خاطرة

لحم خنزير.. وسمك حلال: حماقات الشعوب ومصطلح الحريات الشخصية!

هل كان الشيطان حراً في قراره حين عصى الله.. أم أن الله أوحى له بذلك ؟

كان هذا أول سؤال لفت انتباهي إلى مفهوم الحرية، ثم وقع بين يدي عام ٢٠٠٤ مؤلف لزكريا ابراهيم بعنوان ( مشكلة الحرية)، لأتناول بعدها العديد من المراجع في محاولة لفهم هذه الإشكالية القديمة و المعقدة منذ بدء العقل البشري بطرح المفاهيم والأسئلة.

مرَّ الوقت و أنا أتعامل مع هذا المفهوم بصيغته النظرية و الفلسفية و بعض محاولات التمرد في الحياة الاجتماعية و طرق التفكير، إلى أن خرجت المظاهرات في سوريا ورفعت شعار الحرية عالياً، و نادت به كمطلب لا غنى ولا تراجع عنه؛ أذكر وقتها كيف اجتاح القلق والخوف رأسي، وقلت في نفسي متى عرف كل هؤلاء ماذا يطلبون و بما يهتفون !؟

إذ لم يكن لديهم  تعريف جامع أو رؤية واضحة حول ما يعني هذا المطلب، وماهي أشكال حضوره في المجتمع والدولة . إضافة إلى أن الثورة السورية ذات طابع ريفي، مما يزيد الأمر التباساً في فروق الثقافة و بنية الوعي .

أذكر ذات مرة أني التقيت بأحد الأشخاص الذين كانوا من أول الملتحقين بصفوف الجيش الحر، يومها أخبرني قائلاً : ( اليوم عشت أحلى ساعتين بحياتي، ساعتين حرية كاملين ياريت نضل هيك عطول ) . وحين طلبت منه أن يشرح مضمون هاتين الساعتين، شرح لي كيف كان برفقة أصدقائه في دورية مسائية بإحدى سياراتهم يدخنون الحشيش و يشربون البيرة دون خوف من أن يوقفهم أحد، بل على العكس هناك هيبة للسلاح تظهر في أعين الآخرين وتشجيع الناس لهم و احتضانهم، فهم الذراع العسكرية للثورة السورية .

في الفترة ذاتها، كنت أستضيف بعض الأصدقاء في منزلي و أساعدهم في إنجاز فيلم وثائقي يتناول الأوضاع الحياتية للناس وجاهزية الجيش الحر في منطقة جنوب دمشق . كان العمل قد عرض لاحقاً على قناة العربية بتاريخ ١٠/١١/٢٠١٢ بعنوان ( خطوط القلب الجنوبية ) . 

في تلك الأثناء و كعادة الأصدقاء يتبادلون الأحاديث، الغناء، والنكات في سهراتهم، ولم يكن الوقت يتجاوز التاسعة مساء . سمعت قرع الجرس وحين ذهبت لفتح الباب تفاجأتُ بأربعة أشخاص ملثمين بكامل عتادهم الميداني، ليقول أحدهم ودون إلقاء التحية: “صوت عزف العود من عندك؟” فأجبت و مالمشكلة في ذلك . لترتفع بعدها حدة صوته بعد أن شمَّ رائحة الكحول في المكان، وأردف: “وسكران كمان! “. عندها دخلوا المنزل بطريقة غير لائقة، ليفاجأ أصدقائي في الداخل بوجودهم الذي تفوح منه رائحة التحقيق والسيطرة . كانوا يتفوهون بعبارات على شاكلة ( غناء وخمر و عصيان لله في هذا المكان).

كانت ردة فعل أصدقائي على هيئة تلطيف الموقف و إخفاء الكؤوس و كل إيماءات المهادنة. أما أنا فقد كان انفعالي غاضباً، بل وبتهور أيضاً.. ربما بفعل الخمر. 

ارتفع صوتي وقتها : ” ما أحلى بشار الأسد قدامكو ، ماني خايف إذا بتكون عم تسوق دبابة مو بس حامل روسية، نحن لما كنا بالسجون إنتو كنتو عم تحضروا الأخبار عقناة الجزيرة، عيب يا شباب أفهم واحد فيكو واصل للصف العاشر بالكتير ، بدكو تحترمونا غصب عنكو ).

ليكشف أحد الملثمين عن وجهه وإذ به أحد الجيران في حيينا وكان يجمعنا الاحترام المتبادل و المودة، ليردف قائلاً : ( والله لو ما كنت بعرفك و بحترمك كنت أزعجتك و بهدلتك وقلعت كل هالعرصات اللي عندك ). 

غادروا مفسدين علينا مساءنا . لنكمل حديثنا بعد هذه الحادثة حول دور النخب في قيادة الثورات ومسير تاريخ أعظم ثورتين في العالم -البلشفية والفرنسية- مع  أوهامنا في وقتها آنذاك بالمقارنة مع الثورة السورية .

طبعاً، كل هذه الأحداث الفردية التي حصلت هي سياق طبيعي في الثورة السورية، لا يشكك في شرعيتها و حتمية حدوثها؛ إلا أنني أتحدث عن بنية المجتمع الذي تم تهشيمه وتجهيله من قبل نظام الأسد، بل ذهب به أيضاً إلى تهيئة المناخ لحرب أهلية يفتعلها متى يشاء . ناهيك عن غياب نخبة المجتمع والقيادات الواعية في الحضور والتحكم بمسار الثورة . ولا أبالغ إذا قلت بأن السواد الأعظم من الناس يجهل ماهية ماحدث بالفعل .

أما هنا في أوروبا وبصفتنا لاجئين حرب، بالعودة إلى ما بدأت به سردي عن مفهوم الحرية، تبدأ المقارنات  والمفارقات في طرق العيش و يبدأ مفهوم الحرية بالتكشير عن أنيابه التي ظنناها أسنان طفل لبنية . 

كان لابد للاجئ الذي طالب بالحرية أن ينعم بها في بلاد الحريات و الديمقراطية، إلا أن الاستياء من الحياة كان فاضحاً جداً .

هنا لا يستطيع المرء تجاوز إشارات المرور الحمراء حتى لو كان الشارع خالياً، أما عن رمي أعقاب السجائر في الشارع فقد يكلفك غرامة مالية تفسد عليك مزاجك وأوقاتك.

الشواء في حديقة المنزل أمر يستوجب أيضاً دفع غرامة مالية . وأما عن الصوت العالي بعد الساعة الثامنة مساء فهو يعرضك لاستجواب الشرطة.

التأخير عن مواعيدك في مؤسسات الدولة يترتب عليه أعباء ليست في الحسبان، وفي العلاقات الاجتماعية بين الأصدقاء يعرضك مباشرة لتقييم المهمل والفوضوي وغير الملتزم، في حين أنه في بلادنا ثمة ما يسمى بالمواعيد العربية وهو للدلالة على عدم الانضباط بالوقت .

كما يمنع القانون ارتداء الحجاب في المدارس لمراحل عمرية معينة، ما يدفع اللاجئ للاعتقاد بأن الإسلام محارب . ناهيك عن مسألة تعنيف الأطفال والزوجة، الذي قد يدخلك السجن، وهذا الأمر في بلادنا يندرج تحت مسميات كثيرة في عرفنا الاجتماعي ( تربية، مشاكل عائلية، سوء تفاهم …) .

ليس غريباً أن يعود أحد اللاجئين من سكان البناء الذي أقطنه إلى سوريا حيث تعرض لمساءلة قانونية و غرامة مالية إثر تربيته للحمام وإطلاقه في السماء، وهو من المدمنين على هذا السلوك والذي يعيش فقط لأجله كما يصرح دائماً .

أما لو جئنا على الحياة المهنية في أوروبا، ستجد أن ذروة الاكتئاب واليأس لدى اللاجئين تكمن هنا، فحتى المهن الفردية ومصالح الخدمات كالحلاقة والنجارة والدهان، أو حتى تنظيف الزجاج يتطلب من الإنسان دخول المعاهد والمدارس فترة قد تطول إلى ثلاث سنوات، وبلغة البلد المستضيف ما يسبب العناء والتوتر لهؤلاء الأشخاص الذين كانوا أعلاماً في بلادهم بمهنهم، وكانت مصدر رزقهم لطيلة عمرهم؛ بينما هنا، قد لا يستطيعون تجاوز الامتحانات أو الإقامة في مدارس داخلية بعيداً عن عائلاتهم . إضافة إلى مضايقات مكتب العمل الذي لديه صلاحية قطع المساعدة الاجتماعية عن الذين لا ينشطون في البحث عن العمل .

هناك الكثير من مفارقات العيش التي لامسناها هنا، والتي دفعت الكثيرين للقول ( في بلادنا كنا أحراراً أكثر ) .

  • هنا يأتي السؤال : هل التبس علينا الأمر لهذه الدرجة مابين الحرية والفوضى ؟ 

لو تأملنا قليلا لوجدنا أن كل ما وصلنا إليه هو بسبب غياب الإدراك في الشؤون العامة؛ فالقضايا التي تحكمت بسياق الحراك السوري والثورة ذات طابع عاطفي، ديني ، ثأري …. إلخ؛ في ظل غياب الوعي لدى الناس.  ولا أريد الدخول هنا في هاجس المؤامرة والتدخل الخارجي .

القارئ في سيكولوجيا الجماهير سيجد في مقولة شريف شحادة ( أحد أبواق النظام ) بعداً ذا دلالة مهمة عن طبيعة الشارع السوري وتركيبته الاجتماعية والثقافية حين قال على إحدى القنوات الإخبارية : ( شوي .. شوي خلطنا الأوراق فاتت الناس ببعضها ) . 

مختصر القول في هذا السياق يستحضر في رأسي اقتباسا للدكتور أحمد برقاوي ( رئيس قسم الفلسفة الأسبق في جامعة دمشق ) حين قال : (( البندقية دون فكرة هي مجرد رصاصة طائشة، و الفكرة دون بندقية هي مجرد يوتوبيا )) .

هما أمران متلازمان في سياق حركة التاريخ، فالثورات والحروب وقيام الحضارات وانهيار الإمبراطوريات، جميعها هي حالات تموضع التاريخ في وجودنا كبشر، وكل نشاط إنشاط إنساني هو نشاط فكري بالضرورة . فالاختلاف بين الثقافات وطرق العيش وقوانين الدول تأخذنا إلى ميدان رئيس لفهم العلاقة بين الوعي والحرية .

لا أريد التوغل أكثر في ماهية أو فلسفة الأمور،  لكن المقارنة بين مجتمعنا الذي نشأنا فيه والمجتمعات الأخرى التي عايشناها هو أمر لا نستطيع تجاوزه في طريقة تفكيرنا. فأسئلة الأوروبي لي حول مشكلتنا مع لحم الخنزير أو استغرابه أننا نمتلك إشارات مرورية ضوئية في شوارعنا، واستيائه من أننا نذبح الخرفان والبقر بدلاً من صعقهم بالكهرباء أو استخدام الرصاص، أو حتى أسفه على نظامنا في التأمين الصحي وعدم قدرتنا على قضاء إجازة سياحية كل عام خارج البلاد، هو ذات العقلية التي تدفع اللاجئ إلى استهجان قبلة بين عاشقيين أو حتى مثليي الجنس في الأماكن العامة، ويغرق في ذهنية الحلال والحرام بالمقارنات؛ حتى أن أحدهم سألني أين يوجد مكان يبيع سمك حلال لما يحمله من هواجس في طرق الذبح و انتشار لحم الخنزير، كما لا نستطيع تقبل فكرة دخول غرف الساونا دون ثياب داخلية أو السباحة عاريين، كذلك ينظر الطرف الآخر إلينا باستهجان يصل أحياناً إلى الاشمئزاز حين يتصافح الرجال متبادلين القبل فيما بينهم، فالرجال هنا لا يتصافحون هكذا .

ولكن؛ أليست تلك الفروق و العادات هي موروث المجتمع وثقافته السائدة؟ أليس السواد الأعظم مما نؤمن به من أفكار هو نتاج البيئة والتربية؟!

نعم، فها أنا أنهي سردي في مقهى نمساوي مستمعاً عبر سماعة الأذن إلى نص للشاعر حسين حمزة بعنوان ( عتبان قلبي على البشر كلها ) .. وأمام طاولتي بعض الناس يحتفلون بزواج شخصين كانا قد أحضرا طفليهما معهما ليتشاركا الفرحة من الجميع !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 5 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى