ذاكرة شخصيه بورتريه

صبر أم أيوب وياسمينة الانتظار

صبر”أم أيوب” وياسمينة الانتظار

على عادة البيوت في المخيم كان بيتنا وبيت “أم أيوب” يرتبطان بعلاقة توأمين سياميين لا يفصل بينهما سوى جدار ربما يرتفع بقامة رجل أو أطول قليلاً، فقد كانت الدالية التي زرعت في أرض دارها تنشر أغصانها كذراعي أنثى حتى أنها غطت حيزاً من باحة بيتنا، وعلى عادة أطفال المخيم مع جيرانهم فقد كنت أظن بيت “أم أيوب” من بقية عائلتي، كنا جميعاً نعيش في ذات الفضاء كأسرة كبيرة في مساحة مفتوحة على الحنين والأمل.. كان باب بيت “أم أيوب” يفتح على الجهة الجنوبية المقابلة تقريباً وبانحرافات قليلة لمقبرة الشهداء من الجهة الغربية ومعسكر الأشبال من الجهة الشرقية وفي هذا المدى المفتوح كانت فلسطين تقع بكل تفاصيلها وصورها المحفورة في القلب والذاكرة لجيل طرد منها وجيل ولد بعيداً عنها، وعلى ذات الطريق إلى ذاك المدى كان يقع الجولان السوري الذي كان مسرحاً لقصص “أيوب” التي تكاد حينها أن لا تنتهي.

فـأيوب الذي خبر جميع دروب “الجولان” المؤدية إلى شمال فلسطين.. والتي كان يحفظها كما كان يحفظ الخطوط المحفورة في راحتي يديه، لا يدري كم مرة عانق تلك الأرض التي أحبها، وهو يتنقل بين طياتها زاحفاً، راجلاً أو متنقلاً على رؤوس أصابعه مقلداً مشية البطة. وهذا ما كان يؤدي به غالباً أن يعود متسللاً ليلاً إلى بيت أهله بعد كل دورية داخل الوطن المحتل نظراً لاتساخ بدنه وملابسه.

كان الجيران يعلمون بعودته لأن إيقاع الليل يتغير في بيت “أم أيوب” ففيه يسمع

صوت بابور الكاز المختلط مع صوته الجهوري وقهقهاته أحياناً مع ضجيج حنفية المياه وهي تملأ البرميل المعدني الخاص بغلي الغسيل بقصد الاستحمام.

كان يعيش “أيوب” كقط بري رغم زواجه وإنجابه طفلاً أسماه سعيد إلا أنه لم يكن يرتبط بالعائلة إلا من خلال علاقته المميزة بوالدته، والتي عملت كل ما في وسعها لركونه واستقراره، في أن يعيش عيشة طبيعية كالكثير من أقرانه من شباب المخيم. إلا أن ميوله البرية كانت دائمة الغلبة على هدي أمه، وهذا بدوره أدى بزوجته لاحقاً أن تغادر منزل الزوجية إلى غير رجعة تاركة وليدها الرضيع في عهدة الجدة وعمته “آمنة” والتي تشاء الظروف أن تبقى طول العمر عزباء ناذرة نفسها كأم حقيقية لهذا الوليد.

أتت حرب حزيران في عام 1967 لتشعر “أيوب” بشيء من السعادة كونها قربت المسافة بينه وبين الاشتباك مع العدو- بعد أن كان يقضي في دورياته الفدائية الأيام والليالي في البراري للوصول إليهم- وسمحت له هذه الحرب بسرعة التنقل والمناورة للوصول إلى الأهداف.

دأبت “أم أيوب” أن تجلس على عتبة البيت تحت ظلال شجرة الياسمين مع مطلع كل شمس وحتى ما بعد غروبها، في انتظار عودة “أيوب”، غير عابئة بتعاقب الفصول للفصول. طال الغياب هذه المرة، وطال معه الانتظار، عشرات الحكايات وربما المئات رويت عن اختفائه، أشهرها التي كانت تقول أنه في إحدى الليالي وقع مع مجموعته في كمين للعدو واستشهد فيه، وأن العدو فخخ جثته بالمتفجرات بعد أن تركها في أرض الكمين لجعلها طعماً للإيقاع برفاقه. لكن “أم أيوب” لم تصدق أياً منها، وأصرت على الانتظار بصبر نبي الصبر “أيوب” الذي أرادت لبكرها أن يحمل اسمه ويكون له أسوة حسنة، وربما أرادت أن تربط اسمه بالصبر الذي حمله معه نبي الله “أيوب” سبعاً عجافاً، في نبوءة أم وقديسة في آن.

لم تترك “أم أيوب” فصيلاً من فصائل العمل الوطني الفلسطيني- التي انتشرت كالفطر في الساحة الفلسطينية وقت ذاك- إلا وذهبت إليه لتستقصي عنه، وكذا فعلت مع المشافي والمخافر والأفرع الأمنية السورية التي كانت تعج بالمعتقلين بتهم شتى، علها تجد خبراً أو معلومة تقودها إليه أو عنه، لكن كل محاولاتها باءت بالفشل، هذا الفشل الذي لم يفقدها الأمل أنها سوف تراه يوماً، فقد وصل بها الحال في إصرارها في البحث عنه أن مضت إلى أقصى نقطة ممكنة من الأراضي التي احتلت مؤخراً، وقفت هناك، رمت بنظرها بعيداً بعيداً، ماسحة الفيافي والهضاب كصقر جائع يبحث عن طريدة، علها تجد في هذا المدى أثراً أو حتى شبحاً له.

كانت تحاول أن لا تجعل للصدفة مكاناً في هذا الانتظار، بعد أن أعياها التعب ولم يعيل صبرها، فطلبت من أحد شباب الحارة أن يعمد على بناء مصطبة إلى جانب الياسمينة، أن  يصبها جيداً، وأن يعتني بنعومة ملمسها، كما طالبته أن يمدها لتطال الجدارين الموزعين على جانبي باب بيتها- ففي الصيف صارت هذه المصطبة مع بعض الكراسي الخشبية المقششة الصغيرة ديوانية نسوة الحارة ورجالها بعد كل عصر، بعد رشرشة الأرض بالماء وفواح رائحة الياسمين.

فعلى المصطبة الأولى كن النسوة يجتمعن عندها لتبادل الأخبار والأحاديث، وليتم قطاف أوراق الملوخية، تقميع البامية، حفر المحاشي )الكوسى والباذنجان( ولف ورق العنب )اليبرق(، أو تنظيف أشواك العكوب، وفي حالات أخرى يتم تنقيب حبوب العدس أو الحمص من الحصى والزيوان، في جو من المشاركة الجماعية.

أما المصطبة الثانية فقد كانت تجمع الرجال بمشاكل العمل وأحاديث السياسة وأخبار الثورة.

في زحمة هذا الانتظار الطويل، وفي أمل دائم بعودته ولو فجأة، لم تنس “أم أيوب” يوماً أن يكون السكبة الأولى من كل طبخة صحن لـ”أيوب” ينتظره في “النملية” حين عودته، وذلك قبل أن يجد الصحن له طريقاً إلى برادها، الذي اشترته بعد أكثر من عقد ونصف من غيابه، لتضطر أن تقدمه لسائل أو عابر سبيل في اليوم التالي.

مع مطلع أحداث الحرب الأهلية اللبنانية صار شارعنا طريقاً إجبارياً لمقبرة الشهداء الرئيسية لجميع المخيمات الفلسطينية في محيط مدينة “دمشق”، والتي توسعت بقدرة قادر بعد هدم جدارها الشرقي لتصبح أكبر بعدة مرات مما كانت عليه قبلاً، وليصبح أمراً مألوفاً جداً مشهد مواكب الشهداء المصحوبة باختلاط أصوات )الفرقة النحاسية، زمور سيارة الإسعاف، أغاني الثورة الصادرة عن سيارة “لاندروفر” يعلوها مكبر الصوت، هتافات الشباب المشيعين، مع نواح النسوة وأهازيجهن.( وهذا بدوره جعل من كل سكان حينا مشاركين دائمين في جميع جنازات الشهداء. وكانت “أم أيوب” تحفظ وأحياناً ترتجل الأهازيج في وداع الشهداء، وفي إحداها بكت بحرقة غير معهودة وهي تودع شهيداً كان صديقاً لـ”أيوب” في صباه، وناحت نواحاً أبكى الجميع كما أبكى قلب الحجر، ولا أزال أحتفظ بذاكرتي بذاك المشهد المرير وهي تتمنى لو كان “أيوب” برفقته ولو شهيداً، لكان قد برد شيئاً فيها من نار الانتظار التي تلتهم روحها كل يوم.

في تلك الآونة أضيفت عادة جديدة إلى عاداتها، وهي أن تذهب كل يوم إثنين وخميس إلى مقبرة الشهداء على عادة كل أهالي الشهداء، الذين كانوا يأتون بالورود لوضعها في مقدمة القبر أو زرعها في حوض وسطه خصص لهذا الغرض، في رغبة ضمنية واعتقاد شائع بأن هذا يريح الشهيد، ومنهم من كان يبالغ في هذا الأمر جاعلاً من القبر حديقة يباهي بها. أما “أم أيوب” فكانت تطوف بين القبور حاملة معها ما تيسر لها من ورود وشتلات جمعتهم من أصيص بيتها وأغصان من ياسمينتها في دلو ماء، فكانت بفراسة أم تعرف أن قبر هذا الشهيد لم يزر منذ مدة، فتزرع فيه ما تيسر لها، وتسقي قبر آخر خوفاً على النبات من الجفاف، وتقرأ لهم ما تيسر لها من الذكر الحكيم، كما كانت تجالس عائلات الشهداء، تتحدث معهم عن شؤونها وشؤونهم، فكانوا يخبرونها عن شهدائهم وهي تخبرهم عن غائب لها.

مر الوقت ثقيلاً على روحها ومشاعرها، وحفر أخاديده باكراً في الوجه واليدين، بدأ الجسم يبدو أكثر هزالة، في وقت يزداد قطر ساق الياسمينة الرئيسي، ويظهر على سطحها شيء من جفاف قشرتها، تمددت فروعها وأثقلت بما حملت من أغصان، مما حذا بـ”أم أيوب” أن تدعمها بعدة قطع خشبية هنا وهناك لتبقى واقفة في المكان، وتخيم حول الباب بعطرها وكأنه باب الفردوس العظيم، والمصطبة لا تزال حالها إلا من بعض تلف في أطرافها، وكأنه كتب لها أن تكون رصيف الانتظار.

كثيراً ما كان يتخيل لي حين أكون ماراً من أمام بيتها، أن “أم أيوب” رغم مفارقتها الحياة- بعد أكثر من أربعة عقود عن غياب ولدها- لاتزال جالسة على باب البيت في ظل الياسمينة، أن قدميها قد امتدتا عميقاً في الأرض كجذور زيتونة “عمرية” تتشابكا مع جذور الياسمينة التي لا تزال تفيء باب الدار في انتظار عودة “أيوب”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى