ثياب لمناخ معتدل

ذكريات من حيّ الثورة

1- وقت الحكاية

– لماذا تريدني أن أحبك؟
– كي أعيش.
– وأنت الآن لا تعيش؟
– أنا الآن آكل، أشرب، أتألم، أنام، أو لا أنام، أذهب للعمل، مجرد آلة تقوم بوظائفها الفيزيولوجية. أحتاجك حتى أعيش.
– تعني أنني مثل الأكل والشرب؟
– أعني أنك من يعطي للأكل والشرب معنى.
– لكنك تعلم أني أحبك.
كان يعلم، لكن الشارع الذي كانا فيه لم يكن يعلم، والباص الذي كانا يستقلانه لم يكن يعلم، والركاب المتناثرين مثل قطع الشطرنج لم يكونوا يعلمون، والمقاعد البلاستيكية التي تسبب تقرحات في العجُز لم تكن تعلم. لذا ظل يشعر أنه ثمة ما هو ناقص في اللوحة. وكان نافد الصبر للغاية، ونفاد الصبر هذا هو أمر يميز البرجوازي الصغير كما يقول لينين.
– عيد ميلادكَ الأسبوع القادم، لن يكون في البيت أحد، نحتفل؟
– سنؤجل ذلك أسبوعا.
– عندك شي؟
– عندي ما يشبه اليقين أن الثورة لن تتأخر عن منتصف آذار، وحينها يصبح احتفالنا احتفالين.
– لم أكن أعلم أن لديك ميولا ثورية!
ألمح تشي جيفارا تُجري معه فتاة أوروبية الملامح مقابلة. كان يبدو شخصا همجيا بمعايير الأوبرا وحفلات الأوسكار: ثياب عسكرية، لحية غير منتظمة تنمو مثل بقل الحقل، شارب يعف عن منتصف ما فوق الشفة العليا، أسنان تفتقد بياض ثلج هوليوود… لكنه يستجمع بلاغة وموسيقا لغة الإسباني المحتل، ويقول لها مجيبا عن سؤالها: “الثوري الحقيقي إنسان يُسيّره شعور عارم بالحب”. ثم يضحك بصوت عال حين يرى أوروبيّتها تتغير إلى ملامح بلهاء.
– لدي شعور عارم بالحب لك. أنا أحبك، إذن أنا ثوريّ.
– لكن لم في منتصف آذار بالتحديد؟
لسبب ما يتذكر تعريفا أورده أحد الأساتذة الكبار: “الشطرنج صراع دائم بين رغبتي في عدم الخسارة ورغبتي في عدم التفكير”. ياه! كم يصلح قوله هذا وصفا للحياة! بل لي الآن أن أصوغ مستعينا به تعريفي الخاص: “الحياة صراع دائم بين رغبتي في تحقيق المكسب ورغبتي في عدم التضحية”. وتكون المصيبة إذ تدرك أنك تضحي كثيرا لكنك لا تحقق مكاسب. هذه لعنة حقيقية، واللعنات لا تزول بالتعاويذ والرقى، لا بد من حل جذري، فتصاب بنفاد الصبر، ونفاد الصبر كما أسلفت شيء يميز البرجوازي الصغير وفق زعم لينين. لكن من يكون لينين هذا؟ أنظرُ في صورته التي تختبئ في كتاب يضم شهادات عنه وذكريات معه، أصيح به غاضبا: ألم تكن نافد الصبر حين قررت إشعال ثورة أكتوبر؟ ألم تخُنك أصولك البرجوازية الصغيرة؟
– لا أدري بالضبط، يبدو لي تاريخا مناسبا.
– فعلا! فيه كيميا خاصة… بالمناسبة، لم نستخدم كلمة كيمياء في مثل هذه المواضع؟
– لأنك حين تتنفسين، تأكلين، تجربين عطرا جديدا، تحلمين، تعالجين تقيحا في لوزتيك، تقرئين نصوصي فيك، تقبّلينني، تقضين سحابة يومك تطبخين أو تغسلين… فأنت تمارسين الكيمياء. حياتك كلها كيمياء.
– وبما أن حبّنا كيمياء فالثورة هي كيمياء إذن.
– بالضبط!
وتأتي الثورة في موعدها، وكان هذا حدثا مدهشا لنا، كان مفارقة، تأخرتْ كثيرا لكنها وصلت في موعدها! كيف يمكن هذا؟ وأرتفع عندك إلى مقام النبوة. “لا تزال أرض فلسطين قادرة على إنجاب الأنبياء” قال سياسي صهيوني، لكنكِ قلت: “ثقتي فيك لا حدود لها، كنت دوما صادقا معي، غَوثاً، لم تخذلني أو تكذب علي يوما، ولا هذه المرة”. حينها نزلت علي بضع حمامات سمراوات وحملنني ثم رمينني عليك وعانقتك طويلا غير مكترث بالجماهير. ليس حبا واشتهاء كما اعتاد خليل أن يعانق خليلته، بل امتنانا كما.. مثل.. مثلما يمتن طفل لأبويه على هدية عيد ميلاده.
– لا تخبري أحدا! سيظنون أنها مؤامرة مخططة، لن يصدّق أحد قصصك السخيفة عن النبوءات.
– صح! لن يكونوا أغبياء مثلي.

2- فاصل إعلاني

“ماذا لو أصبحت إزالة الشَعر عادة ممتعة؟”
يسأل إعلان تموله النسوية العالمية، علما أن بشرة جرداء ناعمة هي في صالح الذكر أساسا. والشعر مثله كمثل الأعشاب الضارة وأنظمتنا العربية: يستنزف الموارد، ويشوه الجمال، ويسبب الاكتئاب. ثم ما شأني أنا؟ آخر همّي الشعر، والعادات الممتعة.
– لماذا يظل نكدك يظهر حتى في أجمل اللحظات؟
– ألا ترين هذا السخف؟
– قلبك مريض! حاول التخفيف من الدخان.
تقولين ذلك وأنت تمتشقين سيجارة وتستخرجين حقائبك من الخزانة.
– ماذا تفعلين؟
– سأرحل.
– من يطالبك بذلك؟ إنهم يهتفون: ارحل ارحل يا بشار!
تضحكين ضحكتك ذات الفجور الشرقي الممزوج ببحة أرستقراطية، تحزمين خصرك بجواربك الطويلة الشفافة وتبدئين الرقص مثل طفلة شهية وصوتك يصدح: يللا ارحل يا بشار!
– إنني أعشق ثورتك!
– ههههه إنهم يحتفلون.
يصيبني انتشاء من تعبيرك، أنسى للحظة ثورتك الراقصة وأهرع إلى حاسبي المحمول. أبحث في ملفات البي دي إف الأثيرة لدي: اسمعي اسمعي ماذا كتب لينين.
– ماذا كتب لينين تبعك؟
أتنحنح، أكتسي مسحة جادة، أوضح لك أن لي لحية كلحيته، أريك صورة له كي تتأكدي، ثم ألوح بقبضتي الحمراء:
“الثورات هي احتفالات المقموعين والمستغَلين. لا يوجد زمن آخر كزمن الثورة يمكن فيه للجماهير أن تكون في موقف المتقدم بفعالية كخالقين لنظام اجتماعي جديد. في تلك الأزمنة يقدر الناس على فعل المعجزات… سنخون الثورة ونغدر بها إذا لم نستخدم هذه الطاقة الاحتفالية للجماهير وهذا الحماس الثوري لبدء نضال يتسم بالقسوة والتضحية من أجل السير في الطريق المباشر والحاسم”.
ههنا اعتكر مزاجك. ربما أثارت رعبك كلمات مثل القسوة والتضحية. ربما أثار فزعك حديث ماديّ ثوريّ عن المعجزات.
“براون سيلكابيل الجديد، ما تستحقه النساء”.
واضح جدا أن الشعر هو مشكلة البشرية في هذا العصر البهيج. ومجددا، بشرة جرداء ناعمة ستكون مما يستحقه الرجال الذين يفرون من خشونة بشراتهم وشعرانيتها إلى بشرة ذات منطق حريري.
– حاول أن تفكر دائما في النصف المليء من الكأس.
ليس من عادتي أن أرى الجانب الإيجابي في الأشياء، لا سيما إن لم يكن موجودا: أي نصف؟
تسكبين قليلا من نبيذ أحمر مز في القدح: هذا النصف.
– “الليل يصبح ويمسّي
   وتفكّريني وتنسّي
   وافطم على ريقك نفسي
   واتوب من الخمرة الليلة”
– إي ها! دخيل الرايق!
اللحن لطيف، تقرّين، لكنك لا تفهمين سر انئخاذي بهذه الأغنية. ثلاثة أعوام أقص عليك أحسن القصص عنها ولا تفهمين بعد. كنتِ تكتفين بأنك سمراء، وبأني أغنيها لك.
– عدني ألا تموت!
– أعدك بأننا سننتصر.
أقول ذلك كما لو كنت أحمل سلاحي متوجها إلى جبهة القتال.
– ولكنهم يعبدونه!
– عادي جدا، أعرف كثيرا من المؤمنين ألحدوا، غدا حين ننتصر ستتذكرينني.
– أنا أتذكرك منذ الآن.
“التخلص من الشعر نهائيا بالليزر”
– لعن الله ربّاً يعبدونه! ما قصة الشعر هذه الليلة؟
– أفهم أنك لن تمانع إن لم أحلق شعر جسمي بعد اليوم؟
– لن أمانع؟ سأخرج في مظاهرات دموية تنادي بإسقاطك.
تضحكين بمزاج من الاستهتار والتوتر. تنصرفين عني لتعيدي الحقائب إلى خزانتك. حركاتك رتيبة، أنيقة، خفيفة، أراقبها وأنا أفكر في التي تشبه النبيذ الزنخ الذي يتسبب لك بصداع صباحي: الحياة. وهي حتى حين تمزح معك، يكون مزاحها من النوع الثقيل. كأنك كنت في حياتك السابقة واحدا من الفريسيين، وهي السيد المسيح يصب عليك لعنة أبدية.

3- هممتُ ولم أفعل وكدتُ وليتني!

رأيتها مرة واحدة، ولم أنسها منذ ذلك الحين. علمتْني اسمها كما لو كان بديهة من بدائه إقليدس، أو حقيقة فيزيائية صحيحة إلى الأبد. كانت من النضارة بحيث اعشوشبت مفاصلي من مصافحتها، ومن العبق بحيث طار صدري من عناقها، ومن الكحول بحيث غدا كبدي متشمعا من رشفة واحدة. ثم سألتني: لم تأخرت؟
– لو عرفت أنك ههنا لأتيتك من الأزل.
– الأزل هذا مكان بعيد. يعرضون فلماً في السينما، تود مشاهدته؟
– وهل السينما مكان قريب؟
– ربع ساعة سيرا.
– ما رأيك أن نمشي ساعتين؟
هو يعرف حارات دمشق القديمة منذ مدرسته الابتدائية، يعرفها جيدا، لكنها لم تكن يوما بمثل سحرها كما كانت في تلك الأمسية. صارت دمشقاً جديدة. قد لا يجد مبررا يقنع النحاة بجواز تحرير دمشق من حالة المنع من الصرف، لكنها ليست ليلة للنحو، هي ليلة للاحتفال، ليلة لتكسير القواعد والكراسي.
– لم تجبني بعد، لم تأخرت؟
– لن أقول شيئا جديدا، اسمعي “زحمة يا دنيا زحمة” وستفهمين كل شيء.
– لكن تعجبني حماستك، أراك ترتدي قميصا أسود منذ الساعة.
كانت فكرة رائعة في واقع الأمر، يخيل لي أن صاحبها مؤسس لحزب محظور، أو عضو في منظمة سرية تحت الأرض، أو متضلع من تكتيكات جماعة Direkte Aktion. كان الخوف لا يزال يمتطينا، كان انعدام الثقة الذي تزرعه التربية الأورويلية لا يزال يخضوضر بيننا. “عا كتر ما طلع العشب بيناتنا بيرعى الغزال”. الزمان: غدا. المكان: مقابل مجلس الشعب. ولأنك لا تريد أن تأتي لتكتشف أنك الوحيد الذي سيتظاهر هناك ويرفع لافتات تنادي بإسقاط النظام، سيطمئنك أن تنظر حواليك فترى شبّانا يرتدون قمصانا سوداء، وشابات يرتدين أوشحة وأحجبة سوداء (جمع حجاب كما في غطاء الرأس، لا التميمة التي تقيك شر الحسد والشبيحة). حينها لن تشعر بالوحدة والخيانة، وحين سيزداد العدد حتى يبلغ تلك الكتلة الحرجة البديعة، حين يتحول التغير الكمي إلى كيفي، ستكفي كلمة واحدة لإشعال الفتيل. ما لا تعرفه أميّة، ولعله كان اسما مستعارا أوجبته ضرورات أمنية واستدعاء تاريخي، لكنه بارع على كل حال، ما لا تعرفه هو أنني كثيرا ما أرتدي قميصي الأسود هذا، وكان أحد الأمور التي جعلت لي حظوة عند أصحابي الأطباء ممن يتحدرون من لبنان المقاومة.
– لا حماسة ولا خرا، ما مشروعنا الآن؟
– نبحث عن مكان للجلوس، تعبت من المشي.
– عندي شقة.
– وهل تنوي اغتصابي؟
– مستحيل! أنا واحد لا يزال يعاني تبعات اغتصاب أمّه منذ عقود.
– إنته واحد عريق!
– صح، صح!
– بعيدة؟
– في اليرموك، مخيم اليرموك.
– زرت المخيم مرة واحدة، في وقفة العيد الماضي، شارع لوبية…
– الشقة مقابل شارع لوبية.
– ههههه اشتريت يومها ثيابا… تعال ناكل بوظة.
– إن كانت على حسابك لا مانع عندي.
تحدثا كثيرا. كانا على نهم من أمرهما، كأنه حديثهما الأخير، كأن نصا سماويا يلزمهما بأن يقولا كل شيء مرة واحدة، كأنهما إن لم يفعلا سيتهم كل منهما صاحبه بالملل.
قال لها: إذ أسمعك يخيل لي أني أنا نفسي صرت موجة صوتية.
قالت له: حين تسكت يهزأ الزمن بي.
وبقيا صامتين.
ثم أتى غد. ذهبت إلى المشفى أرتدي قميصي الأسود كما فعلت لأسبوع على الأقل. مقابل مجلس الشعب محل للآلات الموسيقية يزين واجهته ساكسفون سوبرانو يثيرني كما لا تفعل متعرية. كثيرا ما قصدت المحل لشراء أقراص الجاز المدمجة. صاحبه يعرفني، لا خوف علي إذن، سأدخل وأسأله إن جهز لي أعمال Dave Brubeck التي أوصيته عليها منذ أيام. لم أشعر بقلبي في أذنيّ؟ دَب لَب، دب لب، دب… من الصحي لأرعن مثلي أن يكتشف من حين لآخر أنه يخاف، هذا سينشط دورته الدموية ويجعل قراراته أكثر حصافة. ديف بروبك غير جاهز، لكن لديه تشكيلة مميزة لآرت بورتر وقرصان جديدان لتوفيق فرّوخ. طيب! أخرج من المحل قليلا، أنظر في الجهات الست التي أعرفها، ما من قمصان سوداء بعد. هناك فتاة تضع على كتفيها شالا أسود وتعبث بجوالها. أيمكن أن تكون أمية؟ تبدو أقصر. ربما تبدو الأشياء كلها أقصر وهي بعيدة لكنها لا تبدو أزيد وزنا. هذه الفتاة تكتنز من الدهن ما يفوق رشاقة أمية. ثم لو كانت أمية لميزتني، أخبرتُها عن المحل، أخبرتها أين سأقف، وهي نفسها قالت إن لي “كسماً” ستعرفه ولو كنتُ متدليا بين ألف مشنوق. هههه لها تشبيهات بديعة! لكن ما الكلمة التي استخدمتْها؟ نعم!  silhouette، كانت المرة الأولى التي أعرف فيها أن لي سلوِت. “الضيّ شعشع والشجر سلوِت”، ربما يجدر بي أن أقترب منها، دَب لب، دب لب، دب… آرت بورتر وفرّوخ جاهزان، والخوف صحي قبل الامتحانات الأكاديمية فحسب. قلبك في أذنيك، وجهك شاحب على فاترينة المحل، وشيء في مفاصلك يرتجف، توقف سيارة أجرة: مشفى ابن النفيس لو سمحت!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرين − سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى