ذاكرة شخصيه بورتريه

المعلم الأخير في حمص

إضافة لخفة الدم، الصفة الأشهر التي عرفها السوريون عن الحماصنة، فقد اشتهر أهالي تلك المدينة أيضا بصفة أخرى أقل إثارة للاهتمام وهي اللامبالاة، ولكن لم يكن أحد من سكان تلك المدينة التي بنيت على تقاطع معظم الطرق الواصلة بين المدن السورية أكثر مبالاة مما كانه مروان يوم نزلت لقذيفة الهاون على رأسه تماما وهو خارج من مدرسته في حي بابا عمرو، لقد قال أحد اصدقائه الذي كان شاهدا على انتحاره ذاك اليوم بأنه كان يعطي حزمة من الأوراق لبواب المدرسة عندما بدأت القذائف بالسقوط قرب باب المدرسة، خطف البواب الأوراق وانبطح أرضا وراء سور المدرسة في حين عدل مروان قميصه ونفض يديه الاثنتين من الغبار العالق بهما من أثر تلك الأوراق ثم مشى بسرعة وكأنه يجهد ليحشر جسده ضمن المسار التي اختطته القذيفة لنفسها، ولم تمض عشر دقائق حتى كان المشاة الذين تصادف وجودهم بالقرب من مدرسة حسان بن ثابت يجمعون أشلاءه.

كان المدرس الوحيد من خارج الحي الذي استمر ملتزما بالذهاب إلى مدرسته رغم كل المعارك التي حصلت والحواجز التي انتشرت على طرفي طريقه اليومي ذهابا وإيابا من بيته الواقع في عكرمة الجديدة حتى مدرسته التي أصبحت هذه الأيام على الخطوط الأولى للمواجهات بين أهالي الحي الثائرين وبين جيش النظام المتمركز في مكان ليس بعيد عن المدرسة.

مروان “الساذج” كما كان يقول عنه أصدقاؤه المدرسون في المدرسة كان يبدو وكأنه قادم من عالم آخر، لم تقنعه المظاهر العسكرية المنتشرة على امتداد شارع الوحدة التي يراها كل يوم في طريقه ولا حتى الدبابات التي كانت آثارها تترك حفرا عميقة في الأسفلت، تلك الحفر التي حولته الأمطار لبرك وحل صغيرة، تمنح المارين في هذا الشارع حصة من الوحل على ثيابهم. ولم تقنعه النظرات الغريبة التي كان يرمقها بها أهالي حي بابا عمرو الذين أصبحوا في الشهور الأخيرة يتزينون بحمل السلاح على أكتافهم، وفي كل مرة كان مروان يضطر لابراز هويته الشخصية لأحد المسلحين المارين هناك، كان يقول لنفسه بأن هؤلاء الرجال في حقيقتهم ليسوا سوى رجال الأمن الذين وضعتهم الدولة للحفاظ على سلامة المواطنين، لم يكن مروان ليشك لحظة واحدة بأن شيئا ما قد يخفى عن هذه الدولة التي تفعل كل ما في وسعها لحماية مواطنيها رغم بعض الفاسدين الذين يجدون طريقا يتسللون به نحو مركز ما في الدولة ولكن في النهاية لن يصح إلا الصحيح كان يقول لنفسه.

في المرة الأخيرة التي ودع فيها أخاه جعفر الذي التحق بخدمته الالزامية في جسر الشغور أوصاه بالتفريق جيدا بين المدنيين المحتجين وبين الإرهابيين القادمين من كل بلاد العالم ليسرقوا خيرات هذا البلد، قال له أخوه ساخرا بأنه سيحاول لكن القرار الأخير هو لماسورة الهاون التي تحدد بنفسها قرارها النهائي، وعندما حاول مروان أن يسأل ما قصده، أجابه بجدية هذه المرة:

إذا أنا مش قادر أفرق بين المدني والارهابي، بدك القذيفة تفرق.

سكنت عائلة مروان في منطقة عكرمة الجديدة قبل أكثر من ثلاثين عاما عندما جاء مع والده الذي كان يعمل في شركة الطرق والجسور من إحدى قرى مدينة اللاذقية، سكن مع زوجته في البداية في غرفة تابعة لمشروع كانت تديره الشركة التي يعمل بها ومن ثم انتقل مع زوجته وابنه مروان ليسكن غرفة مع مطبخ في منطقة عكرمة ومن ثم ولد له ابنا اسماه جعفرا تيمنا بجعفر ابن عم الرسول محمد و ابنتين أخريين، مروان الذي سكن في هذه المنطقة مذ كان في عمر الخامسة اعتبر نفسه منها حتى أنه لم يغادرها سوى مرتين مرة عندما توفي جده لأبيه فذهب إلى اللاذقية للمشاركة في الجنازة والمرة الثانية كانت عندما التحق بخدمته العسكرية في منطقة السويداء وعدا ذلك لم يتجاوز حدود نهر العاصي شمالا ولم يجتز أبعد من دوار تدمر جنوبا، حتى عندما قرر والداه الانتقال للسكن في بيت أقاربهم في اللاذقية عند اندلاع المظاهرات، لم يرحل معهم لقناعته بأن لا بيت آخر له ولا أصدقاء سوى هؤلاء الذين درس ولعب معهم طفولته وكان معظمهم ينحدر من منطقتي كرم الزيتون وباب سباع المجاورتين، بالاضافة لصديق وحيد من مخيم العائدين المجاور كان قد درس معه في الصف الخاص لاعداد المدرسين ولم يكن مروان ليصدق لحظة أن أصدقاؤه هؤلاء سيصبحون أعداء في أحدا الأيام، حتى حين انفجرت التظاهرات التي كان الناس يتهامسون أمامه بتسميتها ثورة كان محيطه العائلي يسميها المؤامرة الكونية كما تسميها بيانات الحزب الذي ما انقطع مروان يوما عن حضور اجتماعاته ودفع اشتراكاته بانتظام.

اتصل مروان بأصدقائه المدرسين الذين يعملون معه متساءلا عن سبب تغيبهم المستمر في الأيام الأخيرة عن المدرسة، معظمهم تجنب الرد على اتصالاته باستثناء أحد الأصدقاء المقيمين في وادي الذهب الذي توقف عن الحضور منذ اليوم الأول لاندلاع المظاهرات.

حاول مروان معرفة السبب الذي يجعل هؤلاء الموظفين بعدم القيام بمهامهم رغم أنهم يقبضون مرتباتهم كاملة من الدولة دون أي قرش ناقص.

تركنالك الدولة إلك، لنشوف شو رح تفيدك لما يقتلك المسلحين، رد صديقه بسخرية على تلفونه.

في اليوم السابق ليوم انتحاره اتصل به اخيه جعفر لينصحه بالذهاب إلى اللاذقية لأن الجيش يعد العدة للدخول إلى منطقة بابا عمرو،

كويس، شو بدنا أحسن من الدولة تحمينا وتحمي الشعب! أجاب مروان

انفجر اخيه غضبا وهو يطلب منه التوقف عن الذهاب إلى المدرسة، ثم اتصلت أمه لتقنعه بالانتقال من هذه المدينة ولو لأسبوع واحد فقط، وافق مروان في النهاية على السفر في الغد بعد أن يسلم أوراق الاختبار الأخير الذي فرضه على طلابه كعقوبة لهم على التغيب والاهمال في الأسابيع الأخيرة.

كانت نتائج الاختبار غير مرضية له أبدا، لعن في سره الأهل الذين يصدقون ما تقوله المحطات الفضائية المغرضة ولا ينتبهون إلى دراسة أبنائهم، سيعيد لهم كل الدروس التي فاتتهم في الأسبوعين الفائتين وبالذات سيعلمهم كيف يرسمون خريطة بلاد الشام، هذه الخريطة التي لم يستطع نصفهم رسمها ومعظمهم لم يعرف أين تقع سلسلة جبال طوروس التي طلب منهم تحديدها على الخريطة.

تناول ظرفا بنيا من فوق الخزانة نفض عنه الغبار المتراكم منذ وقت طويل ثم وضع الأوراق التي تحمل علامات التلاميذ المكتوبة باللون الأحمر داخل الظرف وذهب للنوم.

في اليوم التالي استيقظ على أصوات الأليات العسكرية المتوجهة نحو دوار تدمر في طريقها نحو المدن التي احتلها الارهابيون، تذكر قبل مغادرته للبيت البيان الحزبي الأخير الذي حصل عليه قبل يومين والذي يشرح تفاصيل المؤامرة على المدنيين الأبرياء، عاد للمنزل ووضعه في الظرف، سوف يعطيه للعاملين المتواجدين في المدرسة كي يتوقفوا عن تصديق الأشاعات.

ومضى في طريقه اليومي في مدينته التي يحبها.

لم يسافر مروان إلى أمه ذلك اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرة + 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى