ثياب لمناخ معتدل

سين من الناس

” – من أنت؟

 – فلسطيني!

 لم تقتلني أنقاض الأكواخ ولم تأكلني أرض الغربة

 – من أنت؟

 – فلسطيني!

لم يذبحني السيف المُشرع وهو يغوص عميقا في لحم الرقبة”

كان أبي يترنم بهذه الأغنية كأنما ليزرع في صغيره هوية تحدد له موضعه في هذا العالم. وكانت مخيلة شاعر الثورة الفلسطينية ضحلة إذ قصرَتِ الموتَ على الأنقاض والغربة والسيف الذي يفصل فقار الرقبة ببراعة جرّاح وبرودة بطريق.

– من أنت؟

 تخبرنا الروايات أن الذين عاصروا بوذا أذهلهم هذا “الشخص” الذي لم يعرفوا كُنهه ولم يسبروا غوره، فدأبوا على سؤاله: ما أنت؟ كأنهم قصدوا: إلى أي رتبة من الوجود تنتمي؟ ما مكانك بين الكائنات؟ أإلهٌ أنت؟ قديس؟ ملاك؟ وكان بوذا يرد بهدوء: “لا! إنما أنا رجل استنار”. واستنار صغير أبي، وتعلم أنه فلسطيني، وفلسطيني سوري، وبلادشامي، وكنعاني، وعربي، ومسلم، وشرق أوسطي، وعالَمْثالثي، وبحرمُتوسطي، وآسيوي… وكثرت هوياته، واختلفتْ، وائتلفتْ، وتكاملتْ، وتصارعتْ. لكنها عجزت جميعا عن منحه أرضا يقيم عليها، وطنا يقيم فيه، شجرة يستريح تحتها، امرأة يسكن إليها. وظل ينتظر السماء وينظر إليها كما لو أن بيته كان نجما ما، أو سحابة: من أنا؟

– من أنت؟

أقضي وقتي في التفكير في أسهل طريقة لقضاء الوقت، هذا في النهار. ليلا تقتحمني عشرات الأحلام التي تمزج الذكرياتِ الفردية والوعيَ الجمعي في كوكتيل له مذاق ذيفان الكوبرا ورائحة الجثث المتفسخة تحت الأنقاض، ولا يحتاج الواحد إلى نبوة يوسف أو كرامات ابن سيرين أو علم فرويد ليكشف أسرارها.

العنصر الثابت فيها هو أنني أحاول دخول المخيم. هذه هي الفكرة الأساسية، الموتيفة motif إن شئت، مع تنويعات في السيناريو توجبها مخيلة مريضة لا ترغب في الشفاء أو لا تستطيعه. المدخل يحرسه أفراد من “جماعة جبريل” يشربون المتة بسعادة، فأجرب شارع الثلاثين. أنجح أحيانا فأذهب لتفقد منزلنا. المبنى لا يزال قائما! لقد كذب الجميع إذن، وكذبت مقاطع الفيديو التي أظهرته ركاما. لا يمكن أن يكون هذا حلما. فالتفاصيل غزيرة، واضحة، صحيحة، حميمة، أكاد أتقرّاها بلمس: من رقص ذرات الغبار في الشمس الداخلة من النافذة، إلى الرسوم التجريدية المميزة لكل بلاطة من بلاط المملكة. أنهي طوافي فأباشر السعي في الحارات. يعتريني رعب إذ أتذكر فجأة أني لا أحمل بطاقة هويتي. من المعلوم في سوريا الأسد بالضرورة أنه أَسْلمُ لك أن تُضيع أمَّك من أن تضيع بطاقة هويتك. باختصار:”رح تتبهدل”، والتفاصيل رهن برضى الوالدين عنك. إن كنت في شك من هذا فاسأل من حلّت عليه لعنة زيوس وأضاع بطاقة هويته. أورثَنا أبي هذا الرعب مما لاحظناه من مناسك يؤديها وأوراد يلهج بها ليحفظ كنزه الخرافي هذا. لذا حين بلغتُ مبلغ المواطنين واستلمت الإصدار الجديد من “تذكرة الإقامة المؤقتة للاجئين الفلسطينيين” خبأتها في درج مقفل. ظلت أحلامي وفية لي.

– مين إنته؟

هو ذا السؤال اللعين مجددا بمحكية آرامية الجذور.

– من سكان المخيم.

– شو عم تساوي هون؟

– جيت أطل على بيتي.

– ليش لابس باكستاني؟

أنظر إلي فأجدني أشبه الناس بتشارلي تشابلن

– هاد مش باكستاني

– طلّع هويتك لشوف

أتظاهر بأني أبحث عنها بينما أفكر بحيلة تخرجني من هذه الورطة. قد تفي رشوة بالغرض. لا مال معي، قلّما أحمله. قد أمص قضيبه مثلا، أو أمنحه فتحة شرجي. جنودنا فضلاء، أعترف، السينما هي ما أفسد ما تبقى من أخلاقي. ثم يشي بي أحد من كان محاصرا معنا: “نعم! هاد هو الدكتور معاوية!” تجمع الفلسطينيَ بالخيانة علاقة غريبة مرتبكة، لعلها تشبه علاقة زوجية فرضتْها تقاليد العائلة. ألعن دين المخيم وحق العودة إلى الجحيم. لكن شيئا من هذا لم يحدث. لم يوقفني أحد، لم أفقد بكارتي. وجدت نفسي في سجن ما. كم مرة سأدخل السجن في هذه الحياة؟ في إحدى هذه المرات تذكرت قول أومبيرتو إيكو: “حين تكون في قاعة الرقص، فليس أمامك ما تفعله سوى أن ترقص”. مقتديا بهداه، أخضعت جسدي ونفسي لأبشع صنوف التعذيب، حتى صرت جيفة. من يدري؟ فقد يلتقط “قيصر” غداً صورة لجثتي المهزولة المحطمة. كثيرا ما أزعجني أني في حياتي الدنيا لم أكن “فوتوجينيك”: الصور ما بتلبقلك. قد تعيضني مِيتتي عن هذا الإخفاق التاريخي، وتحتل صورتي أغلفة أشهر المجلات، وقد تختارني playboy شخصية العام لشدة ما استمتع ساديّوها بقصتي المثيرة. كم فلسطينيا قُتل في سجون الأسد منذ اندلاع الثورة؟ الإجرام الأسدي لم يعترف يوما بحدود سايكس-بيكو، لكنهم يتحدثون عن ستمئة وواحد وثلاثين ممن وُثّق مقتلهم، وعن ألف وثمانمئة ممن لا يزال مصيرهم مجهولا. الأرقام، عادة، تثير حيرتي. لا أعرف ما تعنيه، ولا إلى أي عالم تنتمي. لا أدري كيف يتعايش منها الحقيقي والتخيلي، الطبيعي والكسري، الموجب والسالب، الجذري والأسي، لكنها على ما يبدو أكثر تسامحا من بني البشر، بالرغم من تعدد طوائفها. وهذا، في الحد الأدنى، يجعلها كائنات جديرة بالبقاء. ثم إنهم يزعمون أنها لا تكذب: الأرقام لا تكذب. “الموتى لا يكذبون” قصة كتبها جي دي موباسان. الموتى والأرقام أخوان في مقام الصدق.

لكن ما سبق أضغاث أحلام، محض كوابيس، الواقع أسوأ. واقع افتراضي، واقع معزز، واقع زائف، واقع حقير.

– من أنت؟

ليس المسؤول بأعلم من المواطن. ثم هذا سؤال يحتاج علماً لدُنيّاً لأجيب عنه، ومن أكون أنا لتسألني: من أنت؟ أنا واحد من أبناء شعب انقسم مع بداية الثورة السورية. بعضنا قالها صراحة: “هاي مش بلادنا”. لا شأن لنا إذن.

بعضنا أعجبته الأنثروبولوجيا المقارنة: “شوف وضع الفلسطينيين بلبنان”.

بعضنا تبحر في الملل والنحل: “العلويون يحبون الفلسطينيين، الثورة هنا حافزها طائفي”.

بعضنا درس شيئا من سيكولوجيا العواطف: “النظام أحسن من الشعب، السوريين عمرهم ما حبّونا”.

بعضنا تضلع  من السياسة: “النظام السوري أكبر عدو للقضية الفلسطينية”.

بعضنا كان لا يزال متعلقا برائحة الأرض وحكمة الأجداد: “ما حدا بيشرب من بير وبيبزق فيها”.

بعضنا لأنه قومي قال: “نحنا عرب، وهذا ربيع عربي”.

وبعضنا لأنه قومي قال: “سوريا قلب العروبة”.

وماذا كانت النتيجة؟ هناك من انضم لصفوف الثوار، وهناك من وقف مع النظام، وهناك من آثر ما يسمونه الحياد. هل تختلف هذه التحيزات عما تحيز إليه الشعب السوري؟ لا أظن، وإن اختلفت الدوافع. لكن كل واحد يرى ما يريد أن يرى. ولا يحتاج الفلسطينيون عموما إلى مبررات قوية لينقسموا فيما بينهم. الانقسام شيء فطري في جبلّتهم: لا تبديل لخلق الله، جوهرة يزّيّنون بها: أوَ مَن يُنشَّأ في الحلية؟ مختلفون على كل شيء، قالها شاعرهم. أما إن وُجدت قضايا كبرى، فبها ونِعم! ههنا تسقط المحرمات، وتُدنَّس المقدسات، وتأكل حنيفةُ ربّها، وما حديث الفلسطينيين بحديث قوم عاد.

وسيجد الدارس لعلم الاجتماع عوامل شتى يرد إليها هذه المواقف المتعددة التي وقفها الفلسطيني أو الفلسطيني السوري من الثورة السورية: التجربة الحياتية، الوعي السياسي، المصالح الطبقية، العامل الديني، الانتماء الفصائلي، راتب آخر الشهر… لكنني لا أملك أدوات هذا العلم. أعرف فقط أن كل جملةٍ تقول وتسكت، أن كل قول ينطق ويصمت، وأن وراء الأقوال السابقة يكمن شيطان الهوية الخبيث: من أنا؟ وراء الأقوال السابقة يضل ديدالوس نفسُه في متاهة التعريفات:  ألستُ أقليةً لا بد لها من التحالف مع سائر الأقليات؟ أم لعلّي من الأكثرية الصامتة الخانعة؟ كيف ستكون ثورتي خيانة لسوريا وبصقا في آبارها؟ ما سوريا؟ سوريا هي شعبها أم نظامها؟ سوريا جغرافيا أم تاريخ؟ ثم ما حدود “عروبة” الفلسطيني؟ وما معنى عدم تدخله في شؤون الآخرين؟ من الآخرون؟

أرأيت؟ لست وحدي من لا يعرف من يكون، فلم تستقوي علي وحدي بسؤالك: من أنت؟

– من أنت؟

يعجبني قول فرانتس كافكا، وقد كان “يهوديا” كما تعلم: “ما الشيء المشترك بيني وبين اليهود؟ بالكاد هناك شيء مشترك بيني وبين نفسي، يكفيني أن أجد زاوية أنزرع فيها ممتنا أن أكون قادرا على التنفس”. لكن بعيدا عن هذه الاقتباسات العدمية، حلم أحدهم بي، فجئت. هذا كل ما في الأمر. أما التقاء أبي وأمي فكان مجرد حيلة درامية من الكاتب ليقنع قراءه بواقعية روايته. واقعية كلاسيكية، واقعية اشتراكية، واقعية سحرية، واقعية فجة، واقعية افتراضية، واقعية معززة، واقعية زائفة، واقعية حقيرة.
.
تصميم الصورة: المأمون محمد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر + ستة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى