ذاكرة شخصيه بورتريه

الصحفة الأخيرة من دفتر الجنائز..! إلى روح “محمد حسن”

“لا أحيَا إلاّ لأنّ في وسعي الموت متى شئت. لولا فكرة الانتحار لقتلتُ نفسي منذ البداية”.

-إميل سيوران

***

١١/١٠/٢٠١٠  مشفى تشرين العسكري؛ براد الموتى تحديداً.. هناك أخبرتنا الطبيبة المسؤولة عن تسليم الجثث بأننا لن نتمكن من رؤيته قبل أن تخيط له رأسه، جراء الفجوة التي أحدثتها طلقة البندقية.

شلل في المشاعر، وكأن تلك الطلقة تشظّت واستقرت في نخاع كل واحدٍ منّا! ومساميرُ صدئة في أذهاننا ترافقنا إلى المقبرة. فالموت بفعل الانتحار غامض وثقيل على القلب والنفس. أذكر وقتها أن العالم الخارجي كان أشبه بطنين الذباب، ثمة من يتفوّه بعدم جواز الصلاة على المنتحر شرعاً، وثمة من يبكيه بحرقة لمجرد اختبار حالة الفقدان، بينما يرفع أحد أصدقائه صوت الموسيقى للسيمفونية الشهيرة  (Carmina Burana) فوق رأسه أثناء إنزاله في القبر.

لم يكن انتحار (أبي علي) ردة فعل على انكسار أصابه أو هزيمة أوقفت حياته، فقد كان لديه محاولة قديمة سبقتها بعشر سنوات تقريباً عن طريق السم، لكنها  أودت به إلى المشفى وغسيل المعدة وما إلى ذلك من إجراءات طبية لتفادي الموت.

أما العسكر الذين كان برفقتنا حين تسلمنا الجثة فهم الأكثر اضطراباً واستفهاماً، لقد كان زميلهم أثناء خدمة العلم الإلزامية والذي يكبرهم قرابة العقدين من الزمن.

 لقد انتحر محمد حسن (أبو علي) عمي، شقيق والدي الذي يصغره بأربعة عشر عاماً، الرجل الذي كان ينفض الغبار عن أدمغة من حوله.. الجائع دائماً للمعرفة.

  • قتل نفسه برصاصة “الكلاشنكوف- الروسية”  أثناء نوبة الحرس في (الأركان- منطقة ريف دمشق).

لم يكن انتحار (أبي علي) ردة فعل على انكسار أصابه أو هزيمة أوقفت حياته، فقد كان لديه محاولة قديمة سبقتها بعشر سنوات تقريباً عن طريق السم، لكنها  أودت به إلى المشفى وغسيل المعدة وما إلى ذلك من إجراءات طبية لتفادي الموت.

بعدها أخبرني أنه سيعيد التجربة لكن هذه المرة بطريقة أكثر ضماناً عن طريق السلاح ولكن يبدو أنني سأعيش فترة أطول قليلاً.

المفارقة بين الحادثتين هو نصّ الرسالة وطقس الانتحار. ففي الحادثة الأولى كان طقس الوداع يحمل طابعاً مسرحياً فانتازياً.

لقد قام بدعوة أصدقائه المقربين على مأدبة دسمة واشترى زجاجة “ويسكي” من النوع الفاخر، والسيمفونية التاسعة لـ”بيتهوفن” ترافق طقس الوداع.

كانت سهرة جميلة كما أخبرني ولم يكن أصدقاؤه ليفسدوا عليه هذه الأمسية بعبارات تراجيدية أو جمل من قبيل الحياة جميلة ولا نريد أن نخسرك، بل على عالعكس، فقد سأله أحدهم: (أبو علي إنت رح تموت اليوم صحيح، فيني آخذ من عندك كم كتاب وكاسيت والمسجلة ذكرى منك؟ إنت ما عاد تحتاج هيك شغلات بعالم الأرواح). وطلب منه الآخر أن يزوره إذا ما كان هناك فرصه للتواصل عن طريق الإيحاء أو رسائل اللاوعي).

واحتفظ باللوحات التي كان يقتنيها أبو علي.

ودّعه الأصدقاء ليتابع أبو علي طقس الانتحار، وقبل أن يتجرع السمّ كتب الكلمات التالية:

إنها ليست جرعةَ سمٍّ

بل قبلة من فم الموت الأنثوي المفعم بالأبدية

إنها بدايتك بعد نهاية هذا العالم الوضيع

تعلن سموّ روحك..

ليستيقظ أبو علي في اليوم التالي داخل غرفة الإنعاش بعد غيبوبة أفقدته الاتصال بالعالم الخارجي ولكنه ما زال على قيد الحياة.

حين استفسرت منه عن معنى العبارة، كانت أولى دروسه لي في علم النفس عن طاقة “الليبيدو” وغريزة الموت، مروراً بشرح بسيط عن  “البيوفيليا” و”النيكروفيليا”، أذكر وقتها أنه أعارني كتاب “لإميل دوركايم” بعنوان (الانتحار) ودراسة كان قد ترجمها بنفسه إلى العربية بعنوان (رسائل ما قبل الموت).

أما المحاولة الثانية والتي أودت بحياته فقد كانت مختلفة تماماً، وسأجيء على ذكر تفاصيلها بعد أن أتحدث قليلاً عن شخصيته.

من يدخل غرفة أبي علي سيقف مشدوهاً أمام فهم طبيعة هذا الشخص وإيحاءات غرفته؛ صنع رفوفاً خشبية فوق سريره مباشرة لتستوعب مكتبته الموسيقية والمعرفية.. لم تقتصر كتبه على اختصاصين أو ثلاثة، ولا أعرف كيف كان يجمع بين الرياضيات والفيزياء مع علم النفس والفلك والميثيولوجيا!

أما الموسيقى فقد كان إدمانه عليها يكلفه محاولات الحصول على أعمال لموسيقيين  من خارج البلد في فترة ما قبل وجود الإنترنت.

لوحات للكون والمجموعات الشمسية على الجدران. ساعة الحائط بعكس اتجاه عقارب الساعات الأخرى والأرقام كذلك، الكثير من الدارات الإلكترونية والتصاميم على طاولة المكتب.. أما العبارات التي كتبها على جدران الغرفة فتدعوك للهذيان؛ أيضاً، كان يتساءل الآخرون حين يدخلون غرفته عن معنى المعادلة الرياضية التي كتبها على الحائط، ذلك أنهم فهموا رمزاً واحداً فيها والذي كان يشير إلى اللانهاية.

عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري كان (أبو علي) يكبرني ب١٦ عاماً، وقد قبل بي كصديق وقتها بعد زياراتي المتكررة إليه وإلحاحي عليه بالكثير من الأسئلة الوجودية وقتها، عن الله وما بعد الموت، عن المرأة ووجود كائنات غيرنا في الكون… لم يعطني أجوبة جاهزة لشيء، بل كان في كل سؤال موجّه إليه يفتح الباب على تعليمي أشياء جديدة لم تكن واردة في ذهني أو اهتمامي. كان له الدور الرئيس في دراستي لعلم الاجتماع والفلسفة؛ قبل ذلك كانت رغبتي دراسة الحقوق، فمهنة المحامي أو ضابط الشرطة ذات شأن اجتماعي ومادي. كنت كسائر أبناء جيلي في مجتمعاتنا المتخلفة نجهل أن العلوم والمعارف هي بحد ذاتها الغاية، أما الدراسة فهي جسر لمهنتك في المستقبل، فلتكن ذات نفع مادي واجتماعي.

كان هذا الشخص يميل في حياته إلى العزلة. لم يكن اجتماعيا قط!  لا ينام مطلقاً في الليل. أصدقاؤه لا يتجاوزون أصابع الكفّ الواحدة، ومع مرور الوقت أصبح أيضاً يميل إلى تقليص عدد الأصدقاء والساعات التي يقضيها معهم.

إن أول ما لفت انتباهي وشدّني إلى شخص (أبي علي)، هي العبارة التي كتبها فوق باب غرفته: “لا يوجد ما هو أثمن من الموت، لأنك تدفع حياتك كلها ثمناً له“.

وحين استفسرت منه عن معنى العبارة، كانت أولى دروسه لي في علم النفس عن طاقة “الليبيدو” وغريزة الموت، مروراً بشرح بسيط عن  “البيوفيليا” و”النيكروفيليا”، أذكر وقتها أنه أعارني كتاب “لإميل دوركايم” بعنوان (الانتحار) ودراسة كان قد ترجمها بنفسه إلى العربية بعنوان (رسائل ما قبل الموت).

كان هذا الشخص يميل في حياته إلى العزلة. لم يكن اجتماعيا قط!  لا ينام مطلقاً في الليل. أصدقاؤه لا يتجاوزون أصابع الكفّ الواحدة، ومع مرور الوقت أصبح أيضاً يميل إلى تقليص عدد الأصدقاء والساعات التي يقضيها معهم.

في حقيقة الأمر كان تكيّفه مع العالم الخارجي صعباً جداً، لقد كان من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهنا لا أقصد الإعاقة الجسدية أو العقلية، بل النوع الآخر، وهم أصحاب الذكاء العالي والقدرات الذهنية الخاصة. وهؤلاء يحتاجون إلى رعاية من نوع خاص، وبطبيعة الحال هذا ضرب من الخيال في مجتمعاتنا البالية وأنظمتنا المنقرضة. ف(أبو علي) الذي ترك المدرسة في المرحلة الثانوية بسبب تنمّر أبناء جيله وشجاره مع الأستاذة وطردهم له، كان قد أعلن للآخرين بأنه سيترك المدرسة ليتعلم ويتابع دراسته للمعارف، فالمدرسة مكان يتم فيه تدجين البشر وتصنيع الأغبياء على حدّ قوله، بل كان يردد عبارة :  أنه يفهم التفاضل والتكامل أكثر من مدرس الرياضيات نفسه وهو جاهز لأي اختبار نظري كان أم تطبيقي.

أصبح أبو علي لاحقاً مرجعاً في كلية الهندسة وأحد الأشخاص الذين يشرفون على مشاريع التخرج للطلاب، ولكن طبعاً كان يدور هذا العمل من تحت الطاولة فهو لا يملك الشهادة الثانوية حتى، له محاضرات في المركز الثقافي العربي (أبو رمانة) في الموسيقى ومساهمات في إعداد وتوثيق المعلومات التي وصلت إليها الفيزياء والرياضيات.

أتقن اللغة الإنكليزية وقام بمراسلات مع مؤسسات علمية أجنبية، وشارك بمسابقات في الرياضيات على مستوى المعادلات التي عصيت عن الحل.

إن العقل اللاواعي يسيطر في غالبيته على غرائزنا وهو المسؤول الأول عن قرار الانتحار؛ إذ تشير العديد من دراسات علم النفس إلى أن الموت هو أيقونة خفية في لاوعي البشر كتبت شيفرتها سلفاً أثناء تحديد الهوية السيكولوجية للإنسان.

ولكن كل هذا لم يكن له أي تقدير أو ثقل في حياته أو حيوات من شاركهم خبراته وعمل معهم. وبالتالي كان أمراً طبيعياً أن يصبح (أبو علي) أكثر نزقاً وبؤساً، ليزداد انطواءً ويتمكن منه الاكتئاب، إلى جانب فشله في محاولاته لإيقاف القراءة والغرق مع الأوراق في البحث العلمي.

كان هذا الانطواء وغموض شخصيته مصدر قلق كبيراً لجيرانه وكل من كانوا يعرفونه عن بعد، فلم تكن صفات أو حياة هذا الرجل تشبه الآخرين، لذلك كان لابدّ للآخرين من مضايقته والتحرش به، ربما بفعل الفضول وربما للخوف منه. أيضاً أوهام الناس عنه ما بين مختل عقلي أو جاسوس، وما إلى ذلك من هواجس بدائية لدى الآخرين، ما أدى إلى التصادم معه ومحاولة ضربه واقتحام منزله، الأمر الذي استدعى حضور الشرطة لحل الخلاف، ليتم بعدها اكتشاف تهرب (أبي علي) من الخدمة العسكرية لمدة تتجاوز العشرين عاماً، وهو ليس لديه أي مشاكل مع الدولة ولم يكن على خلاف مع أحد، بل كان شديد الحذر على ألا يلتحق بخدمة (العَلم)، فهو يعلم تماماً ماهية هذه المؤسسة ولا يؤمن بالحروب أو السلاح إضافة إلى وضاعة المنظومة الاجتماعية التي تفرزها مؤسسة الجيش في بلدان العالم المتخلف.

وهنا كان لابد للشرطة بعد اكتشافهم لتخلفه عن الخدمة الإلزامية من سوقه إلى مكان الخدمة في قطعته العسكرية بـ”داريا”. الأمر الذي زاد من حدة الظروف النفسية والاجتماعية. أذكر وقتها بعد أن قابلته في أول إجازة له أنه قال لي: “تخيل… طلبت من العقيد أن أعمل في قسم الحاسوب فرد علي (أبو علي إزا بشوفك واقف هون رح أكسر رجليك). وهو الذي كان يتقن لغات في برمجة الحاسوب ولديه خبرات عالية في هذا المجال.

إن العقل اللاواعي يسيطر في غالبيته على غرائزنا وهو المسؤول الأول عن قرار الانتحار؛ إذ تشير العديد من دراسات علم النفس إلى أن الموت هو أيقونة خفية في لاوعي البشر كتبت شيفرتها سلفاً أثناء تحديد الهوية السيكولوجية للإنسان.

الرسالة التي تركها لرئيسه المباشر، لم تحتوِ  الرسالة سوى على بضع كلمات اختصر بها أنه أقدم على هذا الفعل لأسباب شخصية جداً، ولم يكن لأي أحد أي دور أو ضغط مارسه عليه، لذلك يتمنى ألا تدور هناك أي تحقيقات أو تعقيدات للمسألة، سامحوني، أعتذر منكم جميعاً. 

قبل انتحار (أبي علي) بأسبوع كانت جلستنا الأخيرة، وفي تلك الأثناء أو ربما قبلها كان قراره قد أخذ حيز  التنفيذ، إذ كانت إجاباته وطريقة حواره بلا روح، وكأنني أجلس مع خزان آلي من المعلومات، بلا عاطفة، أو أي اكتراث لأي شيء!

 قابلته مرة أخرى في اجتماع للعائلة عند بيت جدي، لم يدرْ بينه وبين أي أحد أي حوار يذكر، وكأنه كان يلقي السلام الأخير للعائلة ويتأمل الوجوه بعيني المسافر.

١٠/١٠/٢٠١٠ الحادية عشرة ظهراً، يقرع جرس الهاتف. يستقبل والدي المكالمة؛ لحظات وينخطف صوته.. تنهار دموعه… نستقبل الخبر بمزيج من الفاجعة والإنكار.

ذهبنا إلى قطعته العسكرية لنستلم أغراضه الشخصية والرسالة التي تركها لرئيسه المباشر، لم تحتوِ  الرسالة سوى على بضع كلمات اختصر بها أنه أقدم على هذا الفعل لأسباب شخصية جداً، ولم يكن لأي أحد أي دور أو ضغط مارسه عليه، لذلك يتمنى ألا تدور هناك أي تحقيقات أو تعقيدات للمسألة، سامحوني، أعتذر منكم جميعاً. 

أما الرسالة الثانية التي تركها للعائلة في منزله، فكان نصها كالآتي:

  • لقد سئمت من هذه الدنيا، وطالما أن الموت قادم لا محالة فقد قررت استعجاله والذهاب إليه بنفسي.. سأترك منزلي مناصفةً بين شقيقتي الصغيرتين، وثمة مبلغ من المال  كنت قد استدنته من أخي الأكبر موجود في درج المكتب أتمنى منكم إعادته.

سامحوني على ما قد أتسبب به لكم.

الوداع..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر − ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى