررنا على ثلاثة حواجز في مدخل المدينة دققوا الهويات دون ان يطلبوا من الركاب النزول من الباص، لفتني أن العديد من الرجال المتواجدين على هذه الحواجز كان يتحدث اللغة العربية بصعوبة فيما هناك اكثر من رجل تحدث باللغة الإنكليزية حتى وصلنا الحاجز الأخير قرب البلدية حيث كانت نهاية الرحلة.

كان حاجزا مختلفا عما سبق وكانت سيارة سوداء كبيرة كتب عليها بخط جميل: شرطة الحسبة

حسنا لقد بدأت معالم الجهاز الإداري لداعش تبدو مرئية بشكل واضح للجميع.

لقد أنشأ التنظيم في المدينة نظاما أمنيا بدائيا وان كان صارما مكونا من شرطة الحسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما كان التنظيم يقدم للاهالي الخاضعين لسيطرته بعض الخدمات الادارية في بيئة مرعبة من القمع وكان من مهامه توجيه النصح للقادمين الجدد المفترض بأنهم من السكان الوافدين لدولة الخلافة، جمعنا أحد الرجال في حلقة حوله بعد أن فتشوا جميع حقائبنا و دققوا في هوياتنا للمرة الرابعة او الخامسة وكأنه ليس لديهم ما يفعلونها سوى ذلك ومن ثم أخذ الرجل في الكلام بعد أن حمد الله وشكره على نعمة الخلافة، كان يتحدث محاولا استخدام لغة عربية فصحى بطريقة تثير الشفقة أكثر مما تثير السخرية، طلب منا الامتثال لأوامر الخليفة والدعاء له في صلاتنا دون أن ينسى تذكرينا بعواقب التواجد في الشارع وقت صلاة الجمعة وبعقوبة الربا!!

الربا!! قلت لنفسي مستغربا ما دخل الربا في كل ما يجري هنا

لم أنتظر وقتا طويلا لأدرك بأن هذا الرجل كان يستعرض علينا كل ما يحفظه ويستطيع قوله من الناحية الشرعية وفي المقابل كان هناك نساء أخذن بتفتيش حقائب النساء اللواتي كن معنا في الباص و أيضا بتوجيه الأوامر لهن و إن بدت على هيئة نصائح، كانت وقفتهن و أصواتهن تشبه أصوات مدرسي التربية العسكرية في مدارس النظام سابقاً:

يا أختي الحجاب قيمة وحشمة إلك بلا ما تتبهدلي من شي رجّال قليل حيا أو دورية حسبة ما تعرفي تتفاهمي معهم، يا أختي لا تخرجي من بيتك بدون رجال تمشي وراه، ما بتعرفي الناس شو بتفكرك، يا أختي حتى الصلاة مو مضطرة تصليها بالجامع، بيتك أولى فيك.

ولم يكد هؤلاء الرجال يسمحون لنا بالمغادرة حتى مرت سيارة مسرعة بالقرب منا وخلفها كانت سيارتان مليئتان برجال مدججين بالسلاح، وقفت السيارة في مكان بعيد عنا في منطقة سأعرف لاحقا بأنها دوار جرابلس و أنزلوا شيئا ما وهم يحاولون رفعه على السور الحديدي.

انتهز الرجل الذي كان يقدم الأوامر الفرصة ليبشرنا بحظنا الموفق بأننا سنرى بعض من العقوبات التي اعتاد جند الخلافة انزالها بالمرتدين.

هذا مصير من يخون خليفة المسلمين والمجاهدين، قال الرجل مبتسما بصوت هادئ، لقد كان متعاملا مع كفار الجيش الحر لعنه الله، أكمل كلامه.

نظر الركاب في بعضهم متسائلين إن كان بإمكانهم المغادرة قبل أن يتحرك أحدهم وهو يقول سأذهب لأرى ماذا يحدث، كان يبدو كمن يستجدي سببا لمغادرة المكان وما لبث أن لحق به رجال أخرين ومن ثم انفض الجميع.

كنت أخر الواصلين نحو المكان الذي تجمعت فيه الناس

ثلاثة رجال رفعوا رجلا مثبتا على باب خشبي، لقد كان كل واحدة من أطراف ذلك الرجل معلقة بإحكام على زاوية من زواية الباب، أفلتت إحدى أطرافه العلوية من الحبل ومالبث أحد الرجال أن أعاد تعليقها وهو يلعن الرجل الميت بصوت خافت، ثم نظر نحو المتجمعين و رفع بندقيته و اخذ يصرخ:

هذا مصير من يقاتل مع المرتدين.

أدار الرجل بصره في جميع الموجودين وحين التقت عيناي بنظراته أخفضت رأسي،

لقد كنت خائفا جدا

على الرغم من الجحيم الذي رأيته سابقا، لكن الخوف هذه المرة كان بطعم لا يشبهه شيء

بطعم مر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

8 − ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى