ذاكرة شخصيه بورتريه

ضفة أخرى وحياة

ضفة أخرى، وحياة

عاديّاً كان ذاك اليوم؛ سماء لا يخرق  صفوها شيء سوى ذاك الخط الذي تخطه طائرة أو عامود دخان بعيد، هدوء تخرقه قذيفة سواء أكانت قريبة أم بعيدة، لا فرق، لأن النتيجة واحدة.

“أنت حيّ”، هكذا قال لي وائل

ذراعي اليمنى في مكانها واليسرى أيضاً، قدماي، رأسي في مكانه، أتنفس، صوت الطائرات والرصاص يتضح في أذنيّ قليلاً قليلاً، ألم خفيف في الرأس.

“لا بأس” قال لي وهو يمرر يده فوق رأسي

أعطاني قارورة ماء لأغسل وجهي وانطلقنا في سيارته، كان صوتها مؤذياً أكثر من صوت قذائف ذلك اليوم إلا أن ضجيجها كسر ذلك الصمت الذي خيم علينا.

للصمت طقوس عنده، فهو عندما يفرح يصمت، وعندما يخاف يصمت، وفي حالة الحزن يصمت.

“فاتك الموت هذه المرة ايضاً”، قالها لي ونحن ندخل إلى الضفة الأخرى من شارعنا هناك، حيث يقبع الموت كحمامة سلام مصلوبة على بنادق لا تعرف الرحمة، لم أجد ما أقوله لأبرر عدم موتي،  لم أقوَ على شكر من أنقذني للتو من موت وشيك، فآثرت الصمت أيضاً.

قطعنا زقاقاً دمرت نصفه القذائف وفي النصف الآخر كان بيتهم، شعرها أسود، صغيرة جداً تتشبث بلعبة متسخة،  اتسعت عيناها، وصرخت “ماما” !!، جاءت الأم مسرعة تغطي رأسها بثوب ابنتها الصغيرة، أمسكت بيدي وقالت لي “ها هو في الداخل”، كانت يدها باردة ووجهها شاحباً، تصرخ علّه يستيقظ، لكنه لا يقوى على الكلام ولا على الحركة، يقبع في زاوية الغرفة كشيء لا حياة فيه،  تتعلق يده بجذعه بقطعة رقيقة من جلده، حملناه ووضعناه في صندوق السيارة.

“لا بد ان تخرجي أنت والطفلة من هنا” قال لها وائل بحزم ولم ينتظر منها جواباً

وما إن تحركت السيارة حتى سمعت صوتاً من خلفي “أريد أن أعود للمنزل”، التفت إليها وكانت لا توجه الحديث إلي، بل كانت توجهه لوالدها الممدد أمامنا في السيارة،  أصدر الرجل صوتاً لا أعرف شبيهاً له حتى اليوم، فوضعت أصبعي على رقبته، لا نبض، عيناه تتجهان للسماء ..

صرخت لوائل كي يتوقف، وما هي إلا لحظات حتى اجتاحت الأم نوبة من البكاء والصراخ، التفتّ إلى الطفلة، كانت تشعر بالخوف، ليس خوفاً تماماً، لا أعرف ماهيته، كانت تنمتم وحدها، اقتربتُ منها، نظرتْ إلي بعينيها الواسعتين

“ضاعت لعبتي، أريد لعبتي”

“ليس لدينا وقت”، قال وائل، وهو ينظر إلى الأم تارة وإلى الطفلة تارة أخرى

فقدت والدها، وحيدة هي الآن، ولا تريد أن تترك لعبتها وحيدة أيضاً، أمسكت بيدها وعدنا إلى المنزل خلفنا، باب أسود خلفه إلى اليمين قليلاً حديقة صغيرة وباب آخر بعده يدخلنا الى ممر طويل، دماء في منتصف الغرفة وفتحة في السقف يخترقها ضوء الشمس ليستقر على بقعة الدم، نظرت إلى الغرفة، بحثت قليلاً، وجدتها

“لا يهم سأغسلها” قالت، وهي تنفض غبار القذيفة عن لعبتها

حملتها وخرجت بها من المنزل ليلاقيني وائل بسيل من الشتائم، همست الطفلة في أذني “مات بابا ؟!”، لم أعرف الجواب، وعاد الصمت مرة أخرى إلينا.

عدنا مرة أخرى إلى ذلك الشارع، غريبة هي تلك التفاصيل في الحرب، غريبة هي المعادلات، شارع لا يتجاوز العشرة أمتار يشكل موتاً محتوماً لك، وقناص لا يرحم القطط، لا يرحم شيئاً، اشتد القصف، وطائرة تحوم فوقنا، “لا بد أن نسرع” صرخت لوائل، طويلة هي تلك اللحظات، لا أريد شيئاً، أريد أن أعود الى المنزل، أريد أن أقول لأمي شكراً أريد أن أقول لهم وداعا، مرت كل لحظات حياتي أمامي،  وأخيراً رأيت ذلك الشريط الذي يحدثني عنه كل من واجه الموت، لم أر وجهها به فقط سمعت صوتها وهي تقول لي:

“ألم تعدني بأننا سنلتقي”

رأيت أمي وسمعت جملتها المعهودة

“لا تتأخر في العودة”

رأيت ضحكاتي، رأيت أصدقائي، رأيت جدتي، رأيت صفد كما كانت تحدثني عنها، رأيت الخليل كما حدثني عنها والدي،  رأيت كل شيء سوى الموت فقد كان ينتظرنا في منتصف الطريق.

“أسرع”، قلت لوائل

“وائل!!” صرخت المرأة المتشحة سواداً وغباراً،  بكاء، لم أفهم ما حصل، أين وائل؟؟، نحن الآن في منتصف الطريق، أين وائل؟؟، لماذا لا نتحرك؟؟، رأسه على المقود لا يتحرك، خط أحمر على كتفه، عدت لأتذكر أن  القناص لا يرحم!!!

الفتاة لوحدها في الصندوق، ووالدها فارق الحياة، وربما نحن ايضاً، لا بطولة الآن بطلنا الوحيد هو أنت،  حملتها وهرعت الى الضفة الأخرى، جاءت أمها ترتعد، ووائل هناك وحيد في سيارته.

لم أر شيئاً، لم أر دخاناً، لم أر ملائكة يأخذون الأرواح، بل شممت رائحة الموت، رائحة الغبار عندما يختلط بالدم، شعرت حينها بالعطش ربما كان ذلك هو الخوف، وربما كان أثر الموت عندما يقترب منك ويأخذ من تهتم لأمرهم فيقتلك مرتين؛ مرة عندما يأخذهم، ومرة عندما يعود ليأخذك.

لم يكن موتاً عادياً، مات بصمت، إلا أن صمته كان مدوياً في نفس كل من عرفه، في  عداد “النازحين” أصبحت ليلى وأمها عندما وصلوا الى الضفة الاخرى من شارع موتنا، نظرت إليها، كانت تمسك لعبتها وتهدهد لها بأنها أصبحت آمنة الآن، من الآن سيصبح مركز الإيواء مكاناً لإقامتها، ستصبح ممن يحلمون بعودتين؛ واحدة لبيتها  وواحدة لأرض لم تعرفها، إنما ستعذب من أجلها.

في أقل من ساعة عاشت هذه الصغيرة الموت مرات ومرات، فلا يمكن لأحدنا أن يفهم الموت كما فهمته هذه الطفلة، اقتربت مني وأشارت لي بيدها لأقترب

“سأعود الى المنزل غداً وأجلب الطعام للعبتي”

كلنا عدنا

وكلنا رحلنا

إلا من بقي ينتظر حياة أخرى في سيارته لينقلها إلى الضفة الأخرى من الشارع …..

لذكرى ذلك النبيل

وائل

و لأرواح كل الذين ساعدوا بإخراج المدنيين من ركام الحرب والحصار ودفعوا حياتهم ثمن ذلك

هاني عوض

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 + ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى