ذاكرة مكان

عصر تمزيق الصور

أقف أمام جدار غرفتي الذي بات فيما مضى ضيقاً على صوري، لدرجة غدوت معها أستبعد بعض الصور من إمكانية التعليق عليه. أما اليوم فقد ضاق مجدداً على صوري، لكن ليس لأن الجدار لم يعد يتسع، بل لأن قلوبنا لم تعد كذلك.

بدأت حكاية جدار غرفتي مذ بدأت في عملي بعد التخرج، وسكنت في غرفة مستقلة لوحدي، حيث كان الاستقلال عن الأهل أولى بوادر عدم قدرتنا على التحمل كالسابق، أو كأهالينا في السابق.

كنت متحمسة لحياتي الجديدة تلك، ومليئة بالطاقة وحب اكتشاف الذات، والتفاعل مع المحيط. وكنت أرى غرفتي سفيرةً عني وبإمكانها أن توصل بعض صفاتي أو أفكاري، بتنسيقها وألوانها والصور المعلقة فيها والأثاث الموزَّع في أركانها، مهما كان بسيطاً.

فكان للجدار المواجه للباب أهمية في ذلك المشروع، وعليه اخترت له وظيفة تعليق الصور. وما إن جاءتني الفكرة حتى بدأت الصور تكسو الجدار الواحدة بعد الأخرى، إلى أن امتلأ ولم يعد يستوعب المزيد، وضاق بصوري وطاقتي وحماستي اللاتي كنت أهبها لذلك النشاط.

لكن، وإن كان الجدار قد امتلأ سريعاً بصور فنانين وممثلين، أدباء وموسيقيين، مفكرين وسياسيين، لكنني سرعان ما بدأت بإزالة الصور الواحدة تلو الأخرى بعد اندلاع المظاهرات في سورية عام 2011، لتبدأ مواقف بعض الفنانين والأدباء وغيرهم، بدفعي نحو إزالة صورهم بل وتمزيق بعضها أحياناً، على أثر موقف صاحب الصورة أو على أثر إحدى تصريحاته أو أقواله ربما.

يصرح أدونيس تصريحاً بحق المظاهرات، فأقوم بتشكيل محكمة ميدانية بحقه، مؤلفة مني فقط، وأتخذ القرار بتمزيق صورته التي كانت تعني لي أدبه وشعره وكتاباته ورمزيته كأحد مثقفي سورية. لكن كل ذلك لا يعني لي شيئاً في لحظة غضبي.

أسمع أقوال دريد لحام فأقوم بتمزيق صورته وصورة محمد الماغوط أيضاً على الرغم من وفاته قبل أن يدلو بدلوه بحق المظاهرات.

أشعر بالربط بين نزار قباني والياسمين وزقزقة العصافير التي يتكلم الإعلام الرسمي عنها، فأقوم باستبعاد صورة نزار قباني لكن دون تمزيقها.

ينتقد زياد الرحباني، فأقوم بتمزيق صورته بل وصورة والدته فيروز أيضاً لأن الصورة تجمعهما مع بعض، ثم ألتفت فأرى والده عاصي في صورة مستقلة فأزيلها هي الأخرى وأنا أقول في نفسي “عليه وعلى أبوه”.

وهكذا كان كلما قال أحدهم ما لا يعجبني تتم إزالة صورته مع تمزيقها أو مع حكمٍ مخفف، أي من دون تمزيق، إلى أن انكشف الجدار مجدداً وغدا شبه عارٍ كحياتنا، يضيق باللاشيء. مثلما بتت أقتصر في علاقاتي مع أصدقائي بحجة ضيق الوقت، وحين يسألونني وما الذي يشغلني لهذه الدرجة، فأجيب: “لاشيء”.

وليقيني بأن هذه الإجابة شبه عامةٍ أيضاً، بتّ أدرك أن ما يصيبني من تمزيق صور، واستبعاد أصدقاء، لم يكن يقتصر عليي فقط، بل بات مرضاً اجتماعياً عاماً، أو وباءً منتشراً.

تحول حالتي إلى مرضٍ اجتماعي جعلني أتذكرها منذ أيام حين قرأت خبر وفاة الكاتب السوري وليد معماري، حيث شاهدت تفاعل السوريين مع الخبر، وكيف كان التفاعل إما أبيضاً ناصعاً أو أسوداً قاتماً، إما يرفع بالكاتب لأعالي السموات، أو ينزله إلى أسفل دركات الجحيم.

الانقسام بين أبيض وأسود لكاتب اشتهر بزاويته الصحفية تحت عنوان “قوس قزح” كان ملفتاً ومثيراً للضحك أمام الواقع الذي وصلنا إليه. فكيف لكاتبٍ مثله اشتهر بالكتابة عن يوميات السوريين العاديين والفقراء بكافة تلويناتهم وتنوعاتهم وبكافة تفاصيلهم المعيشية، كيف له أن يُصادر لصالح بعضهم، ويُنفر ويُنبذ بشكلٍ كامل من قبل بعضهم.

وكنت مع رؤيتي لما يكتبه بعض أصدقائي على صفحاتهم الشخصية، أتذكر تمزيقي لصور جداري، فشعرت وكأنهم يقبعون صورة وليد معماري من جدار غرفهم أو من جدار ذاكرتهم، مع تمزيقها أو مع حكمٍ مخفف، أي من دون تمزيق.

أما بالنسبة لوليد معماري، فقد كنت أقرأ زاويته الساخرة بعنوان “قوس قزح” منذ سنوات طويلة، حين كنت أقرأ جريدة تشرين أحياناً. لكن ومذ لم أعد أقرأ الجريدة انقطعت عن قراءة زاويته، وظل وليد معماري في ذاكرتي كشخصٍ يحب الناس وتفاصيلهم اليومية، تشبه حكاياته حكايا الجدات الخفيفة في سهرةٍ حول ضوء الكاز قديماً.

ومرت السنوات حتى نسيت ذكره، ولم أعد أعرف كونه حياً لا زال أم لا، ولم أعد أسمع عنه شيئاً البتة، حتى قرأت خبر وفاته، فعاد فجأةً إلى ذاكرتي في الوقت الذي كانت متعبةٌ فيه، ومتعبٌ عقلي كذلك من التفكير والمحاكمة وتشكيل المحاكم الميدانية. فتسلل الحزن إلى داخلي مع وفاة أحد الأشخاص الذين كنت أشعر بأنهم بسطاء، ويشكلون ذكرى ما في عقلي عن سورية التي أحب.

لكن وفجأة وبعد تقليب عدة آراء بدأت أكتشف أن وليد معماري كان له مواقف لم تعجب البعض، ويرفضونها ويعتبرونه مؤيداً للإجرام وربما محباً له، وشخصاً بلا ضمير وبلا إنسانية وبلا قلب. فقد كان المعماري قد عبر في أكثر من مناسبة عن تأييده للنظام ووقوفه معه في حربه وإن كان ينتقده.

هنا شعرت أيضاً بالمحاكمة الميدانية لأصدقائي بحق الكاتب. نعم فأنا أتذكرها تماماً فقد كنت أشكِّل الكثير منها مؤلفةً من نفسي فقط، وأقوم في لحظات بإصدار الحكم بالإعدام مسحاً من الذاكرة، مهما علت مرتبة الشخص المستهدف في ذاكرتي، ففي محكمتي لا تمييز بين الناس بحسب قربهم مني، الجميع تحت القانون.

القانون؟

لكن عن أي قانون أتحدث؟

أي قانون ذلك الذي يبيح بأن أحكم في لحظة واحدة، وتحت تأثير عاطفةٍ واحدة، ومن وجهة نظرٍ واحدة، والإقرار بتدمير شخص مع كل ما يحمل من فكر وآراء ومواقف، كمن يدمر مبنى بكامل سكانه لأجل مطلوبٍ واحد.

لماذا بتنا بتلك الجريمة التي لا تحيِّد أحداً، والتي تبيح قتل الأبرياء مدنيين أو عزل، أفكار أو مواقف، لأجل خدمة هدفٍ واحد لم نعد نرى غيره هدفاً.

تطول القائمة في ذاكرتي عن أشخاص اختلفنا عليهم، وكانت ذكرى وفاة أحدهم منذ أيام وهو المخرج حاتم علي، فقد حزن عليه البعض كشخصٍ تسرب من بين معاركنا دون أن ننتبه له، ودون أن نلحظ وجوده وأمثاله بيننا، وعليه دون أن نكسب من وجودهم شيئاً. ونكتفي بخسارة غيرهم فقط، لنخسر فوق من خسرنا أن نكسب مع من هم بجانبنا.

وفي المقابل لم يعره أهمية من استهجن صمته وعدم تصريحه بمواقف واضحة في القضية السورية.

هي الخسارة الغالبة على حديثنا إذاً، خسارة الأشخاص، وخسارة الكهرباء، وخسارة الخبز، وخسارة البلد، حتى باتت الخسارة صفتنا الملازمة، وتعبيرنا الجلي.

الجلي كجدار غرفتي الذي انكشف بعد تمزيق أغلبية صوره، حتى انكشفت الرطوبة من خلفها، وبانت تشققات طلائه كتشققات البلاد، بعد أن ضاق مجدداً على صوري لكن ليس لأن الجدار لم يعد يتسع، بل لأن قلوبنا لم تعد كذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة عشر + اثنان =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى