ذاكرة طبيب

طبيعة صامتة

كثيرا ما سألت نفسي: أيمكن أن يكون سلبُ إنسانٍ ما، سارقٍ مثلا، حريته لعدد من السنين في زنزانة ما، أكثر إنسانية وأقل وحشية من قطع يده مثلا؟ وكنت دوما أجد الحجة ودحضها، في مران عقلي وسخرية مرة من المنطق ومن وجودنا الأخلاقي الاجتماعي. ولا أظنني بلغت يوما قناعة تامة بهذا الخصوص، لكن مشاهداتي وتجاربي اللاحقة أوصلتني إلى نصف جواب: في سجوننا، لا!

في “مشفى ابن النفيس الدمشقي”، والدمشقي هنا تصلح صفة للمشفى وصفة لابن النفيس، مرفق كنا نسميه “النظارة”. ينزل في النظارة سجناء جنائيون ممن يحتاجون التطبب أو الجراحة ريثما يعادون إلى قواعدهم سالمين. لم يكن أحد منا يرغب بدخولها: لا الأطباء، ولا الممرضات، ولا المخبريون، ولا عمال التنظيف. الرغبة شيء، والواجب شيء آخر، وفي النزاع بينهما تحصل مساومة، يكون المريض هو الخاسر فيها. هي جناح واسع مقارنة بغرف المرضى “البريئين”، لكنها مكتظة، قذرة، بشعة الرائحة، معتمة كما لو كانت مصابيحها تنشر كآبة رمادية، شرطتها من أقذر ما أخرجت أرحام أمهاتنا، ونزلاؤها تزينهم سحنة إجرامية تقليدية. لو أنك صادفت أحدا منهم في الشارع لألقيت القبض عليه بنفسك. لا تجد فيهم ذلك المغتصِب الوسيم، ولا القاتل التسلسلي المثقف، ولا السيكوباثي الحائز على إجازة في علم النفس، ولا لص البنوك العبقري. إدقاع. في إحدى المرات دخلت النظارة لتغيير ضماد بعض المرضى فصادفت نزيلا صوماليا، لم يكن يجيد كلمة عربية واحدة. مجرد تفكيري باللعنة السريالية التي أوصلته إلى هنا أيقظ فيّ الرغبة الدفينة بخلع الثوب الطبي الأبيض السخيف وترك المشفى إلى غير رجعة. أبدأ بنزع ضماده فيصرخ: “جيسوس!” يضحك النزيل المجاور: “ومسيحي كمان!” فتضج النظارة بالضحك. ألتفت مبتسما إلى ناشر البهجة: رجل ستيني، أشيب، فيه أثر النعمة وأثر من وقار، يرتدي بجامة أديداس، ويكشف عن بطنه مستعدا لدوره في تغيير الضماد. أشعر بيد الصومالي تحاول دس ورقة في يدي، فيشتعل حسي الأمني وأتناولها بخفة وأخبئها مباشرة في جيبي. ما كان أحد ليهتم أو يساءلني، لكنه تكيف تطوري في غير موضعه، فعل غريزي يختزل رعبا نرضعه. أثار الستيني فضولي، سيكون من السخيف أن أسأله عن تهمته، لذا رشوت الشرطي بعلبة كولا واطلعت على ملفه. التهمة: شبكة دعارة، وتجارة مخدرات. كان أيضا السجين الوحيد الذي يستطيع أحد زيارته، وكانت تزوره زوجته وابنتاه “السكسي”. وكانت هذه الزيارات الليلية موضع ترحيب من حرس الحدود، ومصدر صخب لم يفكر أحد في التذمر منه. ستتدهور حاله لاحقا وبشكل يثير الشفقة حتى من شخص مثلي على رجل مثله. سيطول الحديث عنه وعن وصف المراحل التي مر بها والمعاناة التي سببها لنفسه ولكثيرين، لكن النهاية كانت كذا: يناديني شرطي على عجل، أدخل النظارة التي صار لها رائحة مرحاض عمومي متعفن، السجناء كلهم في زاوية منها يقيء أكثرهم، والستيني على سريره تتفزر من جرح بطنه لترات وفيرة من البراز والقيح وسوائل غريبة، وهو يغرف منها ويشرب بنهم.

حين وقفت بعد ساعتين على الشرفة لأسترد نفَسي ونفْسي، اكتشفت أن الكيل طفح. هل يستحق الأمر؟ كل الأسباب التي قد تدفع حيوانا ناطقا لمغادرة هذا العالم إلى غير رجعة موجودة عندي، ماذا أنتظر إذن؟ لم يمنعني ساعتها غير الأشجار: كانت جميلة. يصعب تخيل وجود كائنات جميلة في مكان كهذا، لكن خزانة أمنا الطبيعة ملأى بالمفاجآت. ومن مفاجآتها جمال أشجار ابن النفيس الدمشقي، الذي استعصى علي في عام 2007 تخيل الجريمة المروعة التي عساه يكون ارتكبها كي يطلق اسمه على مكان كهذا، مكان ملهِم تبدأ فيه أولى سنيّ تخصصك. وإلى جمالها، لا تضيع الأشجار عمرها في الدراسة، ولا تقرأ الكتب المحرمة، ولا تحلم بحياة أفضل، ولا تمنع جذوعها من الفؤوس والمناشير. كم كنا سنكون مواطنين صالحين لو خُلقنا أشجارا! لكن تجربة عام كامل مع نظارة ابن النفيس لا بد أن تجعلك تسأل نفسك وإن مرة: إن كان هذا وضع السجناء الجنائيين ، فكيف حال أقرانهم السياسيين؟

في السنة الثانية من سنوات التخصص انتقلت إلى مكان مختلف. في شارع اسمه بغداد، جادة اسمها الخطيب، يقع مشفى اسمه مشفى الهلال الأحمر العربي السوري. ولم أكن أعرف يومها، ولست أعرف إلى الآن، سبب تسميته كذا أو شكل علاقته بالمنظمة التي يحمل اسمها. “الإنسانية، التجرد، الحياد، الاستقلال، الخدمة الطوعية، الوحدة، العالمية”  المبادئ السبعة التي تحكم منظمات من هذا النوع، لكن التجربة المريرة علمتني ألا أثق بهذه الرموز الدينية الملونة بالأحمر. مقارنة بجنون ابن النفيس المبالغ فيه، كان الهلال يشكو الهدوء والاتزان (كثيرا ما تخدعنا البدايات). مقارنة بمرضى ابن النفيس، كان مرضى الهلال أجمل وأنظف وأكثر أناقة ولباقة (أشعر بالدناءة وأنا أكتب هذا). مقارنة بممرضات ابن النفيس، كانت ممرضات الهلال أكثر تعاونا (ما من تورية جنسية مقصودة ههنا). كنت في غرفتي أستريح حين نادت علي إذاعة المشفى “ترجوني” التوجه إلى مكتب الاستعلامات فيه. الوقت بعد المغرب بالتأكيد. أنزل إلى مكتب الاستعلامات فيشير لي موظفه ذو السحنة “العَواينية” الصارخة إلى شخصين في انتظاري. كانا عنصرين من الفرع الداخلي لأمن الدولة. واحد منهما هو من تحدث. كان لطيفا للغاية. أخبرني أن هناك مريضا في الفرع وحبذا لو ذهبت معهما لمعاينته. يتدخل موظف مكتب الاستعلامات مطمئنا وموضحا: “إجراء عادي حكيم، دائما الشباب يأتون عندنا”. تخيلت أنني سأركب سيارة وأن الطريق سيكون طويلا مثيرا للقلق، لكننا عبرنا الشارع فحسب ودخلنا مبنى. يؤكد علي العنصر الأمني: “لا تسأل المريض عن اسمه، هو رقم 9، لا تأخذ منه معلومات شخصية، إياك أن تستلم منه رسالة أو رقم هاتف، ركز على الشكوى المرضية فحسب، سنكون معك طبعا، وأي شيء تحتاجه فنحن جاهزون”. ثم نزلنا إلى القبو ودخلنا إلى أحد المهاجع، غرفة صغيرة فيها سبعة أشخاص أو ثمانية. كان ذلك عام 2008، في سني الثورة ومع أزمة الإسكان سيستوعب المهجع الواحد مئة وثلاثين معتقلا وفق شهادات الناجين. كان الرقم 9 شابا مكتنزا يشكو من ألم في صدره وبؤس في عينيه. سؤال، جواب، سؤال، جواب… إصغاء بالسماعة، ثم: يحتاج تخطيط قلب. في جهاز بالمشفى؟ طبعا. شباب! أحضِروا الجهاز. وأحتاج ممرضا يوصل الجهاز ويجري التخطيط. أحضِروا ممرضا للحكيم. في النهاية كتبت وصفة دوائية للرقم 9 وذهب أحد العناصر لشرائها. نعيدك إلى المشفى حكيم؟ ما في داعي، الطريق ما بيضيّع. لا أنكر أني خرجت مندهشا من هذا التعامل المتحضر، لكن ما أذهلني حقا هو وجود فرع أمني مقابل المشفى الذي أعمل فيه، شارع عرضه أمتار قليلة يفصل بيننا. مضى علي إذن شهر بل اثنان وأنا لا أعرف أني جار حميم لفرع الخطيب. أنتظر طلوع النهار لأتأمل عن كثب المبنى الذي دخلت إليه:

مبنى عادي (سأعرف لاحقا أن الفرع مبنيان) في منطقة سكنية يقطنها مدنيون، للمبنى شرفات، وفي الشرفات أصائص زريعة وحبال غسيل، تتدلى من بعضها ثياب، لا يختلف في ظاهره عن أي مبنى مجاور بشيء، أما إدراك باطنه فيتطلب وثبة تأويلية من طراز خاص. الطوابق العليا تضم مكاتب إدارية للضباط والمحققين، أما القبو فيضم المهاجع التي تحشر فيها الأرقام. سأصبح بالتدريج طبيبا مفضلا عند عناصره يستغلون أيام مناوبتي لأفحص أرقامهم: إنه فرع الخطيب، الاسم الشعبي للفرع 251 لجهاز أمن الدولة (إدارة المخابرات العامة). يحب السوريون تدليع منجزات الحركة التصحيحية. في الزيارات اللاحقة، ستكشف لي أجساد المعتقلين عن آثار تعذيب. لكن ما من شيء يداني نوعا وكمّاً ما سيحدث فيما بعد. ثم إن فرع الخطيب، في تلك الأيام الذهبية الطيبة، كان طفلا وديعا إن قورن بعشرات الفروع التي يكتظ بها بلد الأمن والأمان، طفلا سيبلغ مبلغ الوحوش ويكشر عن ساديته  وإجرامه حين اندلعت الثورة، طفلا سيذكرني به العقيد أنور رسلان حين سيوجه الادعاء العام الألماني إليه تهما بارتكاب جرائم ضد الإنسانية،  تضمنت تحديدا تعذيب نحو أربعة آلاف معتقل، وقتل ثمانية وخمسين منهم، وارتكاب حالتي عنف جنسي واغتصاب. وكل ذلك في عام واحد، في مكان واحد، بإشراف رجل واحد.  وفق إحصائيات المرصد السوري لحقوق الإنسان عند الذكرى العاشرة للثورة، اعتقل قرابة مليون شخص، أفرج عن أكثر من نصفهم، وقضى منهم مئة ألف وخمسة آلاف ومئتان وتسعون شخصا تحت التعذيب. من كل هؤلاء؟ لم كل هؤلاء؟ كيف كل هؤلاء؟ أين كنا من هؤلاء؟ أين نحن من هؤلاء؟ كم عانى هؤلاء؟ كم سيعاني هؤلاء؟ أي منظومة كونية بوسعها الثأر لهؤلاء؟ أي عقوبة بوسعها أن تمحو ما وقع لهؤلاء؟ كيف بوسع الواحد منا أن يحتفظ بعقله وصحته النفسية إن فكر قليلا بما حدث؟ خزانة أمنا الطبيعة ملأى بالمفاجآت.

“لستُ من طين مثلكم

أنا مجرد خراء

نفث فيه الشيطان.

رأسي تسكنه أرواح الملعونين.

اسمي رقم.

زوجتي عاهرة في زنزانة مجاورة.

أخي كاذب

لم أزره في نومه

لم أقل له متُّ بنوبة قلبية.

أبي جبان

لم يكن رجلا إلا على طفولتي.

أمي ستظل على البرندة تنتظر عودتي

لا تحاولوا إقناعها.

دمائي

حبر على ورق.

صراخي يذبل في حفلات رقصكم

يتضاءل أمام هتافاتكم لقاتلي

إذ لست مثلكم من طين.

أنا خراء محض، مخاطيّ، كريه الرائحة

كل ما في الأمر

أنني التقيت حيث كنتُ بطين مثلكم.

تخيلوا!

طين مثلكم

وحمَّلني هذه الرسالة”.

كان عمي أحمد واحدا من هؤلاء. عرفته مذ تفتح وعيي كارها حتى المقت لنظام الأسد. كان حالما ماركسيا خذله الاتحاد السوفيتي، وعاملا كادحا نهبته دولة تزعم أنها للعمال والفلاحين وصغار الكسبة، وسحقتْه. لكنه لأسباب أجهل أكثرها وأخمن بعضها أخذ موقفا عدائيا من الثورة السورية منذ أولى أيامها، واستيقظ عنده مثل كثيرين رهاب الإسلام والإسلاميين. رد فعل درامي مثل هذا يمزق إنسانا نظيف الصفحة والضمير، وكان عمي كذلك، فغادر إلى لبنان تاركا كنزه الوحيد: مكتبة عارمة مترعة بأمهات الكتب ونوادرها جمعها بدأب وشغف وتقتير على الذات. صار يعود إلى سوريا كل شهرين أو ثلاثة ليستلم راتبه التقاعدي. في إحدى هذه المرات، ولا أحد على سطح الكوكب يعرف يقينا ما حصل، أفترض أنه خطر بباله تفقد كنزه الأثير القابع في مخيم اليرموك. أوقف عند حاجز البشير طبعا، تم تفتيشه، وجدوا معه راتب ثلاثة أشهر، وهو دون شك مبلغ هائل يكفي لتمويل منظمة إرهابية، أو ربما غاظ منظر شارب عمي أحد إخوتنا من أبناء “جماعة نسرين” (أمور مثل هذه تحدث عندنا) فأودعه السيارة. خمسة أشهر كانت كافية لتتلقى عائلته خبر وفاته في فرع فلسطين وتستلم بطاقة هويته.

.

حاشية:

حين خلوت بنفسي فتحت الورقة التي دسها الصومالي في يدي، كان فيها كلمة واحدة Jesus. ذهبت إلى طبيبة راهبة أو راهبة متطببة كانت يومها تخدم في قسم العناية المشددة في مشفى ابن النفيس، تزود المرضى بالعناية والصلوات. أخبرتها قصة ذلك السجين، وسلمتها الأمانة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ستة + ثمانية =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى