ذاكرة مكان

وداعا يرموك

وداعا يرموك

لكل من ترك وطنه في (مخيم) وغادره مجددا الى المنفى

” شو بدي بالبلاد ” هكذا كانت تغني فيروز قبل أن يقفز درويش مجددا إلى رأسه ليقول ” القمح مر في حقول الآخرين ” . لم تسعفه فلسفته التي كثيرا ما وصفوه بها لتفسير ما حدث في ذلك اليوم … أو في تلك الساعات …

ليل ذلك اليوم كان غريبا , هدوء تخرقه قذيفة قريبة كانت أم بعيدة … لا فرق . لا فرق بين القذيفتين فالنتيجة واحدة .. أنت حي أو ميت ! وهنا أيضا لا فرق فالحياة في هذه البلاد موت والموت أيضا نجاة من هذه الحياة.

أصوات اشتباكات بعيدة أخذت تقترب فنزل الى الشارع , اقتربت تلك الأصوات أكثر , نظر الى اعلى فشاهد حبات حمر تتطاير في سماء شارعه كشياطين تلهو في شارع يضج بالملائكة. عاد الى غرفته التي تخلو من كل مقومات الراحة الا من كتب حرص عليها كأب يدلل طفله الوحيد , أخذ كتاب و لم يعر أي اهتمام لعنوانه فالعناوين كما كان يقول لا أهمية لها في عالم يحكمه الجنون وهي المتغيرة تبعا لواقع كاتبها أو قاطنها …

( القمح مر في حقول الآخرين ) قرأها و أغلق الكتاب بسرعة .

” أريد الرحيل !! ” قالها وهو ينظر الى شخص آخر يشبهه في الجهة المقابلة من الغرفة . دقق النظر الى ذلك – الشيء – فوجد نفسه , ربما كان ذلك الآخر منه الذي يود الرحيل ..

“ولماذا لا تريد الرحيل ؟ أتخاف الخسارة ؟ وما تبقى لك لتخسره ؟ صديقك دفنته بيديك البارحة , أمك ؟! لم ترها منذ شهر وأكثر , لا تخش شيئا , احزم حقيبتك واتركها , ارحل ! “

” وأي جنون هذا ؟!! ” صرخ قبل أن تعيده قذيفة قريبة الى الواقع , نظر الى المرآة .. فأحس بالجنون يقترب منه رويدا رويدا ” لعلها الوحدة ” قالها وهو ينفض رأسه ليخرج تلك الأفكار منه …

أخذ القصف يشتد والطلقات تنشد أزيزها في كل الأزقة … سلبته القذائف كل ذلك الهدوء الذي أعده لليلته الأخيرة ..

” الله معك يا هوانا ” تغنيها فيروز في القسم الخلفي من دماغه و لا تتوقف بل أخذ صوتها يعلو ويعلو , رافقته كل تلك العيون , استعاد كل البسمات , الضحكات , الدموع , الجنون , الصراخ ,الموت .

كل جدار اتكأ عليه , وكل جدار مر بقربه يوما من الأيام كان عبارة عن لوحة تسرد له ذكرياته … انتهى الآن  كل شيء … في كل زقاق في هذا المخيم كتبت ألحان العودة , أنشدوا هنا نشيد الحب الأول , و الشهيد الأول , والجريح الأول . من هنا مرت بيروت وهنا انتصرت غزة وهناك استكملت موتها على خاصرة البحر , هنا أمسك يدها أول مرة .

أراد لذلك الطريق أن يطول .. وكان الصمت في تلك الأزقة غريبا , وكأن ذلك الصمت يفرش له الأزقة بطقوس جنائزية تليق برحيله ..

طالما ظن وهو يمر بذلك الشارع بأنه قد عاد حقا اليها .. تلك الأزقة تتحول فجأة الى شوارع واسعة لمجرد ذكر اسمها  … شارع حيفا , تلك الشقية عروس البحر لا تختلف رائحة بحرها عن رائحة ذلك الشارع وفي كل مرة مر بها من هنا كان يقنع من معه بأن هذا الشارع ما هو الا توأم حيفا في اليرموك …

تلك الخطوات كانت أولى خطواته في درب الشتات الثاني …  في درب شتات تمنى أن لا يطول الا ان الواقع اعتاد على أن يخيب ظن الأمل . لم يشهد درب شتاتهم الأول لكنه ولأول مرة عرف ما كانت تحدثه به جدته , تلك اللحظة عندما تتحول الأرض امامك الى مسرح وتأخد دور البطولة مجبرا … لتحاكي مشهد خروجها من حيفا  .. وربما كانت مصادفة أم هي من تراتيب القدر انه في ذات الوقت  كان يخرج من شارع حيفا أيضا …

“سنكمل هذا الطريق , سنمشيه سويا ” قالها لصديقه الصامت الذي يمشي بقربه .

لم يقو على الكلام , لم يجرؤ على الأمل … كل الدروب كانت مختلفة , كل الهتافات , كل الأغاني , كل الكتابات على الجدران كانت جنائزية , وكأنها تبكي أول السائرين الى الشتات الجديد ..

اعتاد أن يطلق على وجوههم أوطان , ففي وجه كل لاجئ منهم وطن , في وجه كل عجوز حيفا , هرمة متجعدة وكل تلك التجاعيد في وجهها تقودك الى مكان واحد ,الى عينيها فالعين لا تشيخ ولا تكذب العين تهمس لك في كل مرة (سنعود) سنلتقي هناك على شاطئها سنلتقي على خاصرة ذلك الحلم …

لاحقته كل تلك الوجوه , لاحقه صوت صديقه المرتعش وهو يقول له

” لماذا لم تخبرني برحيلك قبل ذهابي ؟! ”  .

خرجت أزقة المخيم لتودعه , كل تلك الأزقة اتجهت الى تلك السيارة المتجهة الى “الجسر” .

رأى والدته واخوته لكنه لم يأبه لذلك , أراد فقط أن ينظر الى ذلك المكان , أراد أن يقول وداعا, اراد لتلك الدموع التي حجبت عنه الرؤية ان تنهمر , تمنى أن ينس جواز السفر , قذيفة في منتصف الشارع قد تنهي كل هذا , أراد أن يعود …

التفت الى هناك مرة أخيرة .. دموع و وجوه متعبه , عيون ترقب السماء , بنادق كثيرة , بارود كثير , دخان من خلفه , ومخيم يقف وسط هذا الموت كله يرفع راية الشتات الأخيرة ويتلو سفر الشتات الأخير , كفدائي يقف هناك بكامل جراحه , فلسطين , الجاعونة , حيفا , لوبية, القدس هكذا سميت أزقته , احتواهم كأب يعدُّ أولاده في كل ليلة قبل أن ينام , أبواب ذلك المكان كانت تفتح على الجليل في كل صباح وفي نفس الوقت كان ذلك المخيم موتهم الذي يسرقهم ليعود بهم إلى البلاد .

” الحمد لله على السلامة” قالها ضابط الحدود وهو يختم جواز السفر …

مشى الى السيارة كمحارب مهزوم ليكمل درويش جملته

“القمح مر في حقول الآخرين , والماء مالح ” .

هاني عياد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − 8 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى