الرسالة الأولى (القيمة والمعنى وحرية الاختيار)‎

شارك القصة

الرسالة الأولى (القيمة والمعنى وحرية الاختيار)

إلى صديقيّ أنور وأحمد :
لا أمتلك الذخيرة اللغوية التي تمتلكونها، وليس لدي الحد الأدنى من مهارات اللغة فأرجو أن تعذروني على ذلك وأن تصححوا الاخطاء اللغوية وتنونوا الأحرف كما تشائون .
صديقيّ:
العلاقة بين الخيار والقيمة علاقة معقدة ، شبيهة بتلك العلاقة الموجودة بالمعادلة الرياضية الخاصة بالقنبلة الذرية .
تضيق الخيارات أمام الإنسان كلما انطلق من أرضية قيمية ثابتة، إذ تصبح القيمة والمبدأ هي البوصلة الموجهة له في كافة خيارته …
والحقيقية أنّ في هذا الأمر متعةٌ و لذةٌ عظيمة . فالمحدودية بالخيارات ستحرض عقلك على التفكير بشكل أكبر، كما ستزيد من مكانزمات العمل لديك للوصول إلى الحقيقي الذي يساعدك على امتلاك المخرج المناسب ، أو الخيار الأفضل بما يتلائم مع قيمك.
وهذا تماماً ما يجعلك متميزاً عن غيرك من البشر أصحاب التفكير الانتهازي، الذين يمتلكون خيارات واسعة في حياتهم ، لأنه لا عائق أخلاقي أو قيمي يحول دون استخدامهم أي مسلك للوصول إلى غايتهم الشخصية دائماً ، حتى لو عبروا جثث الأطفال!
أتعرف السنور ذلك الحيوان صاحب الفرو الأبيض الثمين ؟! هذا الحيوان له طرق محددة بالسير يسلكها بشكل يومي ، ولكي ينال الصيادون من فروه الثمين يضعون الوحل في طريقه . و حين يصل إلى الوحل يستسلم لإنه يفضل الموت على اتساخ فروه بالوحل .. يرفض المرور بالوحل لنيل حريته، يفضل الموت على الاتساخ!
وهنا يكمن الفرق بينه وبين القطة التي لا تمتلك أدنى حرجٍ في أن تكون ذليلةً تحت أرجل أي شخص يقدم لها الطعام.
صديقيّ
جمالية الحياة تكمن في خوض حروبها المنطلقة من قيمة ثابتة،
و إنّه لعمري غاية الحياة ومنطلقها،
22/9/2016

عبد الله الخطيب

جنوب دمشق المحاصر

……………………………………………..
صديقي العزيزين
.. وصلتني الرسالة و سأقتطع لكما خلسة وريقة من محضرٍ قديم لتحقيق مع نفسي .
سألت نفسي مرَّة ما هو معنى المعنى؟
مات الفرعون العظيم توت عنخ آمون …
وذهبت منه قيمة الإنسان ، و حلَّت عليه بعد الرحمة أو العذاب ، قيمة المومياء ، و هنا يبدأ الفناء .
حاول المُحنِّط عبثاً بكل ما أوتي من مهارة و أملاح و لفائف فاخرة أن يقي منحوتته شر التحلل ، حاول أن يُبقي على القيمة الشكلية علَّ الشكل يكون سبيلاً لاستعادة القيمة المفقودة ذات يوم ..
علم أم لم يعلم ، تمكن المُحنِّط من حفظ إيمانه و مهارته و صنعته و سبكها جميعا مع حبات عرق تندت ولا شك من جبينه ، في قناع جنائزي مهيب الطلعة برَّاق الحضور ..
محاصراً في مقصورة صامتة..
وحيدا كوحدة يهوذا الاسخريوطي على صليبه..
ذهبيا كفكرة الخلود دائمة الخضرة..
تأمل معي فيما لو أنه شاهد الدهشة الأولى !، دهشة أول من رآه على حاله بعد آلاف السنين و قد تضاعفت قيمته آلاف المرات ..
للقيمة يا صديقي معنى متعلق ٌ بالإيمان و منوطٌ به الخيار في اللحظات المظلمة..
في لحظات التحنيط أفضل خيار … أن لا نكون المومياء .
26/9/2016

أنور “أبو مصعب”

جنوب دمشق المحاصر

…………………….
صديقيّ أنور و عبد
ربما هو الصقيع الدائم هنا ما يجعل الأشياء تبدو مختلفةً عن تلك البلاد الدافئة، لذلك ربما أجد الخيار والمعنى بلون آخر
والقيمة أيضاً
هل القيمة معطى ثابت؟
لو كان سنورك أسود الفرو يا عبد، فلا أدري ماذا كان سيفعل عندما يواجه وحل أعدائه، من المؤكد أن خياراته ستزداد، ربما ينجو هذه المرة، لكنّه لن يستطيع الاحتفاظ بانتصاره حتّى النهاية يا عزيزي.
ليس من العدل -برأيي- افتراض الحق في إيجاد علاقة حتمية بين القيمة واختيارها، هناك ذخيرة ما من القيمة لدى البشر، ربما هم ليسوا المسؤولين عن واجب امتلاكها، شيءُ يشبه تماماً اعتذارك عن ذخيرتك اللغوية في بداية رسالتك.
هناك شيء ما يتعلق بغريزة الحرية غير المشتركة لدى الجميع، يجعلهم سنانير بألوان مختلفة، لكنهم لا يفضلون بالضرورة الحياة على الحرية أو الموت على الذل
لدينا هنا فوضى في القيم، تجعل القاتل ضيفاً طارئاً على مائدة أهل القتيل دون أدنى شعورٍ بالذنب لديه أو ادنى شعورٍٍ بالعار لديهم.
هو المعنى إذاً كما استدرك أنور أو معنى المعنى كما أسماه
صديقي أنور:
لأني لم أعرفك قبلا أجد نفسي -بخجلٍ- مضطراً أن أسألك
ما الذي يجعلك تحتفظ بمحاضر التحقيق لهذا المتهم؟ -لازال أسيراً لديك كما أعتقد-
سأعترف لك يا صديقي أن أصعب المهارات التي لا أعتقد اني امتلكتها هي القدرة على الاقتراب ممن يراقبون أنفسهم دائماً فكيف بمن يحتفظون بمحاضر تحقيقهم مع ذواتهم.
على كلٍ
أصعب ما في هذي الحياة هي تلك المحاولة الابدية لنزع الأبيض عن الأسود كما لازلت تحاول باصرار و سأعترف أني كنت مثلك لكني تخليت تماماً عن هذا بعد فشلي الذريع فيه.
يبدو أنني خرجت عن مضمون رسالتك فلنعد إليها.
برأيك
ما معنى الساعة واحدة فجراً لأسير محكوم بالسجن مدى الحياة؟؟
للأسف يا صاحبي، المعنى شيء ذاتي أيضا، يشبه تماماً تلك الكلمة العارية التي تستطيع تحطيم مقاومة النساء أكثر ما تفعل اللمسة
حياة كاملة من المجد الذي صنعه الاسكندر المقدوني لا تعادل لحظةً من ألم أمٍ يموت رضيعها أمامها جوعاً
سأستعير جملتك الأخيرة ببعض التصرف إن وافقتني
في لحظات التحنيط أفضل خيار هو الحذر أن لا نحنط المعنى و نجعله هو المومياء.
صديقي العزيزين
كلّ ما أردت قوله هو أن قيمة الانسان و معناه هي شيء واحد وحيد
أن يعيش و أن يموت بشجاعة دون انتظار أي شيء أي شيء مهما كان
أعتذر عن عادتي السيئة -الاطالة في الحديث-
بانتظار اللقاء
قبلاتي

3/10/2016

أحمد

تورز فرنسا



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

MON DIEU

كلُّ لصوص العالم يجتمعون في سويسرا .. و كلُّ بنادق الغرب و بلطاتُ العربان و سيوف سلالات قريش تجتمع فوق رأس القبيلة التي رمت العباءة. كلُّ آلهة الإغريق تجتمع في الأولمب, و أنا طُرِدت منه حين وطأت قدم جد جدي الأولِ عربةَ نقل المنفيين من جبالِ الأمازيغ، نحو تسلسلِ مدنٍ لفظتني كلقمةٍ مرّة، أرددُ وطيفُ […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories