ذاكرة مكان

السعلوية

“الفرات يا صغيري مليء بـ (السعلويات) -تيك الجنيات القاطنات في قاع الفرات- اللواتي ينتظرن شاباً فراتياً مثلك ليأخذنه كقربان، لا تقترب من النهر ليلاً مهما حصل فالصوت يجذبهن إليك”.

كان صوت جدتي وهي تردد تلك العبارة يطن برأسي كناقوس “كنيسة الأرمن” أو كآذان “جامع الراوي”.

مرًّ عليّ سنوات مذ سمعتها لآخر مرة، ولكنها المرة الوحيدة التي أؤمن بكلامها، بل وكنت متأكداً أن السعلويات قادمات لأخذي.

كان اليوم كأي يوم يمر على النصف المحرر من ديرالزور، قصف وبعض الاشتباكات هنا وهناك، فوضع المدينة منذ أشهر على حاله، وكأن الجميع قبل بالأمر الواقع، حتى أصبحت صور الجزء الآخر من المدينة تمحى من ذاكرتي وذاكرة من أعرفهم، إلى أن قال لي صديقي بأنه ينوي الذهاب لمدينة “المياذين” بعمل ضروري، وبأني يجب أن أذهب معه، ليبدأ اليوم بالتغير، فمجرد التفكير بالخروج من المدينة يعني أننا سنعبر من فوق المعبر المائي الوحيد المتبقي في المدينة -جسر السياسية-، والذي يغطيه النظام نارياً من خلال قناص وضع على أنقاض الجسر المعلق، وكالعادة يجب أن ننتظر الليل حتى يخيم لنستطيع العبور، فلا أحد يعبر الجسر نهاراً، فعيون النهار تعني عيوناً للقناص، ما سيؤدي لعيون قد توارى الثرى إن عبرت ذاك الجسر.

شارف الليل على القدوم، وبدأت التجهيزات لليلةٍ في أفضل الأحوال ستحمل ترقباً لابد منه، وبعض الخوف الممزوج بالضحك المكبوت أحياناً، لبست ثيابي وأنا متردد، فهذه المرة من المرات القليلة التي يحدثني قلبي فيها بألا أذهب، ولكني حسمت أمري، وحملت حقيبة ظهري، وتركت البيت متوجهاً لبيت صديقي والذي فيه موعد اللقاء، لأجد بانتظاري سيارة من نوع براد الخضار واقفةٌ على باب بيته، ليعود القلق لقلبي مرةً أخرى، فمنظر السيارة يشبه براد الموتى، تجمدت أطرافي للحظة، وقررت العودة للبيت، وحين استدرت لأعود جاءني صوت صديقي “فائز”:

-أين أنت ذاهب؟

-للبيت.

-لم؟؟

-لن أذهب ببراد الموتى ذاك يا رجل، أنظر إلى عزرائيل فهو داخل السيارة بانتظاري.

-بل ستذهب شئت أم أبيت.

-فائز اعتقني من هذه السفرة يا رجل، فالمكتوب واضح من عنوانه، أجّل العمل ليوم آخر وسأذهب برأسي لأُنجزه.

-بل سنذهب الآن فمصالح الناس ليست تابعة لأهوائنا، ثم إني سأدعوك في المياذين لوجبة من الكباب الديري المعتبر.

قلت بلا تردد: على بركة الله إذاً واصطنعت ضحكة لا تخفى فيها ريبتي.

كانت السيارة مليئة بعفش منزلي، ثلاجة وفرن وبعض الأغطية والوسائد، والتي اعتدنا على تواجدها في أي وسيلة نقل تأخذنا خارج المدينة، وكان في داخل السيارة رجل ستيني ومعه آخر في أواسط الأربعينيات، وفي المقدمة امرأتان إحداهن طاعنة في السن، وبجانبهم سائق الحافلة الذي يدعونا للركوب بسرعة، خوفاً من قذيفة “طائشة” قد تغير مصيرنا للأبد. ركبنا بسرعة وأغلقنا الباب وانطلقت السيارة بنا ونحن نحدق ببعضنا البعض لبضع دقائق.

بدأت اختنق، فحاولت تبديد الصمت القاتل بتعريفي عن نفسي، ليبادر الجميع بكسر صمتهم، وقال الستيني أنا أبو محمد، وأنا ذاهب مع زوجتي وأمي بعد زيارة دامت ليومين لولدنا الوحيد المتواجد هنا في المدينة، وأردف لم أستطع البقاء أكثر، فالقصف مخيف، وأمي مريضة، ليقاطعه الرجل الآخر، كلنا في الهواء سواء، فأنا “جميل” وكنت آتٍ لأخذ بعض الأغراض من بيتي لأستر نفسي، بعد أن أصبحت الأسعار لا تطاق ولا قدرة لي على شرائها من جديد، الشتاء قادم وأطفالي سينهشهم البرد، لينفخ نفخة غاضبة ويردد مرات لا حصر لها “حسبي الله على من أوصلنا لهنا، كنا مستورين ببيوتنا وماشي حالنا” فهمت بأنه يقصد الجميع بدعائه، ولكني صمت لمعرفتي بكم الألم الذي يحمله في داخله، ليعود الصمت المخيف يخيم على المكان.

توقفت السيارة ففتحت الباب مسرعاً لأشم الهواء النقي فالجو داخل السيارة خانق، وكنا على مدخل “جسر السياسية”، مرت نسمة هواء بارد فاقشعر جسدي، نزلت من السيارة وكان الظلام قد خيم علينا، فتحت ضوء جوالي لأرى طريقي وبدأت التجول في المكان مستكشفاً، فرأيت سائق السيارة وهو يثبت قطعةً من الحديد مكان الشباك، لعلها تحميه من طلقات ذاك القناص المجرم، والتي تمشط الجسر كل عدة دقائق، مع علمه يقيناً أن هذه العين الحديدية الصغيرة لن ترد مخرز الطلقات، ولكن ببساطة كان هذا السائق البسيط يمثل الثورة بأكملها، فكلنا عيون تقاوم مخرز الجلاد وبكل الوسائل.

تذكرت حديث بعض الناس عن ذاك القناص، والذي تناقلوه على لسان من انشق من صفوف النظام، فقد وصفوه بـ”بومة الليل”، فقد كان قد حَصّنَ مكاناً له قرب الجسر المعلق، وجهز حصنه الصغير بإبريق كبير من الماء الساخن، وعلباً لا تحصى من المتة، وجواله الذي يحتوي أغانٍ سريعة الإيقاع، ليبقى صاحياً طول الليل، محاولاً قنص الإرهابيين كما وصفهم، ووضع منظاره الليلي ليرصد أي حركة على الجسر، فيحاول صيدها وهو يقهقه، وكأن من يرديهم لا قيمة لهم أو لأرواحهم.

قاطع صمتي ذاك الصوت الجميل الذي قال: أراك هنا. كان هذا صوت أخي الأصغر، والذي لديه مناوبة حرس على الجسر مع رفاقه، ضحكت وكأني وجدت ضالتي ضمن هذا الصمت البارد، لتكبر ضحكتي بعدما رأيت أخي الثاني وقد انضم له، ها هما جناحيَّ التي سأطير بهما من فوق جسر الموت هذا وصولاً للضفة الأخرى، فأخوتي وعلى صغر سنهم إلا أنهم مداد قوتي في مثل هذه اللحظات التي يتمكن فيها المجهول من هزمي، فبعد لحظات سنعبر من بين فكي الموت.

ركبت الحافلة من جديد منتظراً دورنا بالعبور، فالجيش الحر المسيطر على الجسر هو من يدير عملية العبور بين الضفتين، إذ يسمح في كل مرة بعبور حافلة واحدة إما ذهاباً أو إياباً، فعملية العبور على الجسر يجب أن تتم بظلام تام ودون أي ضوء يذكر، لئلا ينتبه “بومة الليل” للضوء ويمطرنا بوابل حقده. بدأت أسمع دقات قلوب الجميع وكأنها طبول حربٍ تنذر بدنو المعركة، وحانت ساعة الصفر، إذ انطلقت الحافلة على الجسر، وبدأت سرعتها بالازدياد بسرعة جنونية. بدأت أردد بصوتٍ خافتٍ “اللهم اجعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون” وأغمضت عيني بحركة طفولية بحتة، كنت أستخدمها وأنا صغير عندما أفعل شيئاً خاطئاً، لاعتقاد بداخلي أني إن أغمضت عيني ولم أرَّ أحداً فلن يراني الجميع، وسأختفي من أمامهم بفعلتي، وكنت أسمع الجميع يتمتم مثلي، فلست الوحيد الذي أيقظ الطفل المرعوب في داخله.

لم أعرف كم مرَّ من الوقت ولكنه كان دهراً مليء بالترقب، فتحت عيني معتقداً بأني وصلت الضفة الثانية بسلام، وفي هذه اللحظة بالضبط سمعت صوت ارتطامٍ زلزلني وزلزل السيارة بأكملها، لتلتف الدنيا بي ويبدأ جسدي بالتخبط بجوانب السيارة، وبعد برهة بدأت السيارة بالسكون، ليبدأ وابل بالرصاص بالانهمار علينا، صرخت خائفاً فتذكرت جدتي وهي تقول: “لا تصرخ فالصوت يجذبهن إليك”، حاولت كتم صرختي ولكنها أتت متأخرة، فكل رصاصة تحولت إلى سعلوية وبدأن بالتسابق للظفر بي، كانوا كثيرات. صهباوات بلون الدم.

كانت السيارة التي نحن فيها قد أخذت إذناً بعبور الجسر، ولكن ولحظنا السيء تم تنسيق خاطئ بين طرفي الجسر، بحيث انطلقت سيارتين بآن واحد من كلا الطرفين، ولأن السيارات تمشي مطفأة الأضواء حتى لا تلفت نظر القناص لعبورها كان من المستحيل على سائقي كلا الحافلتين رؤية بعضهم ما أدى بنا للاصطدام مع سيارة كانت محملة بالطحين متجهة للأحياء المحررة، ودوي الاصطدام نبه القناص لنا، فأمطر الجسر بوابل من الرصاص على مدى خمس دقائق، انزل فيها الجحيم علينا ومعها غضبه وحقده ولحن أغانيه سريعة الإيقاع التي يسمعها.

كان أزيز الرصاص وهو يخترق جسد السيارة لا يرحم، صرخت خائفاً ثم صمت، لم أكن أنا من يصرخ، كان ذاك الطفل الذي بداخلي، ذاك الطفل الخائف من السعلوية والمتشبث بالحياة فقط لأنه لا يريد أن يكون وجبة عشاءٍ للفرات، ولكن بداخله هو واثقٌ من كونه السبب فيما حصل، لو لم أفتح عينيّ قبل الوصول للطرف الآخر لكان الآن كل شيء بخير، دائماً كانت تنجح خطة اغماض العيون في الهرب، مددت يدي للسعلويات لأخذي فجسدي باردٌ جداً ولا يقوى على الحراك، فالطفل قد انتصر في النهاية عليَّ، وليس أنا وحدي من انتصر طفله عليه حتى أصوات من معي كانت تشبه أصوات الأطفال، سنكون وجبة عشاء الموت اليوم أيها الأصدقاء. موتاً سعيداً.

أيقظني من وهمي صوت مألوف لي وهو يصرخ باسمي بأعلى صوته، انتفضت، عدت للواقع، تحسست جسدي لأراه هل لا يزال عليّ، وأما الصوت الذي ينادي باسمي كان صوت أخي الصغير، وكان يقترب رويداً رويداً، انتفضت بكل قوتي وبدأت أصرخ “أنا بخير  ابتعد عن القناص”، رأيت فتحةً بجسد السيارة المهشمة فتوجهت إليه، حاولت الوقوف فلم أستطع، زحفت حتى خرجت من السيارة، وقفت مرة أخرى لكن قدمي اليمنى خانتني، كانت مصابة، رجعت أزحف باتجاه صوت أخي الصغير وأنا أصرخ: “عدّ أيها الأبله، لا تأتي فأنا بخير”، وما زاد الطين بلّة أن صوت أخي الثاني انضم لصوت الأول في البحث عني، ولكن ما يفصلهم عني هو سيل من الرصاصات قد تصيب أي منهم.

بدأت ألوح بيدي في الهواء عَلّي أبعد الرصاص عن أخوتي، وأصرخ بعالي صوتي لأجذبها إلي، فأخوتي شباب لم يروا من الحياة شيء، ولكن إصابة ساقي لم تساعدني، وصل أصغر أخوتي إلي فضممته بقوة، وأدرت ظهري لمصدر الرصاص، لنفاجئ بأخي الأوسط وقد فتح النار من سلاحه باتجاه القناص على أمل أن يلفت نظره باتجاهه ونستطيع الهرب.

كاد قلبي أن ينفجر من الخوف والألم، رأيت بعيني طلقات القناص تسبح باتجاه أخي، ولكن العجز شلَّ أطرافي، دفن الصغير رأسه بصدري وعجز عن النظر، وصرخت بأعلى صوتي “يا الله”، لتحدث المعجزة، حيث فتح النار على القناص من عدة جهات بآنٍ معاً، ومن أسلحة متوسطة، لتسكته في الوقت الراهن، والذي هو وقت ثمين جداً، قمت بسرعة واستندت إلى أخي وبدأنا نركض باتجاه طرف الجسر، وفي منتصف الطريق لاقينا الأوسط لاستند على الاثنين وحملاني، نعم هؤلاء جناحي التي أطير بهما حقاً، حتى لو خانني جسدي لا يخونوني أبداً.

تم نقلي للمشفى الميداني في المدينة لأعلم بعدها أن فائز وأبا محمد لم يصابا بسوء وكذلك الجدة وأم محمد ولكن السائق بقي في حالة حرجة لعدة أيام قبل نقله باتجاه تركيا وفارق كل من سائق شاحنة الطحين وجميل الحياة.

مرت تلك الليلة عليّ كألف ليلةٍ وليلة، ولا زلت أذكرها بتفاصيلها، وجوه من كانوا معي، تفاصيل السيارة والأغراض التي فيها، وحتى وجوه السعلويات الجميلات، ومن حينها وأنا أعلم يقيناً أن كل رصاصة يطلقها ذاك القناص هي مشروع سعلوية جديدة قد تأخذ أي شب كجميل أو سائق السيارة لمثواهم الأخير، وقد تترك غيرهم كما تركوني لأحيا يوماً آخر من الصمود وكسر المخرز بعين من حرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × أربعة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى