ذاكرة مكان

ناي

عادةً، عندما أكتب، أفتتح نصي بقصيدةٍ لشاعرٍ أحبَّ بلدي، لكن اليوم سأغيّر نكهة الحب، لأقول بداية: قصتي هذه المرة مختلفة، لها شكل الحلم، أبطالها حقيقيون حدّ الحرب. اليوم سأكتفي بسرد لحظات شهدتها “حمص” قبل أن تنزف أولادها.

“حمص”- آذار 2011

كان ذلك المقهى الملجأ الوحيد لتلك الشابة، فهناك تستطيع التدخين بمعزل عن قيود المجتمع وتعليقاته. كانت ترتاده يومياً، تطلب كوباً من الشاي الساخن، تضع دفتر الرسم أمامها، لتبدأ برسم شخصيات تدور حولها كلوحة متعددة الجوانب.

اسمها “ناي”، وفي الحقيقة كانت تمتلك الكثير من اسمها، أو هكذا كانت تقول لها أمها.

لم تكن “ناي” تحب دراسة الحقوق في الجامعة، التي كانت تذهب إليها يومي السبت والجمعة.

في أحد أيام الجمعة، عادت بعد انتهاء حصصها إلى المقهى، وكالمعتاد، طلبت كوباً من الشاي، وضعت دفتر الرسم أمامها، وأمسكت بالقلم. وإذا بشابة دامعة العينين ذات وجه شاحب عبثيّ مملوء بنزيف من خليط الدمع والكحل.

وقفت “ناي” متسمّرة أمامها، وسألتها إن كانت تحتاج شيئاً. تجاهلتها الفتاة وواصلت بكاءها.

لم تعلم “ناي” حينها ماذا تفعل. كل من في المقهى مجتمع حول الشابة، والشابة قابعة في مكانها لا تجيب بأية كلمة.

مرت ساعة من الزمن وهي على هذه الحال..

تركت “ناي” المقهى متجهة إلى منزلها الذي يقع في حي “باب السباع” في الجزء القديم من المدينة. دخلت المنزل وهي تسمع من بعيد أصواتاً لعيارات نارية. تجاهلت الأصوات دون أن تسأل والديها عن سبب هذا الدوي، واستلقت على فراشها وهي تفكر في ذلك الشاب الذي فُقد في المظاهرة، وإن كان قد عاد إلى بيته أم لا.

دخل صديق الفتاة المقهى. ركضت الشابة إليه، فسألها الشاب إن كانت بخير. هزّت رأسها مجيبةً: الجميع بخير لكننا فقدنا أخي. لا نعرف عنه شيئاً منذ الصباح.

في ذلك اليوم، شهدت “حمص” أولى مظاهراتها بالقرب من الساعة القديمة.

بدأت “ناي” تفكر وتقول لنفسها: ترى ما هي تلك المظاهرة؟ ولماذا لم يعد أخو الفتاة؟ وماذا يعنيني في ذلك؟ أنا لي سيجارتي وكراسة الرسم وهذه الطاولة، وإن كان كوب الشاي سيأتي ساخناً كما في كل مرة فلماذا سأهتم بأي شيء آخر؟ لماذا أهتم والفتاة قد تجاهلتني تماماً؟

تركت “ناي” المقهى متجهة إلى منزلها الذي يقع في حي “باب السباع” في الجزء القديم من المدينة. دخلت المنزل وهي تسمع من بعيد أصواتاً لعيارات نارية. تجاهلت الأصوات دون أن تسأل والديها عن سبب هذا الدوي، واستلقت على فراشها وهي تفكر في ذلك الشاب الذي فُقد في المظاهرة، وإن كان قد عاد إلى بيته أم لا.

لم تمض ساعتان إلا و”ناي” قد أعياها القلق، فما كان منها إلا أن ارتدت ثيابها وعادت إلى المقهى علها تسمع خبراً عن ذاك الشاب. جلست على طاولتها المعتادة وروحها ترتجف. مضى أكثر من ساعتين قبل أن يدخل شاب بوجه مملوء بالكدمات والغضب وهو يصيح: «عم يضربونا ويقوصوا علينا ولاد الكلب.. كانوا رح ياخدوني..».

نعم هذا هو إذاً. الجميع يسلم عليه بحرارة.

ما كان من “ناي” إلا أن انهمرت عيناها بالبكاء. وقفت أمامه وهي تبتسم له من بين دموعها:

– الحمد لله على السلامة.. الحمد لله على السلامة…

نظر الشاب إليها بعينه نصف المفتوحة: «بدك تكوني معنا؟».

لم تسأل “ناي” الشاب؛ من هم، أو عمّن يقصد بحديثه. اكتفت بما رأته من مشاهد في ذلك اليوم، لتعلم أنه من اللا إنساني ألا تكون معهم، فما كان منها إلا أن أجابته: «بكل تأكيد.. أنا معكم».

عادت “ناي” إلى منزلها وهي تشعر بسعادة عارمة، وعندما وصلت إلى منزلها بدأت من جديد أصوات الرصاص.

أمسكت “ناي” قلمها وبدأت ترسم عن الحرية. ومنذ ذلك الوقت وهي تذهب إلى المقهى، تشعل سيجارة، تضع دفتر الرسم أمامها وتبدأ بالحلم. حينها فقط أصبح لها حلمٌ وأصبح للحرية ناي.

نعم.. ذلك لم يكن عادياً، فحتى والدها بدت عليه علامات القلق.

في اليوم التالي لم تستطع ناي الذهاب إلى الجامعة فقد ضج الإعلام بمظاهرة “حمص”، الهتاف وصيحات الناس الغاضبين تملأ شوارع “باب السباع”:

«حرية .. حرية..».

ما أجمل هذه الكلمة!

أمسكت “ناي” قلمها وبدأت ترسم عن الحرية. ومنذ ذلك الوقت وهي تذهب إلى المقهى، تشعل سيجارة، تضع دفتر الرسم أمامها وتبدأ بالحلم. حينها فقط أصبح لها حلمٌ وأصبح للحرية ناي.

في مكان ما- تشرين الثاني 2018

لم أعد أعلم شيئاً عن “ناي”، فمنذ سماعي لآخر شهقة حرية اختفت “ناي”. لربما هي الآن ترسم في منزلها المدمر في حي “باب السباع”، وهي لا تعلم أن آلاف الشباب قتلوا ولم يعودوا لأهاليهم، وربما هي لا تدري أنه منذ عدة سنوات لم نعد نسمع كلمة حرية، أو ربما هي الآن، بعد كم من مجزرة ارتُكِبت، عساها تستمع لأغنيات الثورة، ولا دراية لها بالأناشيد الجهادية. تغفو “ناي” وهي لا تعرف عدد الذين رافقوها في الحلم..

فلتنامي جيداً يا “ناي” لعلّي ألقاكِ في ذلك المقهى يوماً ما…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × 3 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى