قصة

المعتقل13

الضوء، ضربٌ  من ضروب الخيال، لا وجود له إلا في ما تبقى من الذاكرة التي انهارت دفعة واحدة عند أول صعقة كهربائية، الهواء  طبيعي المصدر, وحي معد لنبي ولا نبي بيننا  
الصوت مصحوبٌ بكلمات محددة منتقاة من القاموس بعناية، أغلبها كلمات تقطر دما أو صوت احتكاك الحديد بالحديد أو طقطقة العظام أو صرخات جنونية لا مجال لوصفها.

الرائحة  تشمئز من ذاتها  من فرط ما تخللت وتعفنت كبقايا التفاح في خابية نسيت الزوجة أن تخرجها من أسفل الدرج، و الطعام فكرة  تدور بين الميتين،  فكرة خالية من الدلالة – سوى دلالة الملح- منذ استقر طعمه تحت اللسان وفوقه من العرق و الدم والذي لن يكون دمك بالضرورة
ومن استطاع بقوة الأمل النجاة بأن يحافظ على ذاكرة المذاق الحلو فلن ينجو من الجنون لفرط ما سيلتبس عليه الأمر.
يُفتح باب “الزنزانة” اسم زنزانة هنا غير عادل،  لأن أماكن أخرى في مكان أخر تحمل ذات الاسم لكن النزلاء هناك يعرفون جهة الشمس، الأزيز الثقيل المرافق لفتح الباب ينز في الأذان و يدفع القلوب للذهاب أبعد من أقفاصنا الصدرية هرباً و خوفاً من هول  المعلوم  المجهول الآتي -المعلوم هو العذاب والمجهول هو نوعه هذه المرة-  في المعتقل ستعرف أن للعذاب أنواع وأنت الذي لم تعرف منه سابقا سوى عذاب الحب، ستتمنى ألف مرة أن تطردك امرأة لا من قلبها بل من الخريطة كلها على أن تمضي ساعة واحدة في هذا الجحيم.
لحظات، و ثمة جولة أخرى من الدم و التعذيب، بقي الباب مفتوحاً، لم يدخل أحد ليأخذ القرابين كالعادة، و عوضاً عن ذلك رموا إلينا بشيء ما، كتلة كبيرة الحجم نسبياً إلا أنها لا تملك أن تكون جسداً لرجل.

هَوَت الكتلة على أجسادنا، فالزنزانة أصغر من أن تتسع لشيء جديد، سُحق العديد من أشباح الرجال عند ارتطام الشيء بهم و سُحقتُ بشدة إذ كانت لي حصة الأسد من سقوط هذا “الشيء”, كانت له هيئة إنسان، صغير الحجم، صغير العمر أيضاً حاولت جاهداً تخمين عمره، لكن الدماء التي غطته، شوَّهت الوجه و الجسد و العمر قبلهما، أخذت رأسه بكفيّ و وضعته في حجري، حاولت جاهدا إيقاف نزف الدم من جروحه المنتشرة على كل مكان من جسده، من رأسه المشقوق من الأذن حتى الأذن، من ثقب يده التي اخترقتها رصاصة.
” دمه الطازج الذي أمتزج بدمي دفعني إلى التفكير بأن الدماء الجافة نعمة إذا ما قسنا سلم النعم من الصفر إلى ما دونه  فهناك علاقة طردية بين عمر الدم وعمر الألم”

و بكيت… بكيتُ كما لم أبكِ حين عذبوني، غسلت دموعي دماء وجهه
أفكر:”لم يختلط ملح جسدي بملح آخر إلا على سرير الحب…… والموت”

بعدها بدأ هذا الكائن يتحرك بين يدي و فتح عينيه المثقلتين بالدماء، نظر إلي و استجمع صوته الواهن حين رأني أبكي بحرقة و قال برباطة جأش: لماذا تبكي؟
صعقني السؤال في بادئ الأمر كما صعقتني  بحّة التحدي في صوته

_انظر إلى نفسك! ثمَّ أشرتُ إلى الثقب في يده الناتج عن رصاصة،

نظر إلي، ثم قال:

تمنيت لو أن الرصاصة  تستقر هنا، و رفع أصبعه و وضعه على صدغه.

سألته عن عمره، أجابني أنه عمره ثلاثة عشر عاماً، و حاول النهوض جاهداً،

مشى بخطىً ثقيلة متوجهاً نحو الباب و طلب من الحرس الدخول إلى الحمام.

“بدك تروح ع الحمام ولاه أخو الشرموطة”

”  وانهالوا عليه بسيل لانهاية  له من الشتائم”

ومن ثم سمحوا له بالذهاب و جرّوه خارجاً. ثم أعادوه ورموه علينا مجددا وحين سمحت له الفرصة أن يتوازن، وقف في منتصف الزنزانة و سأل عن وجهة القِبلة، طلبنا منه الجلوس و الصلاة بعينيه بأيّ اتجاه يريده لأنهم سيقتلونه إذا صلّى جهاراً، أصرَّ على طلبه، فأجبناه حسب توقعنا عن وجهة القِبلة.
_ في المعتقل لا يعرف المعتقلون سوى جهة سماء رمزية الدلالة، فعشرات الأمتار تحت الأرض تعني أن سمائهم أرض الأحرار مجازا وسمائنا  واقعية لكلانا بعلم الجغرافيا _

وقف و كبّر..

“الله أكبر، الله أكب…..”

دخل الجنود و انهالوا عليه بالضرب  والسباب حتى أغمي عليه. كنا واقفين ننظر إليه و نبكي
نبكي له وعليه وعلينا من ضعفنا وعجزنا نبكي من جسارته و صلابته نبكي من وحشية الجلاد وصلافته نبكي من أننا مازلنا أحياء
_ اشد أنواع العذاب أن تتمنى الموت ولا تستطيع الوصول إليه _

بعد أن خرجوا اقتربنا منه حاولنا أن نمسح الدماء عن وجهه والعار عن وجهنا. و عندما استفاق، حاولنا مساعدته  ليقف إلا أنه دفعنا بيدين متهالكتين.
ووقف مرة أخرى…  بثقة أكبر وصوت أعلى

“الله أكبر، الله”  
دخل الجنود، ضربوه . صعقوه بعصا كهربائية
قال لهم: لن أتوقف عن الصلاة حتى تقتلوني، قالها بطريقة لا تحتمل التأويل
وبصلابة المسيح المكلل بالشوك والمثقل بالصليب والسائر نحو الموت
بإيمان يحيى وهو يشعر بجسده ينشق إلى نصفين تحت المنشار
قالها وتردد صوته في الأرجاء ليذكرنا بصوتنا الذي نسيناه ونسينا الكلمات في القاموس المخصص لموتنا
قالها والشرر يتطاير من عينيه ليعيد بهجة الضوء الى عيوننا التي ضمرت حتى كادت تختفي
قالها مصحوبة بالهواء  وكأنه نبي انبثق من العدم بيننا
قالها وأعاد طعم التين الشوكي إلى أفواهنا.
قالها مغلفة برائحة الحرية .
_ بكلمة واحدة أعاد لنا خمس حواس ونبي_

و منذ ذلك الوقت، مازال واقفاً في المنتصف، وجهه نحو القِبلة_ المفترضة_ و يصلي برأس مرفوع. وبخيلاء واضحة

ظل هذا  المشهد يتكرر لأيام متوالية , إلى أن جاء يوم الجمعة
يوم الجمعة الأول بعد انضمام ذاك الطفل  إلى  زنزانتنا.  و لأنه جديد كان ما يزال يذكر الأيام، ويعرف انه اليوم السادس من الاعتقال وهو يوم الجمعة, أما نحن القدامى فقد نسينا  في أي عام نحن لا في أي يوم
وقف وطلب منا جميعا أن نقف ونصلي معه واقفين
كان هذا الطلب مستحيل التنفيذ فلا المكان يسمح بذلك ولا قلوبنا التي أنهكها الخوف من الجلاد ولا أرجلنا التي ذابت كأكوام من الملح جاهزة للقيام بهذه المغامرة، لكن الطفل أصر على ذلك، وكلما ازداد إلحاحه ازداد خجلنا.
استفاق السجان على صوته وهو ينادي فينا أن نقف إلى الصلاة، كانت هذه الدعوة تعني الدعوة إلى التمرد  إلى الثورة، هناك مصدر أمل
_ الأمل الذي اخترعته الضحية  لتجد مبررا  لاستكمال معركة الحياة الخسارة أصلا_
أخرج السجان مسدسه الحربي، أطلق الرصاصة  تماما في  المكان الذي أشار إليه السجين بأصبعه في اليوم الأول ثم خرج .
وأكمل السجان  رحلته إلى منزله  وعلى باب منزله وجد ابنه الصغير  يبكي كان ابنه أيضا في مقتبل العمر  سأله عن سبب بكائه أجابه .أن هناك شخص ضربه  وسرق منه كرته_ حلمه_
صرخ بأعلى صوته
“ولاه جبان كلب  لا تبكي كون بطل  روح أضرب إلي بضربك لا تسكت لحدا كون قد حالك ولا تخلي حدى يشلحك شي الك ”
أستغرب الابن من خطاب الأب الجديد .
أكمل الأب _السجان_رحلته إلى بيته
أكمل الطفل_ ابن السجان_  بكاءه الممجوج بالحيرة والدهشة
أكمل  الطفل_ الحر_ رحلة صلاته .
أكمل  أنا تعلم الدرس .

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى