أطفال اللعنة في بؤس اليرموك

شارك القصة

سجلتُ اسمي في قائمة المرضى المنتظرين لأتمكن من مقابلة الطبيب “معاوية محمد”، وكنت أراهن على سعة صدره بأن تغفر لي حيلتي: 

ــ لماذا بقيتَ في المخيم ولم تغادر مع من غادروا؟ 

ــ لأنني ببساطة كنت نائما ساعة النزوح الكبير. 

ــ أسألك جاداً! 

ــ وأنا أجيبك نصف جاد نصف مازح. من طبعي أنني أكره النوم حين أكون يقظا، وأكره الاستيقاظ حين أكون نائما خاصة ونومي مفعم بالأحلام الجنسية والكوابيس التي تثري مخيلتي. 

ــ كيف اختفى الجميع فجأة، الأطباء مثلا؟ 

ــ في الأرجح، لم يبتلعهم مثلث برمودا أو ثقب أسود. نزحوا أو هربوا، اختر الفعل الذي تفضل، إذ لا “مُشاحّة في الاصطلاح” مثلما لا ضير في التهكم ما داما لا يقلبان الحق باطلا والباطل حقا. في اليوم السابق للسابع عشر من كانون الأول 2012 استهدف طيران النظام مسجد عبد القادر الحسيني ومدرسة الفالوجة ومحيطهما بالقصف، فأوقع مئة وخمسين شخصا بين قتيل وجريح، من بينهم نازحون من المناطق المجاورة احتضنهم المخيم وأهله. كانت هذه المجزرة ضرورية جدا لبث الرعب في نفوس الناس، فهي أعطت مؤشرا حسياً ملموساً عن نية النظام اقتحام المخيم. كذا كانت الشائعات التي تم نشرها بعناية بين سكان المخيم في فترة سابقة للقصف، وكان لا بد أن تحوز مصداقيةً ودفعا للأمام. فتحول مخيم اليرموك، بين عشية وضحاها، من أكبر تجمع في الشتات يضم مئات الآلاف من فلسطينيين وسوريين، إلى حدث سيتصدر المشهد الإخباري طويلا يضم ثلاثة آلاف عائلة، ستستهلكهم فصول المأساة القادمة بالتدريج. 

ــ حدثني عن الطفلين اللذين خرجا من عندك للتو. 

ــ هما أخوان. “يوسف”، أكبرهما، وهو يعاني من مرض اسمه “الذَأَب الحُمامي الجهازي” مع اعتلال كليةٍ ذأبيٍّ أدى إلى بداية قصور كلوي. أما “حسن” فلديه حمى البحر الأبيض المتوسط نتيجة طفرة نادرة، وهما يعالجان بأدوية مثبطة للمناعة. ويعاني أهلهما كثيرا من صعوبة تَدبُّر هذه الأدوية، وغلاء ثمنها، وشدة تأثيراتها الجانبية على حسن ويوسف. بالمناسبة، ليس ضروريا أن تعرف إمراضية الذأب مثلا أو أن تكون سمعت به من قبل، يكفي أن تشاهد يوسف.  

ــ وكيف هي الآن؟ 
ــ وفق موروثنا: طير من طيور الجنة. 

ــ فعلا، “يوسف” شاحب جدا، تعبان، وجهه أوحى لي بأنه لم يبتسم من مدة طويلة، شعرت بأنه عجوز، كما يبدو منزعجا بعض الشيء.  

ــ لديه فقر دم شديد يسبب شحوبه. مرضه ليس سهلا أبدا، أما انزعاجه الحالي فلأني أخلفت وعدي له. وعدته أمس بأني سأسمح له قريبا بتناول اللحم، لكن إعادة تحليل الدم أظهرت استمرار ارتفاع أرقام الكرياتِنين وهذا يدل على تدهور وظيفة كليتيه، لذا كان لا بد من تمديد حميته. 

ــ لاحظت في غرفتَي الانتظار عددا كبيرا من الرضع والأطفال. 

ــ يشكلون قرابة نصف المرضى الذين أعاينهم يوميا، لذا فعيادتي أكثر مكان في اليرموك يجمع صخب الحياة وضجيجها إلى فُتوّتها. الأمراض الإنتانية شائعة عند الأطفال، وبعضها حالات مُعاودة وشديدة ومقاومة للمضادات الحيوية الفموية المتوفرة هنا. “وليد” مثلا يحتاج كل شهر وسطياً إلى شوط علاجيٍّ من حقن اللِنكومايسين. هناك أطفال أراهم بشكل متواتر، كأنهم يداومون معي في العيادة.  
“زينب” مثلا تعاني من ترفع حروري مجهول السبب. التشخيص النهائي يتطلب الكثير من التحاليل المخبرية والاستقصاءات الشعاعية، وأظن أنه ما من داعٍ لإخبارك ما يوجد منها هنا!  
“جهاد” مصاب بفقر الدم المنجلي.  
“رامة” مصابة بمتلازمة ويليامز، لذلك تراها تشبه جنية صغيرة قفزتْ من إحدى حكايات الأطفال .  
“محمد” لديه استسقاء شديد في الدماغ، والمجازة الدماغية البريتوانية الموضوعة له (وصلة تنقل السائل الذي يتراكم في دماغه إلى جوف بطنه) تتعرض للانسداد أو التلف كل فترة.  
“خليل” مصاب بضعف شديد في حركة الأمعاء يسبب له إمساكا تاما وتطبلا في البطن، ويحضره أهله كل بضعة أيام لأستخرج البراز المتحجر.  
“غنى” وُلدتْ بتشوه قلبي (يدعى رُباعي فالوت) وقد توفيت منذ فترة عن عمر ناهز الأشهر العشرة، وكان سبب وفاتها فلسفيا:  إذ خرجتْ من ظلمات الرحم الثلاث إلى ظلمات اليرموك اللانهائية، وبعد أن أدركتْ كُنْه الوجوه وحكمته، وسبرَتْ أغواره، آثرَتِ الرحيل. والمخيم لا يزال يشهد ولادات جديدة كل يوم. 
أما “ريم”، الظبية التي لم يشتدَّ قرناها بعد بما يكفي كي تستغنيَ عن أمها وتصبحَ شادِناً، فقصتها مأساة. 

ــ خبرني قليلا عنها. 

ــ مصابة باللوكيميا اللمفاوية الحادة، نوع من أنواع سرطان الدم. عمرها تسع سنوات، لكن جسمها ضئيل كتفاحة سقطت قبل اكتمال إيناعها. كريات دمها البيضاء، المسؤولة عن المناعة، كثيرة العدد، كثيرة جدا. لكنها غثاء كزبد السيل. أيذكّرك هذا التشبيه بشيء؟ لذا فهي منهكة دوما، تشكو من إنتانات متكررة، وحمى شبه دائمة، وألم تتصدع له الجبال كثيرا ما أَجبرَ أهلَها على إحضارها إلى منزلي بعد منتصف الليل. في مرّةٍ سألتها: شو ريم؟ شو صاير معك؟ فأجهشتْ بالبكاء كما لا يمكن لطفل أن يبكي. 

ــ وكيف هي الآن؟ 

ــ وفق موروثنا: طير من طيور الجنة. 

ــ ألاحظ أنك تكثر من ذكر أسماء المرضى.  

ــ لأنه أساسا يفترض بالطبيب أن يعالج المريض وليس المرض. لكن ما أريد التركيز عليه هو أن المحاصَرين في مخيم اليرموك ليسوا عينة إحصائية، قتلى التجويع ليسوا أرقاما، المرضى ليسوا حالات مرضية، أمراضهم ليست فصلا في مُقرَّر الوبائيات في كلية الطب، العائلات المتبقية ليست بطاقات للسلل الغذائية ومساعدات الأونروا التي لا نراها على أي حال. هنا بشر لهم أسماء وحياة وحقوق، هنا بشر كان لهم مهن ودراسة وأحلام. 

ــ تشرب الكثير من القهوة. 

ــ تساعدني على التركيز.  

ــ ماذا عن المستقبل، مستقبلك؟ 

ــ سأجيبك مقتبسا الطبيب برنار ريو: “ما عندي أدنى فكرة عما ينتظرني، أو ما سيحدث عندما ينتهي كل هذا. الذي أعرفه حاليا أن هناك مرضى، وأنهم بحاجة للعلاج”. 

تركتُه معتذرا إليه من إضاعتي لوقته، لكنه كان ممتناً لي إذ أتاح له هذا الحوار تدخين سيجارة وبعض سيجارة. 

.



حاشية: 

جرى هذا الحوار بيني وبيني. وليس له تاريخ محدد بعينه، فقد كان يحدث بشكل شبه يومي، مثله مثل يوم القيامة وفق ألبير كامي. فإن سألوك عن الساعة: أيّان مُرساها؟ أَجِبهم نيابة عني: كانت تقع كل يوم في مخيم اليرموك. 



اللوحة للرسام Charles Robinson وهي مستوحاة من قصة  Frances Hodgson Burnett الأشهر: “الحديقة السرية” المكان الذي يبرأ فيه الأطفال من عللهم الجسدية ورضوضهم النفسية.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

العشاء الأخير مع أم محمود

حين كنت أسمع صوتها، أو ضجيج دراجتها ثلاثية العجلات، كانت جملتي العصبية تستنفر: لا بد أن مسناً لم يتبرز منذ عشرين يوماً، أو مسنّة انتفخ بطنها وتوذّمت ساقاها من احتباس السوائل، أو ثالثاً وثالثة ظهرت عندهما مضاعفات الداء السكري… وقد انتقت “أم محمود” عينة مرضاها ببراعة جامعٍ للطوابع النادرة: فصغيرهم تجاوز السبعين من عمره، ومحظوظهم […]

اعرض المزيد

ريسبيريدين

دخلت أمل، ذات الثلاثة والعشرين ربيعاً، عيادتي في المجمع الطبي الخيري، بعد أمها. ولم أكن أحسبها تشكو شيئا. الأم هي من بدت منهكة مريضة، لم تنم لأيام، وهي من باشرت حديثاً أو شكوى شعرتُ أنهما لن يفضيا إلى شيء. وكنت كعادتي، كما أمارسها مع سائر المرضى، سأمنحها دقيقتين من “التداعي الحر” قبل أن أبدأ تدخلي […]

اعرض المزيد

جناح السرطان

تفشى الطاعون في وهران، فأُغلِقت المدينة على سكانها وطبيبهم برنار ريو والجرذان. ولو أنك سألت ألبير كامي عن تعريفه للطاعون لأجابك: ” إنه الحياة، هذا كل ما في الأمر”. والحياة، عند فيلسوف له فكر كامي: وباء، سجن، حَجْر صحي. وما نحن الأحياء -إن جاز الوصف- إلا مرضى، سجناء محكوم عليهم بانتظار الموت. “إذا ما تأملتَ […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

  • الأكثر قراءة

  • الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories