ذاكرة لجوء

من دخل مقصف اللغات فهو آمن

(تنويه).. العبارات التالية لا يمكن تصنيعها إلا في مقصف اللغات:

أنا الذي وهبت الفرح للتاء المبسوطة.

كنت ماءً نقياً، فطهّرتكم واتّسخت.

حبيبتي إذ تتوضأ يغتسل الماء.

في الوقت الذي كان الجميع يتحدث فيه عن جمالك، كنت الوحيد الذي تحدث عن جمال عبد الناصر.

كلما شربت كأساً أخرى زاد صحوي إليك.

لا تمت إلا بوقتك…

***

كلية الآداب- جامعة دمشق

مقصف اللغات تحديداً، وجهة الوحيدين؛ هنا، المثقفين المحبطين، مرضى الأمل والذين يعيشون على قائمة الانتظار وبالطبع طائفة السكارى النهاريين، هناك حيث يكون مقصف اللغات بحد ذاته هو الوجهة وليست الجامعة أو المحاضرات .

حيث يختصر حضورنا هناك الوقت الذي الذي نقول عنه «ذاهبون إلى الجامعة أو عائدون من الجامعة».

في مقصف اللغات يأخذ أغلب رواده صفة المثقفين اليساريين والمتدخلين بالشأن العام، ولا أدري كيف يتم هذا التفنيد بين مقاصف الجامعة! فعلى سبيل المثال، يدخل مقصف الطب الأغلبية من طلاب السنة الأولى الذين يحاولون تكوين علاقات غرامية مع الجنس الآخر، نظراً لانعدام تواصلهم مع بعضهم بعضاً في سنواتهم الدراسية السابقة؛ فلا تجد طالب سنة أولى يجلس في مقصف اللغات. بينما يأخذ مقصف الصحافة طابع العلاقات الأكثر نضجاً وانضباطاً في سير حياة الطالب الجامعية، فالمقصف تارة يزدحم بالطلاب الذين يقضون فترة الغداء والاستراحة بين المحاضرات وتارة يفرغ نظراً لانشغالهم في واجباتهم.

وهنا لا بد من توضيح؛ أنه حين يطلق على المقاصف: مقصف الطب، مقصف الصحافة، مقصف الصيدلة… فهي فقط لقربها من البناء الذي يتم فيه تدريس هذا الاختصاص أو ذاك، وليس حكراً فقط على طلاب قسم دون غيرهم .

أيضا بائع العلكة الطفل “مراد”، له حصة يومية من زيارة المقصف، حيث يشتري منه الجميع نظراً لاستراتيجيته الناجحة في البيع، فأنت حين لا تشتري منه ينهال عليك بالشتائم ويسمع الفتيات كلاماً نابياً، يجعل الجميع في حالة حرج، يعبث بالمزاج ويعكر صفو الجالسين، فالأجدر بالجميع الشراء منه؛

بالعودة إلى حديثنا عن مقصف اللغات وهو موضوع هذا السرد.. لقد كان يرتاده الطلاب من مختلف الاختصاصات وعلى تنوعها، فقد كان يأخذ صبغة نفسية وثقافية مختلفة، وروح المكان كانت تحتضن من تحدثت عنهم في بداية سردي هذا .

تبدأ رائحة القهوة بالاختلاط مع الزعتر فوق فرن الصاج عند الثامنة صباحاً، وصوت “فيروز” يستقبل الصباح مبشراً أن مقصف اللغات مستعد لاستقبالنا، حيث إنه قبل ذلك يكون المقصف مفتوحاً وحين تدخل قد يعتذر منك “أبو حازم” (مستثمر المقصف) بحجة التحضير والتنظيف وما إلى ذلك، قبل البدء باستقبال رواده. وهنا يكون صوت “فيروز” هو الدلالة التي تشير (تفضلوا.. أهلاً وسهلاً بكم).

“أبو حازم”، شخصية غير مستحبة من الأغلبية في هذا المقصف. صوته الحاد، والجهور، لا يعطي انطباعاً إلا بصيغة الأمر مع موظفيه. يجلس على “الكاشير” ويأخذ الطلبات دون التحديق في أعين الطلاب أو الترحيب أو حتى الابتسام؛ يعتقد الجميع أنه مخبر للأمن، ويكتب التقارير عن الطلاب الموجودين، إضافة إلى محاولاته في اصطياد الفتيات الجميلات عن طريق لعبة المال واستثماراته الناجحة كما يدعي.

لكن الجميع يعتبر هذا المقصف بيته وملكه ويوماً ما سيأتي مستثمر جديد يتناسب مع هوية المقصف، فالمقصف بنهاية الأمر لنا وليس لـ”أبو حازم” .

في مقصف اللغات الوجوه ذاتها، فحتى الأشخاص الذين لا يعرفون بعضهم يتبادلون السلام فيما بينهم وذلك لأن وجوههم أصبحت مألوفة تماماً.

يختار الصديق “ماهر أيوب” (طالب الإعلام) الطاولات الأقرب من درج النزول إلى المقصف (مقصف اللغات ليس له باب، يتم دخوله عن طريق درج تصعده ومن ثم تنزله إلى الجهة المقابلة). حيث يجلس “ماهر” وهو الشخص الذي إن غاب يشعر الجميع بخلل واضح في روح المكان، حيث إنه الأكثر تواجداً هناك ويقول عن نفسه إنه “كومبارس” ثابت في المكان، في حين كنا نقترح ساخرين على “أبو حازم” بتسمية المقصف على اسم “ماهر أيوب” .

أيضا بائع العلكة الطفل “مراد”، له حصة يومية من زيارة المقصف، حيث يشتري منه الجميع نظراً لاستراتيجيته الناجحة في البيع، فأنت حين لا تشتري منه ينهال عليك بالشتائم ويسمع الفتيات كلاماً نابياً، يجعل الجميع في حالة حرج، يعبث بالمزاج ويعكر صفو الجالسين، فالأجدر بالجميع الشراء منه؛ أما عن محاولة شتمه أو إخافته، فتزيد من حديته وقذارة ألفاظه، لكن لاحقاً تولّى “ماهر أيوب” ترويض “مراد”، حيث دعاه إلى كأس من الشاي وأعطاه بعض النقود دون أخذ العلكة، وتبادلا الأحاديث عن فروق طبيعة الحياة الاجتماعية بين العالم المتطور ومجتمعات العالم النامي، ليصبح “مراد” من معتنقي النظرية الماركسية، لا بل يمارس أحياناً استعراض عضلاته الثقافية مع موظفي “أبو حازم” الذين لم يكملوا تعليمهم. أحدهم سأله “مراد”: «هل أنت شيوعي؟».. ليرد عليه: «لا والله أنا من معضمية الشام». وهنا يأتي جواب “مراد” الغاضب الساخر: «أنا عم أبيع علكة من ورا جهلك وجهل أمثالك».

تغيّر سلوك “مراد” وأصبح يدور على الجميع ليسمعهم الأغاني، ويردّد عبارته الشهيرة (شيل أبوي شيل) وهو يدندن أغنيته المفضلة (روحي نخلى بتكريت). يلقي “مراد” بعض النكات وينصرف، وبالمقابل أصبح له معجبون يستلطفونه ويعطونه النقود فور رؤيته .

كان عام ٢٠٠٦ عاماً قاسياً ومؤذياً عاشه جميع رواد مقصف اللغات، حيث تم اعتقال الكثير من الأصدقاء وقتها لانشغالهم بالشأن العام والقضايا السياسية، ومنهم من تمت مراقبته من المقصف ذاته وإلقاء القبض عليه لاحقاً، ليغيب عنا الكثير منهم لمدة لا تقل عن خمس سنوات

في مقصف اللغات أيضاً يجلس الشعراء متبارزين بالقصيدة وبإمكانياتهم اللغوية فيما بينهم.

أذكر ذات مرة عند زاوية المقصف، الطاولة المخفية تحديداً، كنا نتبادل الأحاديث في الشعر وكان أحد الأصدقاء من خريجي قسم الفلسفة يدعى “زكريا إبراهيم” وهو من الحالات الخاصة في هذا المكان، غالباً ما يتحدث بالعربية الفصحى، ولديه نسبة لا بأس بها من مرض البارنويا المتماهي مع ثقافته الواسعة. أذكر وقتها أن أحد الأصدقاء طلب من “زكريا” رأيه في قصيدته الجديدة، تجاهل “زكريا” الحديث معه بعد أن قرأ قصيدته، ليعود الآخر إليه بإلحاح وهو يقول: «طلبت رأيك أكثر من مرة وأنت تجاهلتني»، وهنا تأتي مفاجأة من العيار الثقيل، حيث قال له “زكريا”: «لم أرغب أن أدلي برأيي في هذا النص وأنت لم تحترم ذلك وزدت إلحاحاً، إليك رأيي إذاً». وهنا قام زكريا باستعادة الورقة التي كتب عليها النص الشعري، وأرخى سَحّابَ بناطله وبال عليها أمام الجميع.

لم يكن الموقف شخصياً أو جارحاً، فالكل اعتاد على “زكريا”، وعلى شخصيته الخاصة، أما الذين لم يعرفوه جيداً فلا شك أنه ترك في ذاكرتهم حدثاً يصعب نسيانه. فعلى سبيل المثال، كانت تجلس إحدى الصديقات في المقصف وهي تبكي، وكانت قد أبدت عدم رغبتها في الجلوس معنا حتى تهدأ قليلاً، إذ إنها كانت قد رسبت في إحدى المواد للمرة الرابعة، وهنا يتدخل “زكريا”، الذي لم تكن صديقتنا قد تعرفت عليه من قبل، ليتحدث إليها قائلاً: «اهدئي، سأقوم بحل المشكلة فوراً.. دموع الحسناوات تفطر قلبي، ما مشكلتك بالضبط؟». ترد الفتاة عليه بأنها رسبت في هذه المادة للمرة الرابعة وأن مدرس المادة لا يهتم جيداً بتصحيح الورقة. يسألها زكريا: «ما اسم الدكتور، مدرس هذه المادة؟». تجيب الفتاة: «الدكتور “أشرف عز الدين”». يمسك “زكريا” بيدها ويقول: «هيّا تعالي معي، الدكتور “أشرف” صديقي.. هيّا أسرعي، سأعطيك علامة النجاح».

علما أن زكريا لا يعرف مدرس المادة على الإطلاق. ترتسم ملامح الأمل على وجه الفتاة، وكلمات “زكريا” الواثقة تدفعها للذهاب معه. وحين يصلان، يطرق “زكريا” الباب بيده ليدخل إلى غرفة تجمع أكثر من أربعة مدرسين في القسم، وهنا يرتفع صوت “زكريا” عالياً بنبرة رجل أمن: «أين هو الدكتور “أشرف”؟». ليجيب أحدهم: «نعم تفضل أنا هو الدكتور “أشرف”». يسأله “زكريا” بنبرة ساخرة: «أشرف من ماذا بالضبط؟». ويقهقه ويعيد السؤال: «إذاً أخبرني، أشرف من ماذا بالضبط!». يسود الصمت في المكان ليتضح في أعينهم بعد قليل أنهم يتعاملون مع شخص مختل، وسرعان ما يُطرد “زكريا” والفتاة من المكتب بطريقة بشعة. تتشاجر صديقتنا مع “زكريا” وتوبّخه على فعلته، لكنهم لاحقاً أصبحا صديقين .

نعم؛ هذا أيضاً حدث في مقصف اللغات، المكان الذي لا يخلو أبداً من السوريالية في الكثير من الأحيان.

مقصف اللغات ذاته كان مكان البحث العلمي الأكاديمي الحقيقي، فتبادل الخبرات والنقاشات الواسعة التي كانت تعنى بالشأن العام وكافة الاختصاصات الأكاديمية بحد ذاتها، أعلى شأناً ومنفعة من مدرجات الجامعة البليدة؛ فمدرجات الجامعة ما زالت بدائية المنهج والأسلوب، تعتمد على حفظ بعض الأوراق وما يتفوه به المحاضر من كلام يكسب بعض العلامات في الامتحانات.

أيضا في ذات المكان عايشنا الكثير من الأحداث الواقعية التي انخرطت بالمزاج العام وهموم المجتمع، فقد كان عام ٢٠٠٦ عاماً قاسياً ومؤذياً عاشه جميع رواد مقصف اللغات، حيث تم اعتقال الكثير من الأصدقاء وقتها لانشغالهم بالشأن العام والقضايا السياسية، ومنهم من تمت مراقبته من المقصف ذاته وإلقاء القبض عليه لاحقاً، ليغيب عنا الكثير منهم لمدة لا تقل عن خمس سنوات، الكثير منهم اليوم من أهم وجوه المعارضة على الساحة السياسية في الفترة ما بعد عام ٢٠١١.

في ذاك الوقت حامت روح الكآبة في المقصف، وبات بائساً حزيناً؛ فالوجوه التي اعتدنا على أحاديثها وضحكاتها، غابت! الأصدقاء الذين كنا ندمن على رؤيتهم كل يوم غابوا عن المكان الذي كان أدفأ من بيوتنا!! وليس سوى الوقت وحده هو الكفيل بأن نعاود الكرة من جديد ويسترجع المكان روحه التي اعتدناها.

إن روح المكان وذاكرته لا شكّ تتماهى مع سكانه. لم يكن مقصف اللغات مجرد مكان نأخذ استراحتنا فيه، لقد كان الحدث والأفكار، والأشخاص الذين تمحورت حيواتنا عليهم آنذاك.

بل إن المفارقة الأهم أن مقصف اللغات ذاته كان مكان البحث العلمي الأكاديمي الحقيقي، فتبادل الخبرات والنقاشات الواسعة التي كانت تعنى بالشأن العام وكافة الاختصاصات الأكاديمية بحد ذاتها، أعلى شأناً ومنفعة من مدرجات الجامعة البليدة؛ فمدرجات الجامعة ما زالت بدائية المنهج والأسلوب، تعتمد على حفظ بعض الأوراق وما يتفوه به المحاضر من كلام يكسب بعض العلامات في الامتحانات.

ولا أبالغ إن قلت إن الكتابة عن مقصف اللغات تحتاج أن تكون سلسلة وليست مادة واحدة؛ لكثرة الأحداث والتفاصيل الاستثنائية التي جرت في هذا المكان.

«من دخل مقصف اللغات فهو آمن»، عبارة كانت تضمن لنا الاعتداد بأنفسنا وبحتمية حضورنا الفاعل في ذلك الوقت، أما اليوم، فالفواتير التي دفعناها نحن روادَ مقصف اللغات قد أحنت ظهورنا باكراً، وأصبحنا ندخل مقاصفَ المنافي كي نرى (رجالاً ونساءً) من الجالية العربية يتحدثون عن الديمقراطيات، وفي آخر الليل يصفع بعضهم بعضاً أو يتراكلون كالقردة، من أجل شاب غربي ألقى التحية على فتاة عربية بلطف!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 5 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى