ذاكرة شخصيه بورتريه

أم حسن

كانت تعرف خريطة البلاد أكثر من كل شيء
وتعرف خريطة الشتات أكثر، حيفا فصيدا، فاللاذقية ، فحلب ، فدمشق
عرفت المخيمات قبل أن تعرف ما الذي حصل هناك في مسقط رأسها (في صفد)
كانت تحدثنا عن بحر حيفا، وبحر صيدا، وبحر اللاذقية، وكأنهم من أزمان مختلفة فهي لا تنظر للبحر بقانون السوائل، بل بقانون الشتات …
وكانت تعرف أنّ بحر صيدا يختلف عن بحر حيفا مع أنه أبيض واحد ، إلا أنّه في قانون الشتات لا يبقى متوسط أبداً …
كانت تحب حلب ، وتربطها دوماً “بالنيرب” ذاك المخيم الذي شهد ولادة أمي …

كنت أخرج إليها في صبيحة كل عيد ،وأركض إلى بيتها مع الساعة السابعة وكنت أظن أنني أول من استيقظ في الحارة، أذهب إليها ظاناً بأني سأوقظها، لأراها تنتظرني على الشباك، تغطي رأسها “بالبرداية”، وبمجرد أن تراني في الشارع تذهب لتفتح الباب، أصعد الدرج لأجدها

كانت عجوزٌ في السبعين من عمرها، بشعرها الأبيض، و أنف طالما شبهته بساحل فلسطين، بفستان أصفر تتبعثر الورود عليه في مشهد غريب، لتبدو جدتي وكأنّها قد أخذت كلّ ورود صفد ووضعتها في فستانها، وبعد أن تدخلني عنوة الى المطبخ، وتضع لي فطور، ثلاثة “دحاريج” لبنة ،وصحن “تطلي” مشمش، وما إن انتهي من ذاك المزيج الغريب بين الحلو والمالح، تعطيني حبة “شكلاطة” عليها صورة لرأس رجل وكأن تلك الحبة قد هربت هي الاخرى من العصور الوسطى، تعطيني بعد ذلك كله 500 ليرة، وأنا وبكل جحود وبعد أن أخذ “العيدية” أخرج راكضاً إلى المراجيح.
كنت أخرج راكضاً ولم أنتبه أن جدتي، استيقظت قبلي، وانتظرتني على “الشباك”، كما لم أنتبه عندما خرجت من دمشق للمرة الأخيرة، أن جدتي مازالت في (دوما) في قبرٍ يبتعد عن الأرض مترين أو أكثر، مازالت هناك تنتظر عودتها الى صفد.
كانت لا تحفظ من القرآن إلا آية الكرسي والمعوذات والفاتحة لكنّها عرفت الطريق ألى الإيمان بأكثر من آية الكرسي تلك التي كررتها في كلّ صلاة وكان الحب طريقها، فلم أعلم كيف كان الحمام يعرف الطريق إلى شرفتها كما تعرف هي الطريق إلى سجادة الصلاة.
وكان الحمام ذاته يهرب منا إذا اقتربنا من تلك الشرفة، لكنّه يبقى ويقترب عندما تأتي هي لتضع لهم “صحن مي وصحن خبز متشتش بالمي ” كما كانت تقول.
ومن حسن حظ جدتي أنها رحلت قبل أن ترى الحمام يهرب من كلّ الشرفات عند القصف .
ومن حسن حظها أيضا أنّها لم تشهد كيف استبدلوا حمام الشام بطائرات الميغ في سماء عرفَتها غيمة غيمة .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

14 − تسعة =

زر الذهاب إلى الأعلى