ذاكرة مكان

خلاف عائلي

لا يزال مشهد المرور أمام متجره مثيراً للارتباك والحيرة والأسئلة التي لا تنتهي، كم يشبه حاله حال غالبية من بقوا في البلاد، فوجهه المتجهم، وابتسامته النادرة الثقيلة والخاطفة في آن، تكاد تلخص حالنا جميعاً.

إنه زوج عمتي الذي يملك متجراً صغيراً في قلب المدينة يبيع فيه المعدات الكهربائية المنزلية. محله هو نصف محل أبيه، فالنصف الآخر كان لأخيه سماح، حيث ورث الأخوان عن أبيهما محله ليفتتح كل منهم نصفه الخاص، فالأول يبيع المعدات الكهربائية والثاني يبيع مستلزمات تلك المعدات، بحيث يكمل عمل كل منها الآخر.

لكن حكاية الأخوين كحكاية البلاد، فبعد أن تعايشا فترةً من الزمن في تلك الحال من العمل، جاء العام 2011 ليؤسس لشرخٍ بينهما، ما لبث أن بات يكبر ويكبر، إلى أن وصل حد الخلاف والقطيعة، وصولاً إلى بيع أخيه سماح لمحله والهجرة خارج البلاد.

فبعد أن بدأت المظاهرات تظهر عام 2011 اتضح أن لكل من الأخوين رأيه فيها، فالأول زوج عمتي كان ضدها ورأى فيها أنها نذير شؤم ستجلب الخراب للبلاد التي وإن كان فيها الكثير من المشاكل لكنها ستذهب إلى الهاوية إن حدث فيها خللٌ ما، ليختم كلامه بجملته الشهيرة “يعني متل العراق”.

في حين كان رأي أخيه سماح أن هذه المظاهرات هي التي ستنقل البلاد إلى عهد جديد تسوده العدالة والطمأنينة وعدم الخوف من الاعتقال، عهدٌ طالما حلم به وما لبث يحكي عنه ويتخيله ويختم كلامه بعده بجملته الشهيرة “يعني متل أوروبا”.

وعليه استمر الخلاف يكبر ويكبر دون أن يستطيع العمل المشترك والمصلحة المشتركة بينهما أن تحميه، إلى أن بدأت الأحداث اليومية تزيد الشرخ أكثر فأكثر، فانفجار سيارة مفخخة في دمشق كان يعني أن يزيد غضب كل منهم باتجاه الآخر متهماً “جماعته” بافتعالها، فزوج عمتي يرى أنها بفعل المعارضة وأخيه يراها أنها من اختلاق الأمن.

كان في محل كل منهما تلفاز مفتوح دوماً على محطات ذات توجه معين، لا يكاد أحدهم يستمع لنشرة الأخبار حتى يتجهم وجهه أكثر ويزداد حنقاً على أخيه، دون أن ينبس الآخر ببنت شفة.

قضى الأخوان سنيناً ينصتان لنشرات الأخبار أكثر مما ينصتان لبعضهما البعض، فكانت النشرات الإخبارية كمحرِّضة تفتن بين الأخوين الجارين، واللذين لا يغادر أحدهما محله سوى إلى منزله أو أصدقائه، فلا زوج عمتي ساهم في أي عملٍ يخص النظام أو مسيراته، ولا أخيه سماح ساهم في أي مظاهرة أو اعتصام معارض.

هكذا سارت الأيام والسنين تحفر اسفينها في علاقتهما، إلى أن ضاق سماح شقيق زوج عمتي بوضعه وقرر الهجرة، بعد أن فقد الأمل بالتغيير في البلاد. وفعلاً وفي إحدى أيام الجمعة قام بتصفية بضاعته لتاجرٍ يعرفه، دون أن يبلغ شقيقه بالأمر، وأغلق محله وانضم إلى أفواج المهاجرين اللاجئين إلى أوروبا.

استغرب زوج عمتي إغلاق محل شقيقه الذي وإن كان قد قطع الحديث معه منذ سنوات إلا أنه لا يكل من مراقبة تصرفاته وسلوكياته، حتى بدأ القلق ينتابه تجاهه، فهو يخشى أن يكون الله قد استجاب لدعواته بحقه حين كان يدعو عليه بسره قائلاً: “الله ياخدك انت وجماعتك”. وزواره يعلمون أنه لا يحب أن تُفتح أمامه سيرة أخيه، وهو لم يسأل أحد عنه لأنه دائماً ما يقول أمام الناس “لا يهمني أمره”.

لكنه عرف بعد أيام عن طريق الصدفة أن أخيه قد غادر البلاد إلى غير رجعة، نعم غادر البلاد دون أن يودِّعه حتى، غادرها إلى حيث لم يعد يهمه ما يحدث هنا، ولم تعد تهمه سجالاته مع أخيه.

لم يُظهر زوج عمتي ردة فعل واضحة على سفر أخيه، ولم تكن تتغير معالم وجهه حين تأتي سيرة أخيه، بل إن وجهه لم يلبث يزداد قسوةً وثباتاً، لدرجةٍ تشعر معها وكأن لا شيء يمكن أن يغير معالم وجهه، لا خبر ولا حادث ولا ذكرى يمكن أن تحرك تعابير وجهه.

بعد عامٍ على مغادرته يرسل سماح إلى أخيه زوج عمتي رسالة مفادها أنه يمكنه أن يتصرف بالمحل كما يشاء، يمكنه أن يبيعه أو يؤجره أو أن يضمه إلى محله بقصد التوسعة، لطالما مفتاحه معه، فقد كان كل منهما يضع نسخة من مفاتيح محله مع الآخر كنوع من الاحتياط، وعلى الرغم من كل الخلافات التي عصفت بينهما لم يقم أحدهما بمطالبة الآخر بمفتاح محله.

لكن زوج عمتي الذي استقبل رسالة أخيه دون أن يظهر عليه أي تعبير يشي بردة فعله المتوقعة، إلا أنه لم يحرك ساكناً، فلا هو قام بتأجير المحل ولا بيعه ولا ضمه لمحله الخاص. فقد كان يشعر أن كثيراً من النقاشات والخلافات والعلاقة الطويلة من المهاترات تحول دون قدرته على استخدام محل أخيه، فمن الصعب تجاوز ما حصل بينهما لمجرد إحساس أخيه المسافر به والسماح له باستخدام محله.

كذلك حالت العلاقة الشائكة دون أن يستطيع زوج عمتي الاستفادة من أملاك أخيه، ودون أن يستطيع أخيه المسافر الاستفادة منه بتسجيل ابنه الصغير في سجلات النفوس السورية في الداخل كما كان يرغب، بعد أن ولد في ألمانيا.

وحال الخلاف بينهما دون أن يستطيع حلحلة أية مشاكل عالقة، فكان خلافهما تلخيصاً لكثير من أحداث بلادنا الأخيرة التي فرقت أحياء متجاورة عن بعضها البعض، وفرقت قرى متجاورة عن بعضها البعض، وزملاء عمل وشركاء تجارة بل وفنانين وكتاب وأشقاء وأقارب تجمعهم المصلحة المشتركة لكن دون أن تقوى على رتق الخلاف، فخسروا بعضهم دون أن يفوزوا بشيء، خسروا المساندة والحياة المشتركة دون أن يكسبوا مسانداً جديداً، فتم رمي كل طرف في غياهب الوحدة والعزلة.

هكذا كان حال زوج عمتي الذي باتت الوحدة والعزلة تؤرقه، كان محل أخيه المغلق وكأنه رمزاً للاستعصاء السوري ومسار الحل المغلق، رمزاً للقطيعة المجانية التي رمت بأبنائها في عزلتهم فباتوا وحيدين دون امتدادهم العائلي “مثل أوروبا” وسط واقعٍ مأساوي “مثل العراق”.

لم يكن من شيء يتغير في ملامح زوج عمتي، فلا يمكن أن تمر وتراه مبتمساً أو حزيناً أو قلقاً، هو فقط متجهم ومثقل الوجه، وكأن شيئاً لم يعد قادراً على تحريك وجهه، وحدها التجاعيد كانت تحفر تضاريسها على بشرته ببطء لتوحي بمرور الزمن دون حدوث أي تغيير. صار وجهه هو الآخر يلخص قصة البلاد، تعب وعجز دون أي تغيير، كواجهة محل أخيه التي بدأ الصدأ يأكل فيها رويداً رويداً.

هكذا كلما مررت أمام محله ترتابني الأسئلة جميعها، ويرتابني الارتباك، ماذا حصل ما الذي فرقنا بتلك الصورة، كيف كان لكل ذلك الجنون أن يكون، ومتى سيخرج من سيصرخ بوجه كل ما حدث كفى كفى، أعيدوا الأخوة أصحاب الشراكة الحقيقية إلى بعضهم البعض.

اللوحة للرسام السوري احمد معلّا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين + 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى