ثياب لمناخ معتدل

She`s killing me

أطفال إيرلنديون بيض الوجوه، صُهب الشعور، نُمش الخدود، يخرجون من بيوتهم ليجوبوا حارات دَبلن وهم يغنون:
“من حلق للحلاق؟ للحلاق، للحلاق
من حلق للحلاق؟ للحلاق، للحلاق
من حلق للحلاق؟ الحلاق حلق لنفسه”
ولست أدري إن كانت أغنيتهم هذه ذات علاقة بمفارقة الحلاق الشهيرة التي عالجها الفيلسوف والرياضياتي برتراند رسل. أرجّح أنها من قبيل تلك الأسئلة الوجودية الساذجة العميقة التي يسألها الصغار: من الذي يعالج الطبيبَ؟ من يبيع الدواء للصيدلاني؟ من يخيط للحائك ثيابه؟ من يوقظ المسحّر؟ من يحكم على القاضي؟ من يعطي الرئيسَ راتبه الشهري؟ من الذي يُضحك الممثلَ الكوميدي؟ من يعظ رجلَ الدين؟ من تسمع فيروزُ في الصباح؟ من يعفّش بيتَ الشبّيح؟ وبالتأكيد: من يحلق للحلاق؟
طبيب فلسطيني سوري حنطي البشرة، أشعث الشعر، تخيفه بثور قد يخلفها حب الشباب، يخرج من المجمع الطبي الخيري وهو يغني:
“من بريق الوجد في عينيك أشعلتَ حنيني
وعلى دربك أنّى رحتَ أرسلتُ عيوني”
تربطه بالأغنية ذكرى جميلة تتعلق بالمجاعة. هو لا يزال غير مقتنع بأنها من ألحان رياض السنباطي، ربما خدعه التوزيع الموسيقي. هو لا يزال متألم البطن ضامرَه، لكنه يحاول الفصل بين الإبداع الفني ومعاناته التافهة. لذلك يغنيها، يغني ذلك المقطع بالذات وهو يضرب مترنماً بيده على مقود دراجته الهوائية.
كنت ذلك الطبيب، وكان الخروج من ظلمات المجمع شبيها بالولادة من جديد. وكان أول مكان أقصده في العادة حينذاك هو منزل حسين. كان حسين لا يزال حيا، لا يزال يعتني بقطّيه وزريعته، لا يزال يريد أن يعيش نكاية بمن يريدونه ميتا، لذلك لا بد أننا لم نبلغ بعد نيسان من عام 2015.
يظل ترمس الشاي عند حسين مليئا بالسوائل الساخنة: شاي، مريمية، نعنع، مليسة، زهورات .. لم يكن هناك سكّر في تلك الفترة، كنا نلوذ بحلاوة السكارين، ذلك المحلي الاصطناعي الذي يستخدمه مرضى الداء السكري. قطعة واحدة منه في الكأس يمكن أن تخفف قليلا من مرارة الحياة. كان عند حسين علبة منه، وكان يكرمني بقطعتين. نشرب السائل الساخن، نستكمل سيناريوهات عبثية ابتكرناها، يريني آخر الكتب التي عثر عليها، نسبّ كل شيء وكل أحد، وربما نشاهد أخبارنا الشهية من جهاز DVD player وصله بطبق لاقط: تلفزيون حسين. تلك هي المكونات الدائمة لجلستنا اليومية.
في أحد الأيام، لنقل إنه هو اليوم نفسه الذي خرج فيه الأطفال يغنون أغنية الحلاق، وخرجت فيه أغني “من أجل عينيك”، وأعدَّ فيه حسين خلطة زهورات عجيبةً من تركيبه، كانت تُعرض حلقة من Grey’s Anatomy، وهو سلسلة درامية طبية، على الطريقة الأمريكية، عن مجموعة من الأطباء الشباب في مستهل حياتهم المهنية في أحد المشافي. كنا على وشك الحديث عن كتاب فكتور أوستروفسكي “عن طريق الخداع”، وكان يفترض أن يكون ما يعرض على “تلفزيون حسين” مجرد خلفية بصرية سمعية لحديثنا، لكن الخلفية احتلت المشهد بكامله.

يصل طبيبان سوريان بطريقة ما إلى الولايات المتحدة الأمريكية. هما طبيبان عامّان، لكن ظروف الحرب أجبرتهما على الخوض في مقامات الجراحة. وبغية تعلم المهارات الجراحية الأساسية ثم إتقانها، سيتدربان على يد د.هَنت ومساعدتيه أريزونا وإيبرِل. يقول د.هنت بثقة العارف: “سنحاول ما أمكن استنساخ الظروف في مشافيكم الميدانية، لذا سنقتصر على هذه المعدات. المهارة الأهم التي تحتاجونها في زمن الحرب هي إيقاف النزف…” لكن د.درويش يقاطعه موضحا: “كانت عندنا هذه المعدات من قبل، لكن الأمور تغيرت مؤخرا، وشاحنات المساعدات ما عادت تصل إلينا، والتيار الكهربائي لا يعتمد عليه”. ثم يتوجه د.درويش إلى صينية الأدوات الجراحية ويزيل أكثر من نصفها، ويقوم زميله بإطفاء جميع أنوار الغرفة ويضيء لمبة بيل صغير: “الآن بوسعنا المباشرة!”.
بعد تجاوز الصدمة الأولية، صدمة المعرفة المُرة لا صدمة النزف، يصطحب د.هنت ومساعدتاه الطبيبين السوريين إلى مستودع المشفى، ويطلبون منهما جمع الأدوات التي يعرفان أنها متوفرة هناك في المشافي الميدانية في سورياهما الحبيبة. يملأ الطبيبان كرتونة صغيرة، كان محتواها في غالب ظني مما لا يعين طاهيا على إعداد طبق سلطة. يخطب د.هنت في حشد من الأطباء: “لدينا طبيبان سوريان هنا. نريد تعليمهما بعض الإجراءات الجراحية التي بوسعهما القيام بها في وجود موارد محدودة، لكن تبين أن ما لديهم في مشافيهم أقل بكثير مما توقعنا وجوده. هذه هي الأدوات المتوفرة عندهم، وهذه قائمة بالإجراءات التي عليكم تدريبهما عليها بهذه الأدوات”.
من نافل القول طبعا أن العبقرية الأمريكية لن تقف عاجزة في وجه تحد سخيف مثل هذا. في مشهد آخر، نجد د.درويش يتلكأ وهو يثقب عظم الساق في نموذج تدريبي. تحثه أريزونا على استخدام مزيد من القوة. يقول لها إنه يفكر في طريقة تمكنه من إبقاء المريض ساكنا لا يتحرك ولا يتألم. تقول له: لا تقلق! فالمريض مركَّن. يقول لها: ليس حين لا تكون عندك إمكانية التخدير!
في ثنايا ذلك، تتعلم إيبرل أنه بوسع المرء المضي قُدما دون كثير من الأمور التي كان يظن أنه لا غنى له عنها. ها هما الطبيبان السوريان يصران على الاستمرار بالرغم من أنهما لا يملكان شيئا، وعليها إذن أن تكف عن القلق بخصوص “هذا الشيء الصغير” وأن تتجاوز مع حبيبها تلك المسألة. وب”هذا الشيء الصغير” كانت تقصد عذريتها. يخبرها حبيبها أن ما يزعجه ليس مسألة العذرية، بل أنها كذبت عليه.
في مشهد أخير، تتسلل إيبرل إلى مستودع المشفى وتملأ حقائب د.درويش ببعض المعدات والأدوات الجراحية الثمينة. يستفسر منها عن مدى صواب هذا الفعل، ربما عليها أن تخبر د.هنت على الأقل. تقول له: “لا عليك! الأمانة لا تستحق كل هذه السمعة الطيبة التي تعزى إليها”.

لا أعرف مصير الطبيبين السوريين، لكنني كنت فخوراً بإنجاز الممثلِين الأمريكيين. فخوراً باستثمارهم تقانات بسيطة في حل مشكلات معقدة، فخورا بصمودهم في ظروف تجعل الحليم حيران والمتفرج يزدرد رقائق البطاطس الحارة، فخورا بقدرتهم على تحويل الهواء إلى سائل أحمر يعوض الدماء النازفة، فخورا بعلاجهم اللوكيميا بالرقى والتعاويذ وأغاني سنوب دوج، فخورا بصبرهم على ارتداء بجامات زرقاء نظيفة طيلة فترة التصوير، فخورا بإجرائهم القيصريات على ضوء الهواتف الجوالة، فخورا بتشخيصهم الأمراض دون أشعة ودون مخبر، فخورا بتخديرهم المرضى على إيقاع القذائف وعدّ الخراف وحكايات هانز كريستيان أندرسن، وفخورا بمحافظتهم على وزنهم ووسامتهم ورغباتهم الجنسية.
هو أحيانا لا ينقص المرء إلا عمل فني من هذا الطراز يذكره بحجم الخرا الذي يعيش فيه. أنظر إلى حسين، فأُدرك من بسمته التي تجمع الطيبة والذكاء والسخرية في تجميعة لا تشبهها إلا خلطة زهوراته، أدرك أنه يلمح في وجهي رغبة شديدة في القُياء. أعرف ذلك لأنني لمحت الرغبة نفسها في وجهه، ووصلنا إلى النتيجة نفسها: أن تشاهد مأساتك هو شيء -في هذا الزمان- أبشع بكثير من أن تعيشها.

كثيرة ومتضاربة هي المشاعر التي مزقتني وأنا أشاهد تلك الحلقة، إلى أن أيقظتني فكرة مرعبة: ماذا لو احتجتُ عملية جراحية، من سيقص لي شعري؟
في مطلع ستينيات القرن الماضي، كان الشاب ليونيد روجوزوف الطبيب الوحيد في قاعدة سوفييتية في القارة القطبية الجنوبية. كان الليل يدوم ستة أشهر في تلك البقعة النائية عن المدنيّة، وكان من المعتاد أن تبلغ درجة الحرارة (أو البرودة) ستين درجة تحت الصفر. وفي ساعة من ساعات ذلك الليل السرمدي تأكد ليونيد أن الأعراض التي يعانيها سببها التهاب في الزائدة الدودية. ومع اشتداد الأعراض وتموضعها كان لا بد من عمل جراحي. اتخذ ليونيد وضعية نصف استلقاء، وساعده عالِم مناخ وسائق في مناولته الأدوات وإمساك مرآة تعينه على رؤية جوفه. بعد أخطاء وصعوبات كثيرة وعملية دامت ساعتين تحت التخدير الموضعي، نجح ليونيد ومساعداه في استئصال زائدة كانت على وشك الانفجار، ونجا ليعيش أربعين سنة إضافية ثم يموت من سرطان الرئة. طبيبة أمريكية في تسعينيات القرن الماضي وفي ظروف مشابهة تماما لظروف د.روجوزوف، شعرت بوجود كتلة في ثديها. قصتها طويلة بما يكفي أن ألّفتْ فيها كتابا كاملا، ومن فصولها أنها قامت بنفسها بأخذ عينة أي خزعة من هذه الكتلة أثبتت وجود سرطان، وأنها حقنت نفسها بأدوية علاج كيميائي رمتها لها طائرة عسكرية على عجل في جنح الظلام، ريثما تحسنت الظروف اللوجستية وأمكن إجلاؤها. لم تلتهب زائدتي ولم تظهر كتلة في ثديي، لكن مخيم اليرموك لم يكن أقل وحدة ووحشة ونؤيا من بعثة استكشافية مرمية كذبابة حقيرة في الأبيض العظيم. كل ما حدث معي هو أن أصابني فيما بعد ألم رهيب في ساقي اليسرى، ألم مستعلٍ، متكبر، أصم، خبيث، لا الشِعر أجدى معه، ولا مضادات الالتهاب غير الستيروئيدية، ولا الإيحاء، ولا التجاهل. لو كان المريض شخصا سواي، كذا أكد لي غروري، كنت عرفت التشخيص في خمس دقائق. لكن لأنها ساقي، كنت الإسكاف الحافي والحائك العريان. تمر الأيام وألمي يزداد، وحرارتي ترتفع باطراد، وساقي تحمر وتنتفخ، وأصبح عاجزا عن المشي بها بل الوقوف عليها. ثم تتورم ركبتي وأكتشف أن سائلا يتراكم فيها. “انصباب مَفصِل!”، أصيح بابتهاج إذ لدي الآن شيء محدد أستطيع التعامل معه. كان مجرد لمس ركبتي يفاقم الألم بشكل خرافي، لذا تخيلتُ السماء التي سأصل إليها إن أدخلتُ إبرة فيها. لا بد مما ليس منه بد. أستعين بمحقنة كبيرة وأفرغ في أول مرة خمسين سنتمترا مكعبا من سائل شفاف يميل للصفرة. أسعدني أنه لم يكن قيحا كفيلا بتخريب مفصلي للأبد. كان السائل يعود للتراكم بسرعة، وكان علي في ثلاثة الأيام التالية أن أفرغ في كل يوم خمسين أو خمسة وسبعين سنتمترا مكعبا. دام الألم والعجز عن الحركة أمدا طويلا، ثم انتهى كل شيء. وصحيح أن ذكرى الركبة لا تزال تزورني في كل عام أسبوعا أو اثنين، إلا أنها نزهة قياسا بتلك الأيام، مسكٌ نسبةً إلى تلك الرائحة.

ثم انقضت تلك السنون وأهلها، ولا يزال حسين حيا في خاطري، لا يزال يعتني بقطّيه وزريعته، لا يزال يعيرني الكتب، لا يزال ترمسه عامرا بالمشروبات الساخنة، لا يزال يضع في كأسي قطعتين من السكارين، لا يزال يريد أن يعيش نكاية بمن يريدونه ميتا، إلا أن تلفزيونه تعطل ولم يعد مضطرا بعد اليوم أن يشاهد مأساته. لا بد أننا تجاوزنا إذن شهر نيسان من عام 2015.

.

حاشية:
عنوان النص هو عنوان تلك الحلقة من Grey’s Anatomy.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

18 − 10 =

زر الذهاب إلى الأعلى