ذاكرةذاكرة حدث

بوظة بفستق

بوظة بفستق

 ست سنين متتالية  ، ستة أصياف ( جمع صيف ) ،تنشر بها أمي سعادتها بنجاح أبنائها على شكل زبادي من البوظة العربية المدقوقة مع الفستق الحلبي  ، .لم تخطئ الطريق يوما من غرفتها إلى محل البوظة في بلدة يلدا ، كان تمسك مسطرة وقلما وترسم خطا مستقيما يبدأ حينما تصدر نتائج امتحان الثانوي أو الإعدادي  و  ينتهي عند البائع اليلداوي  ..

كانت تعرف تحديدا الوقت الذي سترفع خلاله يديها إلى الله وتدعو لنجاحنا راجفة ، ثم تنزلهما فتزغرد ثلاث زغاريد ، وتقبل ابنها الناجح : ” مبروك يما ياحبيبي الله يرضى عليك” ، ثم تضع على خدودها حمرة فاتحة وتسير .

لم تحتج هذه العملية إلى أبي  ،غالبا كانت تحمل كيلوهات البوظة بأكياس بيضاء ثقيلة  وحيدة  مجتازة الطريق مشيا،  فعلى حد قولها من  اعتادت على حمل  الأكياس السوداء و صناديق اللبن  و “جرزات ” البقدونس والنعناع ، لن تجد ضيرا في أن تحمل شيئا أخف ثقلا على قلبها، خصوصا أنها وفرّت له مالا  على مدار عام . كل ما يهم أن هذه البوظة هي نصيب ضيوفنا ولنا القليل منها..

عادت أمي إلى المنزل صيف 2009  ، فأجلستنا في الصالون ، ثم ذهبت إلى مطبخها ،  فقطعت لنا سبع قطع من البوظة  و وضعتها في زبادي بيضاء مع معالق صغيرة حتى نستمر بالأكل أكثر وقت ممكن ، القطعة الأكبر كانت من نصيبي ذلك الصيف بعد نجاحي .

كان البروتوكول يقضي بأن نأكل البوظة يوم النتائج  مع بعضنا البعض وبكمية كبيرة جدا لأننا إذا ما مددنا أيدينا على حصص الضيوف منها بعد ذلك ، ستتكسّر أيدينا وستخسر أمي نقود راتبها المقبل في شراء  كمية جديدة ، وإذا بقي في نهاية الموسم  أية بوظة  فهي ملكنا سنعود لنأكلها سوية ،،  فدرءاً للمخاطر ، احتفظت ربيعة – أمي – بأماكن سرية في الثلاجة لا نستطيع بسهولة الوصول لها ، حاولنا هذا العام أنا وإخوتي قبل أن ننام أن نعرف  المكان السري ولم نستطع.

في اليوم الثاني طلبت مني النهوض في  الساعة الثامنة صباحا لأن صديقاتها سيأتين لتهنئتي قبل أن يذهبن معها للعمل ، و بالفعل استيقظت و استقبلتهن وأنا نصف نائمة  فرحة بأكياس الهدايا التي يحملنها و بالمئتي ليرة سورية التي وضعت في يدي ..، و دخلت أمي  حاملة صينية كبيرة تحتوي على  زبادي  كثيرة من البوظة ، “زبادي كثيرة ، ياإلهي كيف سأتمالك نفسي ولا أشتهي؟ ”  .

إحدى صديقاتها  أعجبها المذاق فطلبت  المزيد وبالطبع أمي قامت لتضع لها مرة أخرى .دخلت المطبخ و فتحت الثلاجة ، كنت أريد حجة قوية لأقتحم المطبخ وأعرف المخبأ السري  في الوقت الذي ستظهر  قطع البوظة خارج الثلاجة، ففكرت قليلا ثم سألتُ صديقاتها، ” هل تردن الماء ؟  ”  فأجابت إحداهن ” نعم من فضلك كوب ماء بارد ” ، هنا أتيحت لي الفرصة  الذهبية للحاق بأمي .

ركضت نحو  ” الحنفية ” و فتحتها و انتظرت لتنزل  المياه الباردة  وأنا استرق النظر .. أين يمكن لها أن تضع البوظة ؟ هي ليست وراء أكياس  الفول ، ولا بين أكياس الخبز ، ولا وراء كيس ورق العنب،  وفي هذا الدلو قشطة و”ٌقريشة ” هي ليست به، إلى أن ظهر بجانبي كيس كبير أخرجته أمي من الثلاجة على الفور وهي ترتب كيفية إعادة البوظة إلى مخبأها متأكدة أني أدير ظهري،  فَفَتحت الكيس ووضعت به الكنز الدفين وأرجعته ثم عادت أدراجها وأنا عدت بكأس الماء  ..

بعد حين ، انصرفت الضيفات وأمي إلى مستوصفهن ، قبّلت أمي وأخبرتها بأني سأعاود النوم ، حرصا مني على إخفاء الجريمة الآتية، أغلقت باب البيت وتأكدت من أن باب البناء قد فُتح وأُغلق ,وركضت إلى الثلاجة .

الكيس الذي فتحته أمي هو كيس البازيلاء ، كيس مونة كبير جدا طولاني يحتوي على صور حبّات البازيلا من الخارج فيتهيأ لنا أن بداخله هذه القطع ، وبالفعل حينما تفتحه تسقط قطع البازيلاء وتتناثر  ، فلقد فعلنا ذلك البارحة ، لكننا اكتفينا فقط بالتجربة دون إكمال فتحه حتى النهاية .

أخرجتُ الكيس  رويدا رويدا و وضعته على الطاولة وبدأت أفتحه حتى النهاية ،فوجدت البوظة بعد قطع البازيلاء الطازجة. كانت أمي قد فصلت بينهما بكيس صغير آخر  فصلت أمي بكيس صغير آخر .

“بوظتي ”  المسروقة  اليوم أكبر ، وملعقتي أكبر أيضا ، وأنانيتي أكثر ، فلا أريد لأد مشاركتي ، أغلقت أبواب غرف إخوتي حتى لا يشعروا أن شيئا ما يؤكل فيستيقظوا ، ذهبت إلى غرفة “بابا وماما ” و فتحت الدرج المهترئ في الخزنة إلى آخره وسرقت ” البيتيفور ” أيضا – سبق لنا و علمنا مخبأه السري –  وبدأت الأكل .

ملعقة وراء الأخرى ..مممم ماأشهاها .ماأطيب الفستق حينما يمزج مع البوظة كثيرة القشطة ورائحة ماء الزهر تُشمَ وتؤكل ، والباض ناصع جدا .، لن أستطيع التوقف عن طلب المزيد إذا لم أقل بيني وبين نفسي كفى ، وبعد ما أفطرت على البوظة ، شبعت ودخلت لأنام

مساءً ، أمي اكتشفت الجريمة وبدأت بالصراخ ، بالطبع لم أعترف ، وأخوتي صُدموا أن أحدنا يعرف ولم يخبر الباقين ..فهذه خيانة الموسم .

عاودت ماما شراء البوظة بعد  أن انتهت الكمية السابقة  ومازلت  فتح الثلاجة والأكل  سراً، وفي أحد المرات سألتها باستخفاف : ” لماذا تشترين البوظة الغالية للضيوف لا أحد يستحق هذا ؟”  فأجابت بكثير من الطيبة والفخر والثقة  ” حينما ينجح أولادي أفرح كثيرا وأريد لكل الناس أن تعرف فرحي بكم ، فأجعل فرحي على شكل زبادي من البوظة “

بعد أعوام من نزوحنا عن البيت إلى لبنان ، صارحتُ أمي وأخوتي بالحقيقة  ” أنا من سرقت البوظة عام 2009 ” ، فضحكت أمي قائلة أنها تدرري أننا كنا جميعا  نسرق البوظة ولست الوحيدة   في كل مرة  ، وأنها في كل مرة تحرص عى شراء كمية وفيرة   تكفينا وتكفي الضيوف ، لكن أسلوبها في أن تطعمنا منها أول يوم وتقول لنا أن الباقي ليس ملكنا هي وسيلة اتخذتها لمحاولة التقنين وبالتالي  بقاء ما يمكنة لفترة أطول  كي توفّر نقودها لشراء شيء آخر سنلتهمه   فيما بعد

حينما نجحت أختي الصغرى في لبنان في امتحان الثانوي ،  لم ترسم أمي  خطَا مستقيما بين بيتها ويلدا ، هي تعلم أن طريق البوظة بفستق لا يمر من هنا   .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر − 15 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى