حصار

في كل زاوية حصار…وسكين

“ضبّ غراضك على السريع، فات الجيش”. هذه أولى الكلمات التي سمعتُها من عُدَي، المعتقل حالياً، في ساعات الصباح الأولى ليوم من أيام الحصار الطويلة.

استيقظتُ فزعاً، بحثتُ عن كلّ شي وأيّ شي، وسألته بصوت مرتبك:

– من وين فات؟

– من قطاع الشهداء، الجبهة الشمالية الشرقية من مخيم اليرموك، قال.

أصابني الذهول، فمنزلنا قريب جداً من خط الجبهة ومن قطاع الشهداء تحديدا.

أخذت أصوات الاشتباكات والانفجارات تعلو أكثر فأكثر. قلت لنفسي: “العمى أكلت هوا، يا بلحق يا ما بلحق”.

حملتُ كلّ ما وقع تحت يديّ من أشياء تهمّني (أجهزة الكومبيوتر المحمولة، كاميرات… الخ)، ثمّ تركنا المنزل على عجل. توجهنا داخل المخيم نحو بيت صديق آخر. هناك تبيّن لاحقاً أنّ ما جرى كان محاولة تسلل باءت بالفشل. لكنني خجلتُ من العودة إلى البيت بعد ذاك الهروب خوفاً من سخرية حليمة، العجوز الوحيدة المقيمة معنا في الحارة، والمعروفة بكرهها الشديد لـ”الجيش الحر”. كنت راغبا ايضا في الغرق في نوم صباحي أطول، لم يعد يوفره ذلك البيت الذي تجتاحه تلك الأصوات، فقررتُ الانتقال إلى منزل آخر، على الضفة الأخرى من المخيم.

* * *

مرةً أخرى، مكان مختلف، زمان مختلف، خوف من موت مختلف… ولكن في الحصار ايضا، و: “ضب غراضك على السريع؛ فات داعش”.

نظرتُ حولي مستغرباً:

– بس ما في صوت اشتباكات؟!

– إي. “جبهة النصرة” انسحبت من قطاعاتها، بدون قتال. صاروا بالعروبة، أجاب جمال بصوت هادئ، بينما هو يعلّق كاميرته “النيكون” برقبته على عجل، مستعداً للخروج.

جمال صديقي الذي وجد شهيداً بعد ساعاتٍ قليلة، والكاميرا لا تزال معلّقة في رقبته. تدور الفكرة مشوشةً في رأسي: “الدواعش صاروا بشارع العروبة، يا بلحق يا ما بلحق”. يعني في الجهة الجنوبية الشرقية من المخيم، بالقرب من بيتي الذي يقع أيضاً في هذا الشارع.

مرّةً أخرى، حملتُ كلّ ما وقع تحت يدي من أشياء تهمّني وتركتُ البيت على عجل. عدت إلى بيتي الأول في الجبهة الشمالية للمخيم. دقائق معدودة فقط تمر مرّةً أخرى قبل تركه – شعرتُ أنها ستكون الى الأبد هذه المرة – خرجتُ من المخيم بأعجوبة ونجوتُ من لعبة المطرقة والسندان.

لم يعد من مكانٍ لي داخل المخيم. امتلكتُ قدراً ساخراً، رمى بي إلى منفى خارج المكان، لكن داخل الحصار. كان قدراً أكثر سخرية قضى بأن يسقط بيتي الأول “الشمالي” في يد النظام، وبيتي الثاني “الجنوبي” في يد “داعش”. في الوقت نفسه تسقط الذاكرة أيضا بشقّيها “الشمالي” و”الجنوبي”. الذاكرة! أي كل التفاصيل الصغيرة الكثيرة مع مَن كانوا يجمعون الأجزاء المتناثرة من روحي داخل الحصار قبل أن يحصدهم موتٌ ملتبس أخطأني في كل مرة.

“الشمالي”، يعني حسان وعدي وإياس ولؤي وهمام وقاسم. “الجنوبي”، يعني فراس وجمال وأحمد وعلي.

كلّهم رحلوا. وفي كل مرّة كنت أرى الموت يمدّ لسانه لي ساخراً، قبل أن يخطفهم واحداً واحداً. يخطفهم رغماً عن أنفي، وليس رغماً عنهم.

سألني صديق من غزة ذات مرة:

– أين تقيم في المخيم؟

عابثاً أجبته:

– في كلّ مكان لا تجمعني به ذكرى شهيد.

أقسى حالات الألم وأكثرها خبثاً، أن لا تجد مكاناً تنام فيه من دون أن تحاصركَ أرواح الغائبين، لتشعر بحرقة في القلب في كل ثانية. أقصى حالات المنفى هي سقوط الذاكرة، أو ربما إسقاطها.

* * *

تبدأ القصة بالتباس الخط الفاصل بين حصار الموت المادي وحصار الموت المعنوي. لكن هذه المرة، في مكان مختلف وزمان مختلف. وفي الحصار نفسه.

في الطبقة الرابعة ما قبل الأخيرة تماماً. على احد خطوط القتال المتقدمة. عند الخط الفاصل ما بين العتمة الموحشة لعدم توفر الكهرباء، والضوء الموحش أيضاً لعدم توفر الحرية. وفي منزل شاءت أقداره أن يكون معرّضا للقنص من ثلاث جهات، وأن تكون الخبرة البدائية لرماة الهاون من الطرفين أحد أعراضه الجانبية الأخرى.

لا أدري إن كان وجودي في هذا المكان الملتبس الخطر محض مصادفة، أم أنّ العادة اياها دفعتني لا إراديا الى الإقامة هنا.

القصة في اختصار، هي كيف يغدو أكثر الأماكن خطورةً، أقربها إلى القلب وأحبّها إليك حين تعتادها. وكيف تهجر الموت فيسكنك، أو تقترب منه خطوةً فيبتعد عنك ميلا.

قال لي صديقي مرةً: حافة الهاوية هي أوضح نقطة تطل منها على نفسك. هناك فقط يمكنك تحديد الإحداثيات الدقيقة لما يجب أن يدمّر في روحك.

في الطبقة الرابعة القريبة من السماء، القريبة من الأرض، ومن الشرفة المطلة على بساتين الغوطة وأشجار المشمش والحور، على نهر المياه السوداء المستخدم للسقاية بدلاً من بردى المسلوب عنوةً.

أسمع مكبّر الصوت من أحد المساجد. ينادي الصوت عن طفلٍ ضائعٍ. يخيَّل إليَّ أنّ الصوت مقبلٌ من الجامع القريب، وأنّ الطفل الضائع قد يكون إبناً لأحد أصدقائي. لأسبابي الخاصة لم أستطع حتى الآن امتلاك القدرة على تمييز صوت الآذان الصادر عن الجامع القريب، “الخاص بالشيعة”، على ما أخبرني صديقي ابن المنطقة، من صوت آذان الجامع الأقرب “الخاص بالسنّة”.

يأتيني صوت الصديق الجالس على سريري. كأنّه عرف بماذا أفكر: “الصوت مو من جامعنا. الصوت من جامعن”. في الحالين، أتعاطف مع الطفل الضائع وأبتسم لصديقي.

أُغلق الباب، مقرراً النوم، قلقاً من رصاصة طائشة قد تخترق الحائط لتستقر في رأسي. أشعر أن هذه فرصتي الأجمل والأنسب للموت. لن يكون في مقدوري رؤية وجه القاتل، ولن أشعر بالألم. ستبقى ثيابي نظيفة وأكمل نومي الأبدي في سريري الجديد هذا.

قبل أن أنام بقليل، أدوّن تحت عنوان قواعد الحصار الأربعين، المنحول عن عنوان رواية التركية أليف شفق، “قواعد العشق الاربعون”: 32: في الحصار يكون الخطر هو الشيء الوحيد الملازم لك من الصباح إلى المساء، متسرباً حتى إلى قلب الحلم. الخطر هو الكلب الضالّ المسعور. حين تهرب منه يتبعكَ. حين تركض خلفه يهرب منكَ. إياك إياك أن تخاف منه أو تخشاه، فيتمدد أكثر فأكثر، ثم يقضي عليك. صادِقْه، حاوِلْ أن تجعله صديقكَ المقرّب. درِّبْه ليكون وفياً. إبحث عنه كلّ صباح. حدَّثْه عن يومك، ولا تنم إلّا بالقرب منه.

أنا أنام في حضنه.

* * *

خيطٌ رفيع من ضوء الشمس يسقط على وجهي، متسللاً. يوقظني في الصباح المبكر، فأنهض مذعوراً لأتفقد كل النوافذ والستائر المعدنية والقماشية التي أغلقتُها خوفاً من رصاصة قنّاص. كانت مغلقة!

من أين تأتي الشمس؟!

من أين تأتي الشمس؟!

أعاود النوم علّني أستطيع التمييز بين حلمٍ وواقع، اختلطت ملامحهما بملامح الحصار. تأتي تلك الفتاة كعادتها تلقائياً إلى المنام. تستلقي قربي، تأخذ مكانها فوق السرير في المساحة التي تعودت أن أتركها لضيف مفاجئ، حسب تقاليد الحصار.

أبتسمُ في حلمي. هي مصدر الشمس، إذاً.

من جديد يعاود خيط الشمس تطفّله على وجهي، ملحّا أن أستيقظ. تفتحت آلاف العيون في وجهي. لم يكن حلماً. هي الشمس على وجهي حقاً! في حوار مع صديقي الذي كان معتقلاً، قال لي:

إياك أن تتفاجأ. اندهِشْ فقط.

* * *

امتطى سطح البناية. أخذ موقعه أمام منصة إطلاق النار المفتوحة المطلة على جبهة أعدائه. سئم الملل. قرّر أن يقتل أحدهم هذا اليوم. نظر نحو أقرب البنايات، صوّب قنّاصته، أغمض عيناً، ثم ضغط على الزناد، فاخترقت الرصاصة الستائر والنوافذ.

لم يتحطم الزجاج. لكنْ، تشكل ثقبٌ بسيطٌ بحجم رصاصة.

ابتسم وقال في سرّه: لعلّي قتلتُ الرجل وزوجته، وهما على السرير. بالرصاصة نفسها قتلتُ فكرة الجنين الجديد، وقصة حبٍ قد تكون جميلة.

نعم. قتلت أربعةً في آنٍ واحد: رجلٌ، امرأةٌ، فكرةٌ، وقصة.

* * *

من جديد أعيد تشكيل المكان: غرفةٌ بمساحة عشرين متراً، يتوسطها سريرٌ كبير، وفي سقفها مرايا تعمّد صاحب المنزل تركيبها فوق السرير مباشرةً، لأسبابٍ لم أفهمها، لكنها ربّما تتعلق بالإثارة على ما أظنّ.

ساعةٌ معلقةٌ على الحائط، توقفت عقاربها على الساعة الثانية عشرة. لقد اختارت البطارية هذا التوقيت وأعلنته نهايةً لحياتها ولعمل الساعة. هناك أشياء أخرى لا معنى لها، لي على الأقل، منها ثقب في نافذة الغرفة، ربما صنعتْه رصاصة قنّاص.

كان شعاع الشمس يمّر من الثقب كسهم أصابني وأيقظني. شعاعٌ تواطأ مع بطارية الساعة ليقوم بدورها في إيقاظي كلّ صباح، على أن تلتزم البطارية التوقف عن العمل في الساعة الثانية عشرة ظهراً. أي في ذروة عمل الشمس وفي أحبّ الأوقات إليها.

هذا الثقب الذي صنعته رصاصة القنّاص تحول من ثقب للموت الى ثقب للحياة. أعطى الموت معنى إيجابيا. أو جعلني أوقن أن هناك معنى إيجابيا في كل شي، حتى في الموت. ثقب جعلني أعرف الآن السبب الحقيقي لعبادة الشمس.

لماذا لم أنتبه من اليوم الأول لوصولي الى وجود هذا الثقب؟، فكرتُ في سرّي.

“متى سأخلد إلى النوم في السرير، غير قلقٍ من الخطر القريب؟”، قلت لذاتي النائمة أمامي في المرآة على سريرٍ يشبه سريري.

يأتي الجواب من القنّاص الذي أصبح صديقي من دون أن يدري، من دون أن نلتقي وجهاً لوجه: أعدكَ يا صديقي بأن أجعلكَ تنام قريباً جداً على سريرٍ كبيرٍ من دون قلق. ثقْ بي، فلن أخذلكَ.

فكرتُ في كلامه، وقلت:

هذا الرجل لا يكذب.

سيأتي ذلك اليوم الذي أنام فيه على سريرٍ لي من دون قلق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 + واحد =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى