ذاكرة حدثهناي هناك

“سن فوقه تاج ذهبي”

نحنُ -القادرينَ على التذكُّر-

قادرونَ على التحرُّر

محمود درويش

بعد ستين عاما على اغتياله، قررت الحكومة البلجيكية إعادة ما تبقى من رفات باتريس لومومبا إلى وطنه الكونغو.

الجسد المربوط إلى شجرة قبل ستين عاماً مزّقته أكثر من مئة رصاصة -الشجرة ذاتها بترها الرصاص- رُمي الجسد في بئر مهجور ثم أخرج ودفن ثانية في مكان آخر بعيد، وكأن دفنه لم يكن كافياً بالنسبة لقاتليه “يجب أن لا يترك له أي أثر” صدر أمر جديد بنبش القبر وإخراج ما تبقي من جسد متحلل وتقطعيه جيدا ومن ثم إذابته بحمض الكبريت.

لم تأت عملية الاغتيال الوحشية هذه في سياق حرب الاستقلال فقد كانت الكونغو قد حصلت على استقلالها بالفعل، لكنها جاءت في سياق معركة السرديات الكبرى بين المستعمِر والمستعمَر.

في حفل استقلال الكونغو رفض لومومبا محاولة إيجاد مساواة عصيّة بين الشعب الكونغولي ومن ارتكب أفظع الجرائم به. ابتدأ الملك البلجيكي خطابه بتمجيد جده الملك ليوبولد الثاني قاطع أيدي وأرجل مئات الآلاف من أطفال الكونغو وبتمجيد شباب بلجيكا الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم لتعليم الشعب الكونغولي واستقلاله. “لقد حصلنا على استقلالنا بالدموع والدم والنار وكنتم أنتم القتلة المستعمرين وليس المحررين” ردّ لومومبا.

من لا يجمع كمية محددة من المطاط تقطع يد طفله

محاولة استخدام أقصى ما تستطيعه اللغة للدفاع عن عناد الاستقلال الفتي في خطاب “الدموع والدم والنار” الشهير كان سبب الاغتيال، دفع لومومبا حياته دفاعا عن الذاكرة والتاريخ بعد أن نالت البلاد استقلالها. سيثبت اللاحق من الظلم بأنّ خطاب الاحتلال هو الاحتلال ذاته وخطاب القتل هو القتل ذاته وخطاب العنصرية هو العنصرية ذاتها وأنّ أي محاولة للفصل بينهما هي محاولة لتبريرهذه الجرائم أو التعايش معها.

في مقابلة بعد أربعة عقود على الحادثة كان ضابط الشرطة البلجيكي الذي قام بالتخلص من الجثة يشرح بأعصاب باردة كيف توجّه على رأس فرقة إعدام مجهزة بالمناشير وحمض الكبريت والويسكي  -الطبعة السعودية من دليل فرق الإعدام استبدلت الويسكي بالقهوة المرّة- وبعد الانتهاء من عملية إذابة الجثة بنجاح بقي سنٌ ذهبيُ يلمع في قعر البرميل. تناول الضابط السن الذهبي ببساطة من يتناول فنجان قهوة ووضعه في جيبه، قال أيضا أنّه وجد بقايا إصبعين لم يذوبا تماما، تناولهم أيضاً مع السن الذهبي ليحتفظ بهما -كغنيمة صيد بحسب قوله حرفيا- لكنه غيّر رأيه في ما بعد ورماهما في حاوية قمامة.  

لا تحتاج عينٌ مدربة كي تدرك العنصرية التي تفوح من كلام القاتل الذي استفزه أن يتحدى ملكه رجلٌ أسود، ورغم عدم امتلاكه أمراً بالاحتفاظ بجزء من جثة ضحيته، لكن الاستعلاء ووعي التفوق المشبع به، جعلته يشعر بحقه في امتلاك جزء من الفريسة.

جاء حرفياً في نتيجة التحقيق الذي قامت به الحكومة البلجيكية حديثاً:

“ما كان متعارفا عليه دوليا فيما يتعلق بالصوابية السياسية في طريقة التفكير كان مختلفا في الستينيات”. ورغم عدم العثور على وثائق تثبت إصدار أمر بقتل لومومبا، توصل التحقيق إلى أن أعضاء بالحكومة “كانوا مسؤولين من الناحية الأخلاقية عن الظروف التي أدت إلى وفاته”

وفاته وليس اغتياله والتمثيل بجثته وتدميرها، المسؤولية أخلاقية فقط ولا يوجد مسؤولية قانونية على جريمة حصلت والمجرمون كانوا لا يزالون على قيد الحياة.

إبنة القاتل -له أبناء كبقية البشر- دافعت عن والدها “المسكين الذي يعاني” كان مسيحيا جيدا، ويستدعي إيمانه على أساس منتظم، ولم تكن له أفكار جذرية، كان من الأشخاص الذين يقفون في الصفوف الثانية أو الثالثة. ولم تنس إبنة القاتل أن تطالب بحقها بالحصول على اعتذار لوالدها -هل نتذكر إيلي فيزل الحاصل على نوبل للسلام، هو بدوره أيضاً لن يغفر للفلسطينيين أنهم يجبرون الشبان الطيبين في الجيش الاسرائيلي على طحن عظام الأطفال الفلسطينين بالحجارة في الانتفاضة الأولى- يبدو أنّ هِواية الإعراب عن الندم على الاخطاء التاريخية دون تحمل تبعاتها لم تعد تُشبع الضمير الأوروبي.

أبناء لومومبا سيستقبلون أخيرا سنّا مغطى بتاج ذهبي هو ما تبقى من جثمان أبيهم، هؤلاء الأطفال الذين كانوا ينتظرون دورهم في المجزرة لولا تدخل سعد الدين الشاذلي -كم مرة يستحق هذا الرجل صفة بطل- لإخراجهم من بيتهم المحاصر بأوامر مباشرة من عبد الناصر، ومن ثم تهريبهم من المطار بأسماء عربية وبحماية فرقتين من الصاعقة المصرية، ليتوجهوا إلى القاهرة ويعيشوا فيها خمس وثلاثين سنة بين أبناء جمال عبد الناصر ومن تبعه من الرؤساء.

تقرأ لمحمد حسنين هيكل في كتابه “سنوات الغليان” أنّ ناصر تأثر لأبعد حد بمقتل لومومبا، حتى أنّه في يوم واحد هاتَفَ خرتشوف ونهرو وتيتو لأجله وهو الذي أكدّ للعالم رسميا مقتل لومومبا وأنّ أولاده الآن تحت رعاية الجمهورة العربية المتحدة.

لحظة:

هل كان بإمكان محمد حسنين هيكل أن يخبرنا ماذا حصل مع بنات فرج الله الحلو الثلاث، ولماذا لم ينالوا هذه اللفتة الانسانية، لقد كان الحلو قائدا شيوعياً وتم إذابة جسده بنفس الطريقة ولكن في الجمهورية العربية المتحدة التي يرأسها جمال عبد الناصر قبل سنة واحدة من اغتيال لومومبا ولا علاقة للاستعمار هنا، القمع هو من قتل واستعمل حمض الكبريت حتى اختلطت بقايا الجسد المذاب بمياه نهر بردى ولم يبق من أثر للجريمة.

كف القاتل في بلادنا نالت الكثير من الأوسمة من ذات الكف التي أنقذت أبناء لومومبا.

فرج الله الحلو

لا بقية من جسد فرج الله الحلو وليس معروفا كيف تم التصرف بجثة جمال خاشقجي الذي أكلها حمض الكبريت ذاته بعد ستين سنة بنفس الطريقة، يبدو أن تاريخ العرب عندما يتوحشون لا يحتمل وجود الشهود.

لقد سالت دماء كثيرة في بلاد السوريين والمصريين الذين كانوا في قوات الجمهورية العربية المتحدة المتواجدة في الكونغو آنذاك، تلك البلاد التي طور فيها القمع خطاباً للخوف وحافظ عليه من الصدأ ستين عاماً، لنرث بدورنا مجتمعات جعلها القمع من الهشاشة أن لا حاجزاً مقدساً للدم بين أبنائها، ولم يعد مهما هنا البحث عن منشأ الخوف، إن كان الذعر من الصورة المتخيلة في مرآة ستقتضيها يوماً لحظة الحقيقة، أم ما فرضته هذه المرآة المؤجلة من مجازر انفجرت سابقاً والآن وستستمر في الانفجار، ولا عزاء لنا هذه المرة في مستعمر خارجي نتوحد على عدائه ونرمي عليه ذنوبنا.

سيواصل حمض الكبريت فعله بأجساد البشر، المجرمون الأكثر بدائية والأقل اهتماما بالصورة والتكاليف سيستخدمون المازوت بدلا عنه، ستنتشر الحفر المليئة بالأجساد البضة في بلادنا أكثر ولا عزاء لأطفال الضحايا ولا انتباه لما سيكونونه في الغد. ولا عزاء لمن تبقى من الأحياء الموجودين نسبيا خارج حفلة القتل، هؤلاء الذين اختبروا من بعيد الحدود القصوى للوحشية البشرية، نحن غير المرئيين كخيال على جدار، نحيا بسلام الميتين

لا عزاء للقاتل أيضا ما دامت ضحيته قادرة على كسر الغياب وقادرة على التذكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

19 − سبعة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى