ذاكرة لجوء

الغرباء…

«هل ثمّة أيّ كلماتٍ، يمكنها استعادة مستقبلٍ حُرم زمنه؟»

أستعيد هذه العبارة من رواية “ملاذ العتمة” للأديب “ظاهر عيطة”، وأنا أصغي لصوتها القادم عبر أثير الاتصال عبر الواتس أب، لمحادثة استرقت الكثير من وقتينا، واستنزفت أعصابي حتى اطمأننت عليها.. صديقتي “أم سامر”؛ “عتاب”، السورية- الألمانية، روت لي مأساتها القديمة- المتجددة، بعد سنوات من فراقنا.

«عندما وطئت أقدامنا الأرض الألمانية، بعد فرقة ما يقارب السنتين، أحسست الروح رُدّت إلي وأنا أحتضن “سامر”.. ورغم الدموع التي بلّلت ثيابنا، طار بنا الفرح فوق عذابات العالم الماضي، على أمل الاستمرار بحياة أفضل.. لكن “سامر” لم يعد “سامر”، الذي كان يلعب لعبة القطار، جارّاً خلفه إخوته، يدور بهم البيت ويخرج إلى الحديقة».

كانوا جيراني، وكان “سامر” في ربيعه الثاني عشر، عندما تركني باكياً لحظة ودّعتهم على عتبة بيتهم المستأجر في حي “النهضة” في “السويداء”، حين أزمعوا على الرحيل.. كان كتلةً من الحيوية والطاقة والمحبة، رغم تأثّره النفسي وكوابيسه الليلية، بعد أن تحنّى قميصه بدم والده، الذي قتلته “جبهة النصرة” أمامه، على عتبة بيتهم في “كفر بطنا” في الغوطة الشرقية للعاصمة “دمشق”، يوم كان في التاسعة من عمره.

«أول ما استقرّ بنا الحال في مدينة “هنوفر” الألمانية، أسرعت- بمعونة السيدة الألمانية التي كانت تعتني بـ”سامر”- لعرضه على طبيب نفسي، ليتبيّن أنه يعاني من مرض الاكتئاب ثنائي القطب، وهذا يحتاج لعلاج سنوات عدّة.. كذلك عرضت إخوته “مرام” و”محمد” على الطبيب النفسي ذاته، الذي أكّد أنهما يعانيان من الاكتئاب أيضاً، لكن بدرجة أخف من أخيهما.. أما أنا؟ فألزمني بتناول دواء مهدّئ بشكل دائم، لأنني غائصة حتى أذنيّ بالاكتئاب، مع توصيته لي بأن أبقى كما أنا “رابطة الجأش”، للعناية بأطفالي حتى لا يتمّ سحبهم من منظمة العناية بالأطفال والشباب “Jugendamt”، إذا ما تراجعت حالتي أو تفاقمت».

بعد مرور أشهر على استقرار العائلة النازحة من الغوطة الشرقية، في “السويداء” بجوارنا، قررت “عتاب” الهجرة إلى أوروبا: «ليس من أجلي أختي “سلّامة”، بل من أجل أطفالي الأربعة، علّهم يعيشون بسلام، ويشقّون طريق مستقبلهم هناك».. باعت منزل زوجها في “كفر بطنا”، عبر قريب لها كان يعمل مع “جبهة النصرة”، لأحد مُثري الحرب من العصابة.. ووصلت بأسرتها تهريباً إلى اليونان، عبر لبنان فتركيّا، بعد محاولات عدّة استنزفت معظم مدّخراتها، ولم يعد معها ما يكفي لاستكمال الرحلة، فالتجأت إلى مخيّم اللاجئين في “أثينا”.

كانت أمام خيارين، أحلاهما مُرّ: إما المكوث في المخيّم في انتظار المجهول، وإما التضحية ببكرها وفلذة كبدها “سامر” (لم يتمّ الثالثة عشرة حينها)، بإرساله مع أحد معارفها إلى ألمانيا، عن طريق التهريب بالبرّ. كانت المعادلة صعبة للغاية، إلّا أن تلاشي أحلام الحياة الجميلة التي رسمتها لصغارها ووعدتهم بها من قبل، دفعها لاتخاذ القرار الأصعب، والمخاطرة بمصير ابنها في سبيل مستقبله ومستقبل إخوته.

حين وصل “سامر” إلى ألمانيا- بعد رحلة عناء كادت تودي بحياته وحياة من معه، عبر غابات مقدونيا وصربيا ومن ثمّ هنغاريا- وُضع تحت وصاية أسرة سورية مقيمة في “هنوفر”، لكونه قاصراً.. عاش الحرمان والتقتير والتمييز عن أقرانه، الذين يتمتعون بالحياة تحت ظلال وحماية أسرهم، كما كانت معاملة السيدة السورية- الوصيّة عليه غير منصفة، بالتضييق المستمر عليه، وحرمانه من المصروف، رغم أن منظمة الرعاية كانت تصرف للوصية راتباً شهرياً له الحصة الكبرى منه، كما منعته من استخدام الجوّال إلا لمحادثة والدته في أوقات محددة، بحجة وجوب تركيزه على الدراسة بجهود حثيثة.

كان يكبت ولا يصرّح بشيء، رغم إجراء المنظمة مقابلات دورية معه ومع العائلة المشرفة.. كان يخشى أن تتعسّر أمور إقامته، ولمّ شمل أهله إذا تحدّث أمامهم عن معاناته، وفق ما أقنعته به الوصيّة عليه.

استلم إقامته بعد عام ونصف على وصوله إلى ألمانيا، ولم يكن يعرف ماذا سيفعل أو كيف يتصرف.. وحين طلبت الوصيّة السورية عليه المساعدة من امرأة ألمانية تعرفها، اكتشفت هذه المرأة وضعه النفسي المتردّي حتى الدرك الأخير، فأخبرت الـ”Jugendamt” بوضعه، ما جعلهم يلغون الوصاية ويضعونه تحت إشرافهم، ريثما تصل أسرته التي تقدّموا لها بطلب لمّ الشمل من اليونان.

حين حصلت السيدة الألمانية على الموافقة من منظمة الرعاية، على وضع “سامر” تحت إشرافها، وصلت الأسرة كلها من اليونان، فتابعت هذه السيدة شؤون الأسرة كلها، ووقفت إلى جانبهم، وساعدتهم على التأقلم والاندماج مع المجتمع الجديد، ما أمكن.. كما ساندتهم في التواصل مع الأطباء والتسجيل الرسمي، والحصول على سكن ملائم، وبقية الشؤون المتعلقة بالمدارس واللغة.

تشرد “عتاب” في تفاصيل حياة الألمان، وتقف ذاهلة في كثير من المواقف التي تصادفها يومياً، لتتكرّر الأسئلة ذاتها كل مرّة: ماذا في ذاكرتهم مختلف عمّا في ذاكرتنا؟ ما الأحداث التي أثّرت وتراكمت فيها؟ ما هو أكثرها ألماً وقسوةً، الحرب؟ أم الفقد؟ أم التشرّد؟… وتهذي: «مقارنة ما أنا وأسرتي فيه هنا، مع حالة القهر والألم والفقر والتشرد الذي عايشناه هناك، أرى أن هنا هو وطني الحقيقي، ومن الممكن أنني لن أعود للتفكير في “هناك”».

لم تذق “عتاب” طعم النوم الهانئ منذ مقتل زوجها، مسترجعة أحداث الأعوام المنصرمة، من خروج المنطقة عن سيطرة النظام، ودخولها تحت سيطرة الفصائل الإسلامية، وتحكّم “جبهة النصرة” في شؤون الحياة، بعد أن افتعلت حروباً مختلفة بين الفصائل على أرض الغوطة الشرقية المحاصرة.. وصولاً لحادثة مقتل زوجها التي لم تغادر فكرها وأحلامها وكوابيسها، وكأنها حدثت أمس.. حتى إنها كادت تستسلم لتتخلّص من عذابها بتناول جرعة زائدة من دوائها النفسي، ولولا استيقاظ الصغيرة تريد الذهاب إلى الحمّام، لتركتهم إلى أقدارهم. كانت تتمنى الموت ليرتاح دماغها من همومها وأفكارها: «ظننت أنني تخلّصت من لعنة ولادتي في بلدي، بعد أن هربتُ إلى هنا.. لكنني اكتشفت أنني غلطانة، لأن البلد انتقل بداخلي ومعي، بحبّه ولعنته».

سوف نترك خلفنا على الورق، آثامنا ومعاصي أعمارنا المندفعة بلا هوادة نحو ترهّلها البائس ورثائها المحزون لنفسها… ونعمل بحاضرنا حتى ننسى… علّنا نترك لأولادنا بارقة أمل بمستقبلٍ آمن وجيّد، خسرنا نحن كل ما فيه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 + 16 =

زر الذهاب إلى الأعلى