ذاكرة لجوء

ذاكرة فائضة عن الحاجة

خلسةً يتسلّل أبو العبد من باب مركز الإيواء بعد أن تمكن من مغافلة عامل الحانة وسرقة زجاجة خمر من إحدى حانات جرمانا، تستقبله وجوه أطفال المركز الشاحبة، وجوهٌ لا لون لها، فالرمادي حائر بين السواد والبياض، وجوهٌ كأنما نُحتت بالصخر وجُبلت باللامبالاة، أطفالٌ ينتعلون الوحل، يتحسّس أبو العبد الزجاجة تحت سترته، يسرع في مشيه فصديقه أبو جنين الذي خاض معه معركة حصار بيروت ينتظره على سطح المركز، يصعد السلم، أم العبد تسابق الغيوم، تصرخ وفي فمها ملقط غسيل “ملعونة هذه الثياب”، يبتسم أبو جنين، وهو يتابع نصب الشادر الذي طُبع عليه علَم (الأونروا) على السطح ليحميهم من المطر أثناء ممارسة طقوس السُّكر، تصرخ أم العبد مجدداً “خيّا أبو جنين أترك أبو العبد بحاله عنده عيله وشغل، خيا أما أنت فلا شغلة ولا عملة، يكمل أبو جنين نصب الشادر غير مبالٍ بكلام أم العبد الذي اعتاد سماعه، ينهي أبو العبد مُجهداً صعود السُّلم ويصل إلى السطح.

– “لماذا تأخرت ؟” يقول أبو جنين وهو مضطجع تحت شادر الأونروا  “اعتقدت بانهم أمسكوا بك أيها اللص”

– يضحك أبو العبد قائلاً “لولا مسروقاتي لكنّا كبرنا أنا وأنت ألف عام”، ويتابع: الخمرة التي أسرقها تقتحم اللاشعور، تبحث عن ما تبقى من رذاذ طفل يهوى ممارسة براءته، تنقي الفضائل في الذات، تدخل رويداً رويداً وتبثّ السمّ فيكُ، إنها كبعوضة تمتص دمك، تدخل إلى أعماق ذاتك لتعرّي خفاياها وتدخل في صراع دائم مع الممكن”.

– “أنت كما أنت دائما تقحم فلسفتك وتجربتك الذاتية في أدق التفاصيل، هات الكأس من جنبك فإن دمي يحكّني”.

– “بصحة الماضي” يقرعان الكأسين , يعبّان ما فيهما من عرق كطفلين يرضعان من ثديي أمهما، يحلّقان فوق الزجاجة كنورسين يحومان فوق قارب ليداعبا فراشة تبللت بالندى.

يخترق صوت أبي جنين الصمت ليقول “آه يا كاميرتي كم من جثث أحصيت أثناء حصار بيروت؟، أما الآن فإنك تلتقطين صورة جثتي كلما حاولت تصوير ما حولي”.

– يهمهم أبو العبد ويصرخ “اقرع الكأس يا صاحبي”، يقرعان كأسيهما، تنسرب الخمرة لتختلط بقطرات المطر، يلوح الشادر متأثراً بريح جنوبية تحمل معها رائحة الحنين.

– “أتشتمّ رائحة المخيم يا أيا جنين؟” يقول أبو العبد “إننا من هناك” يشير بأصبعه “لا هنا لنا، هناك رجال اختاروا الموت ليخلّدوا الذاكرة، وهنا رجال اختاروا الحياة ليقتلوها، يمكن للذاكرة ان تقتل وأن تُغتال، هيّا يا أبا جنين دعنا نقتل ذاكرتنا، هيا لنحيا من جديد”.

الرائحة الجنوبية ترتفع تقتحم المكان تتوحد مع طقوس السُّكر، يختنق  المكان برائحة اليانسون كلما اشتد المطر.

– “سأسكر” يقول أبو العبد بصوت مرتفع وهو يخرج من تحت الشادر حاملاً زجاجة العرق، يرقص رقصة زوربا تحت المطر، ويردف قائلاً “هيا قم وارقص معي يا أبا جنين”، يرقصان معاً يدندنان لحن الماضي والحاضر يجن اللامكان.

يفترش أبو العبد الارض ويقول هيا أقتلني بكاميرتك يا أبا جنين، يُخرج أبو جنين كامرته، تختلط دموع أبي العبد بقطرات المطر على الأرض يشير بيد الى المخيم وبالاخرى الى الوطن وقدماه مرفوعتان صوب علم الاونروا، تعجبه فكرة الموت فوتوغرافياً، يغمض ابو العبد عينيه، يسحب مسدسه البيروتيّ من تحت سترته يطلق رصاصة على الذاكرة ويهمهم قائلاً:

-“قتلتُ ذاكرتي يا صاحبي”.

ياسر النعيمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر − 8 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى