ذاكرة حدث

لوحات طرقية ذات بُعد سياسي

يخبرني  صديقي، ضمن رسالة صوتيّة عبر تطبيق واتس أب، أنّ عليّ اتباع الخريطة التي سيخبرني بها، لئلا أضيع في القرية التي سكن بها هو وعائلته منذ عدة أيام: تدخل القرية من مدخلها الرئيسي، لتجد خزان وقود كبيراً جداً، عليه صورة لـ”أردوغان” واضعاً يده على صدره، ثمّة صورة أخرى، لكن صورة “أردوغان” هذه يضع يده على صدره، وهي موجودة على خزان الوقود وليست على جدار منزل. تحت صورة “أردوغان” تجد بائع الوقود، وبعده بثلاثة محلات بالضبط، يكون المنزل الذي استأجرته حديثاً. عندما تصل، اتصل بي، سأرسل لك اسم شبكة الانترنت الخاصة بي وكلمة المرور، لتتصل بالنت.

بهذه الرسالة كان عليّ أن أصل إلى منزل صديقي القادم من قرى “إدلب” إلى قرى “حلب” خوفاً من غارات الطيران الروسي والأسدي. تجاوبت مع رسالته وتتبّعت التعليمات حتى وصلت إليه. زرته في منزله الكائن بعد صورة “أردوغان” بثلاثة محلات من الجهة اليمنى للشارع.

مع موجات التهجير المتداخلة والمتلاطمة للسوريين من شرق البلاد وغربها وشمالها وجنوبها ووسطها… كانت هناك موجات تهجير ونزوح أخرى تُضاف إلى موجات التهجير الأولى: فمن تَهجَّر من الغوطة الشرقية بريف “دمشق” على سبيل المثال، يعرّف نفسه لك أن تهجيره أو نزوحه هذا هو الثاني أو الثالث؛ حيث نزح من أحد أحياء “دمشق” إلى الغوطة؛ ومن الغوطة إلى “إدلب”، والآن إلى ريف “حلب”… ولا يعلم غير الله إن كان ثمة وجهة أخرى سيقصدها أم لا!

المعارك، وعمليات التهجير المتكرر، وانتقال السوريين المهجرين من مناطقهم إلى قرى كانت منسية بالمطلق قبل اندلاع الثورة السورية في آذار عام ٢٠١١. وكذلك التبدلات في الجهات العسكرية المسيطرة على مناطق محددة من جغرافيا البلد التي تحرّرت ثم احتُلت، ثم تحررت… وهكذا. كل ذلك أدّى إلى إيجاد دلالات ولوحات طرقيّة جديدة، بخلاف ما كان متعارف عليه من قبل (قبل عام 2011). فهذه القرية لم يعد اسمها متتابعاً، كما كان متعارفاً عليها من قبل وفقاً للتوزع الجغرافي لدى وزارة الإدارة المحلية السورية، محافظة من ثم منطقة ومن ثم مدينة ومن ثم بلدة أو ناحية ومن ثم قرية. إذ قد يتم إعادة تسميتها أو التعريف بها، من خلال ربطها بمجزرة ما، أو حاجز محدد، أو شخص يقاتل لجانب جهة عسكرية محددة وكان قد تم تداول اسمه لأسباب قد تكون إيجابية أو سلبية.

مع موجات التهجير المتداخلة والمتلاطمة للسوريين من شرق البلاد وغربها وشمالها وجنوبها ووسطها… كانت هناك موجات تهجير ونزوح أخرى تُضاف إلى موجات التهجير الأولى

في المكان ذاته (مكان إقامة صديقي القادم من قرى “إدلب”) الذي وجب علي أن أزوره، طلب مني صديق آخر أن أجلب له معي، في حال كان لي طريق إلى قريته، عدداً من الأوراق اللازمة له، موجودة لدى صديق آخر: “هل تتذكر وقت انفجرت فينا المفخخة وراح فلان وفلان فيها؟… بعد مكان المفخخة على اليمين في بيت نازل (مدمّر) على حيطه بالضبط بيتي الجديد”.

هذا العنوان لا يبعد كثيراً عن عنوان صديقي الأول الذي سكن بالقرب من صورة “أردوغان”، فبين مكان المفخخة وبين صورة “أردوغان” مسافة قد لا تتجاوز الكيلومتر الواحد في تلك القرية (قرية “كفرة” بريف حلب الشمالي)، لكن لكل منهم توصيفه ودلالاته الطرقيّة الخاصة، التي رسخت في مخه وفقاً للحدث الذي تم ربطه في ذاكرته عن القرية، الذي من الواجب علي معرفتها.

من مكان آخر في سورية، كانت نشرات الأخبار تكثف أخبارها عن “المنطقة الآمنة”، الني أزمِع إنشاؤها من قبل كل من الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، في منطقة “شرق الفرات”، أو في شمال شرق سورية، أو في “روجافا”، أو في غربي “كردستان”، أو في الجزيرة السورية… ومع كل هذه التسميات المختلفة للمكان ذاته، كان أبناء تلك الأرض لهم تسميتهم الخاصة لأرضهم: “جزيرة”، و”شامية”. وما دون ذلك أسماء أطلقتها الجهات العسكرية المتعاقبة على منطقة الجزيرة والشامية، بحكم ما تريده هذه الجهات من بسط سيطرتها على تلك الأرض. حتى ضمن ما بات اسمها على المواقع الإخبارية “منطقة شرق الفرات”، بات يوجد شوراع وأسماء جديدة لم يعهدها السكان المحليون، ففي مدينة “الرقة” كانت مدرسة الرشيد المشهورة قد تحوّلت إلى معلم تاريخي وتعليمي لكل أبناء المحافظة، أما بعد الثورة فقد بات يطلق عليها اسم اكاديمية “الشهيدة روجين عرب”.

فكيف يمكن لنا التعامل مع هذه الدلالات إذا أردنا توصيف المنازل الحقيقية للأطفال المهجرين عن بيوتهم منذ سنوات طويلة، وكيفية طريق العودة إليها، إذا ما سنحت الفرصة لهم بالعودة يوماً؟! كيف سندلهم ونصف لهم الدلالات التي تسهل لهم الطريق إلى منازل أجدادهم؟ هل سيصلون إلى العنوان الصحيح؟!

تلك الأسماء والتغيرات والدلالات الطرقية، المرتبطة بالواقع السياسي والعسكري الحاكم على كل مفاصل الخريطة السورية، وَلّد لدي تلكؤاً قبل إرسال أي رسالة لأحدهم أخبره فيها عن أقرب نقطة لمكان وجودي، كما أبحث حولي عن أي شيء جديد لكي يسهل عليه عملية الوصول، أما عندما يرسل لي أحدهم رسالة، فعلي أن أفتش وأبحث وأجري مقاطعة لمعلوماتي، لإيجاد أسهل توصيف يؤدي إلى المكان.

أطيل الشرود كثيراً حول قضية اللوحات الطرقيّة ذات البعد السياسي والعسكري داخل سورية.. فإن كنا نحن الذين عشنا سورية بتفاصيلها قبل عام 2011، بتنا الآن نضيع بين أسماء قرى ومدن بلدنا القديمة والجديدة، أو لا نميزها بين كل تلك الدلالات الحديثة التي فرضها الواقع العسكري والسياسي على جغرافية بلدنا، فكيف يمكن لنا التعامل مع هذه الدلالات إذا أردنا توصيف المنازل الحقيقية للأطفال المهجرين عن بيوتهم منذ سنوات طويلة، وكيفية طريق العودة إليها، إذا ما سنحت الفرصة لهم بالعودة يوماً؟! كيف سندلهم ونصف لهم الدلالات التي تسهل لهم الطريق إلى منازل أجدادهم؟ هل سيصلون إلى العنوان الصحيح؟! وهل سنعطيهم نحن العنوان الصحيح، مع كل هذه التغيرات، فضلاً عن الأماكن المدمرة والتي أصبحت أثراً بعد عين؟!

عندئذٍ لن ينفع ألف مفتاح كان قد جلبه المهجر معه من منزله إلى مكان تهجيره.  

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × 1 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى