ذاكرة حدث

  حذاء أبي

                       

كَانتِ الساعَةُ تُقارِبُ الرَابِعةُ فَجراً عِندما استيقظت أُمي أمسَكت بعض الورقِ وأكيّاسِ النايلون ووضعتهَا فوقَ بعضِ اخشابِ شجرِ التوتِ الرّطب، كانت تُحاولُ جاهدةً إشعالَ تلك المدفئةِ التي اشتراها ابنها مُحمد “بسعرٍ مُرتفع نوعاً ما” ولكّن الخشب الرّطِب أبى أن يتّقد فنكزت زوجِها واخبرتهْ أن هذه المُهِمّة هي من نصيبهِ هذا الصباح..

 فاستقيظَ الزوج على مَهل لأنه يعرفُ تماماً أن هذا اليوم الجديد سيَكون أسوأ من أمثاله، نهض الى وعاءِ الماءِ الذي جُهِّزَ من اللّيلةِ السابقة واغترفَ بيده اليُمنى بعضاً من الماء ومسح وجههُ وجلس أمام تلك المدفئة

 ولحُسن الحظ ! وجدت أُم عليّ حِذاءً قديم تركهُ بعضهم أو رماه وأعطتهُ لزوجِها، ثمّ جلسا حول النار مبتهجان يفرُكان يداهُما ببَعضِهِما لتدفئ بسرعة أكبر

حينها نكزت أُم عليّ ابنها مُحمد واخبرتهُ بضرورةِ ذهابهُ للفرنْ وأخذ بعض طحين الشّعير الذي خُلط ببعضٍ من طحين القمح، نهض مستنكراً عيشته شاتماً الدقيقة التي وُلد فيها

 لبس ثيابه وانطلق، كان بابُ الغِرفة إن صحَّ التّعبير عبارةً عن قماشٍ وُضِعَ مكان الباب كون العائلة اضطرت لحرقه في ليلةٍ من ليالي الشّتاءِ الباردة… قامت أُم عليّ واخّرجتِ بعضًا من اللّبنة التي كانت تضعها في مِخّبَئِها السّريّ نتيجةَ ارتفاع ثمنِ المواد مؤخراً بشكلٍ جنونيّ.. ووضعت ابريقٌ من الماءِ على الموقد لتجهيز الشاي.. بدأ الجميعُ بالأكلِ ولكنّ الأبُّ كان على غيرِ مزاجِهِ المعتادْ.. رمى اللُّقمةَ من يدهِ وقام لارتداءِ ثيابهِ لحِقتْ بهِ زوجتُهُ بعد أن اخبرتِ ابنُها مُحمد بإكمالِ فطورهْ..! ربتَ على كتفها ومضى ركِبَ درّاجتهُ التي اهترأت عجلاتها منذ زمنٍ بعيد.. وكان يقود دراجةٍ من دونِ اطارات!نعم إنها دراجة من دون عجلاتٍ مطاطية ! حالَهُ حال الآلاف..

 في تلك البقعةِ المعزولةِ عن العالم كانت يداهُ الخشنتان لا تقويان على الإمساكِ بذلِكْ المقود البارِدْ.. ولكنه كان يبحثُ عن رِزقه كما العصافيرُ تخرُجُ خماصاً وتعود بطانا …وجدَ بعضُ الاشخاصِ المتجمهرين في وسطِ الشّارِع فَنَزلَ عن درّاجتهِ واقترب من جمهورِ العامة واذ بصاروخٍ سقط في تلك البقعةِ ولمْ ينفجِر بعد انه ثروةٍ طائِلة في تِلك البقعة المهجورة انه حلم الآلاف قال أنا استطيع تفكيكه!

ابوعلي لم يتلق تدريباً خاصاً بالمتفجراتِ أو القذائِف او تفكيكُها ولكن تعلم في تلك السنواتِ الماضية كيف تَتِمُّ اللّعبةَ مع الموت وبالفعل تراجع الناس للخلفِ وبقيّ ابوعليّ وحيداً مع ذَلك المارد النائمِ الذي رُبما سوف يستفيق مع أي حركة خاطئة! اخذا معه كل من حوله الى غياغب الجحيم! نعم الى غياغب  الجحيم! ولكّن ذلك الجحيم أرحم مِنَ الحياة في هذه البُقعة المنفيّة! شمّر عن ساعِدَيهِ ورفَع غطاء رأسه واخرج بعض الادوات من جيبه وبدأ بسحبِ ذلك الوحش من قدميه ولكِنهُ كان غارقا في نومٍ عميق احضر رفشا وبدأ الحفر حوله محاولاً تخليصه من ذلك المأزق واستمر لبضعة ساعات بتلك المحاولات وكانت قطرات العرق تتساقطُ من جبينهِ على ذراعيه المكسوتين بالشعرِ الابيضِ ولكّن الوحش لم يتحرك من مكّانه وفي ذلك الوقت مر ابنه محمد ولاحظَ تجمهر الناس في ذلك المكان واقتربَ ورأى اباهُ في تلك الحفرةِ يُصارعُ وحشاً مِن وحوش القرن العشرين، رمى الذي كان بين يديه وركض مسرعاً الى أباهُ طالباً مِنهُ التوقف والكف عن هذا العمل لكّن الأبُّ لم يلتفت اليه واخبره بضرورة الابتعاد من هنا كي لا يستيقظ الوحش.

  لم يكن ابُّو عليّ قادراً على تركِ غنيمتهِ لأن هناك المئات الذينَ ينتظرون أن يمل او ييأس، حاول محمد ثني والده ولكّنه فشل وعاد  لاهثا الى المنزل وعندما فتحت أمه الباب القُماشي سمِعَ دوي انفجارٍ قويٍّ نظرت الأُم الى الفتىَ وسألتهُ اينَ أباكَ ولكّنه لم يُجبها بقي ساكتاً مُنتصباً في مكانهِ لا يقوى على التحرُكِ او الكلام هزته من كتفيهِ وسألتهُ اين أباكَ؟

 قال لها لقد استيقظ الوحش يا أُماه قالت له بصوتً يعلوه الخوفُ والترقبُ اين أباكَ  قال لها لحِقَ بأخي يا أُمي.

في تلك البلاد لا مراسم للموت لا صدمة على الوجوه لا شحوب في الملامحِ إنه القاعدة والحياة هي الاستثناء، انهار على ركبتيه وهو مُتعلق بثياب امه، مسحت على رأسه وعيناها تُحدق بخشب التوت الرّطبِ النتن الذي لم يجُف بعد وضعت يدها تحت ابطه وقالت له أذهب وأحضره هناك المزيد من خشب التوت كانت مراسم سريعة لم يُدركها أحد ولا أحد وعاد والتراب يملأ ثيابه كانوا مازالوا صغاراً، صغاراً على استيعاب اللحظات الاخيرة بحياة جسر البيت كما كانت تُسميه أُم عليّ انفضَ كُل الى عمله أحضر دراجة والده المنسية بجانب تلك الحُفرة ومضى باحثاً عن لقمة يسد بها بطونهم الخاوية، لمحَ جمعاً غفيرا من الناس في ساحة البلدة القديمة، كان شخص بلحية كثيفة وفمّ كبير وبطن تجاوز رقابُ الناس وبصوت أجش يوزع بعض صُحون الارّز على الناس، رمى دراجته وركض مُتلهفا علّهُ يكسبُ شيء مما يوزع ولكّن الأوَان قد فات وكانت الجموع تتجهزُ لالتقاط صورة تذكارية للجائزة الكُبرى أنه الجوع  الجوع الذي يجعلُّك تبيع الرخيصَ والثمينَ إنه ألم مُستمر، الألم الذي يجعلك تائِها حائراً مُتلهفا مشتت الفِكر ضائعُ الخُطى أحسَ بعجزه بضعفه لأنه لم يستطع أن يحصُل على شيء قرر أن يتحول لذئب لا يأبه لمشاعر الآخرين أو أحزانهم سوف يخترق الصفوف يزيح الجميع من طريقه وبالفعل سرت شائعة أن هناك مجموعة اُخرى توزع أكياس بلاستيكية وضع بها الشوربة النتنة انطَلق وكلّه ثقة بالحصولِ على كمية إضافية واخترق الصفوف كالثور الهائج وسحب الجميع الى الخلف لم يأبه إن كان امرأة أو طفل يُريد أن يكمل مهمة والده الذي لم يجف ترابه بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إحدى عشر − ثمانية =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى