ذاكرة طبيب

DMD

لم يكن مكتوبا في الدليل الملحق بالمصباح السحري: احذر مما تتمنى! ولم أكن بعد قد قرأت قصة “دبليو دبليو جاكوب”: مخلب القرد. لذلك طلبت أمنياتي الثلاثة الساذجة ــ التي بدت لي حينها باذخة مستحيلة ــ بكل ثقة. قلت للجني:

– أريد القدرة على دخول البيوت كلها، وأن يخف الازدحام، وأن تكون عندي مدفأة حطب.

– بس؟

– بس!

– لك ذلك.

ومضى، ومضت السنوات، وكنتَ قد نسيتَ أمنياتك: لكن من ذا الذي يشاهد فيديو لأغنية عربية بطلها مفتول العضلات يعيش مع حبيبته/صديقته/خطيبته/زوجته/ أمه… في كوخ قرب بحيرة وهو يحطم بفأسه جذامير الأشجار استعدادا لليلة رومانسية دافئة؟

على كل تقدير، وسواء كان السبب حيلة خبيثة من الجني، أم ضعفا في العربية جعله يسيء الترجمة، فالجني معذور. أغلاط كهذه قد يقع فيها أفضل المترجمين المحلَّفين بل والمتخصصون في ترجمة روائع الواقعية السحرية من أمريكا اللاتينية الذين لم يرعَووا من الاستبداد العالمثالثي ولم يشفوا منه. أما الجني، فقد حقق أمنياتي كلها، على طريقته.

مبنى “المودة”، كما أطلق عليه مهندسه المدني، صار كله لي. وطابقه السفلي كان الفسحة لمعاينة الحالات الإسعافية التي تأتيني ليلا. ولم يبق بيت في اليرموك لم أدخله طبيبا أو زائرا أو باحثا عن أجهزة طبية وكوب من الشاي. الشوارع خالية بفعل حجر صحي فرضته نسور السماء وخفافيش الأرض. والحطب الرطب الرديء وسيلة شبه التدفئة الوحيدة. لم يُخلف الجني أياً من وعوده.

جاءني عروة، الطفل/الشاب ذو الستة عشر خريفا برفقة أبيه. ولأنه كان مقعدا على كرسيه المتحرك، أدخله أخي مأمون إلى الطابق السفلي.

– معه حَثْل دوشِن. 

باغتني أبوه قبل إلقاء التحية.

دوشن السالف ذكره كان طبيب أعصاب فرنسيا في القرن التاسع عشر، أول من قدم دراسة سريرية مفصلة لهذا المرض. أما الآلية الإمراضية ــ كما سيتحفنا بها العلماء لاحقا ــ فبسيطة بساطة شعار Nike: طفرة على الصبغي/الكروزوم X الذي يرثه الذكور من أمهاتهم، فتتخرب أغشية الخلايا العضلية، فيغزوها الكالسيوم، وتنتفخ الجسيمات الكوندرية (وهي مصانع الطاقة في الخلية) بكميات هائلة من الماء حتى تنفجر. فتفقد العضلات قدرتها على التقلص ــ وهو على ما يبدو الدور المنوط بها ــ وتتحول إلى نسيج شحمي لا يحرك عظاما، ولا يغني من جوع. لكنه ــ والحق يقال ــ يُسمِن. لذا ترى العضلات متضخمة، عضلة القلب مثلا من احتقانها، والربلتين اللتين نسميهما بطتي الساق. لكنها ضخامة جوفاء شبيهة بقول شاعرنا:

ألقاب مملكة في غير موضعها …. كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

لم أستطع حينها، في تلك الغرفة الكئيبة شبه المعتمة كزنزانة أبي فراس الحمداني إلا أن أعزو هذه الأعراض إلى ارتفاع تركيزات الكالسيوم في الدم. والتفسير بسيط بساطة مأساتنا: فالإقعاد يجعل العظام بغنى عن الكالسيوم، فتقوم كرما منها بنقله إلى الدم ليمارس تأثيراته المَرضيّة. كان لكلية الطب على ما يبدو بعض الفوائد على الرغم من كثرة الحثالاث التي قامت بتدريسنا، الحثالات التي كانت تلميذة للنظام الحاكم الفاشي البارع في الفساد والاستبداد والاستهانة بأرواح العباد، والحثالة ــ كما هو مثبت معجميا ــ مشتقة من الحثل.

لسان عروة نفسه تضخم بما أعجز الفم عن استيعابه، لذلك كان يندلع خارجا كما لو كان يسخر من الوجود.

من ترجم كلمة dystrophy إلى حَثْل كان متضلعا من اللغة والطب. فالحثل سوء الحال، والمُحثَل هو سيئ التغذية والرضاع. وكأني بالشاعر الذي قال:

تُطعم فرخا لها سابغا …. أزرى به الجوع والإحثال

كان معنا يحضر المسرحية الهزلية التي ألفها موليير: “طبيب على الرغم من أنفه”

ثم إن المرض مبرمج بدقة روبوت ياباني: في السنة الثانية من العمر يظهر المرض، وهو يصيب أولا عضلات الطرفين السفليين وعضلات الحوض. يعاني الطفل من صعوبات في الوقوف والمشي. ثم يمتد الحثل إلى طرفيه العلويين وعضلات رقبته التي لا تعود تقوى على حمل رأسه، وعضلات ظهره التي تستبيحه التشوهات كالحدب والجنف. في الرابعة عشرة من عمره السعيد يصاب بالإقعاد التام، فيحتاج حينذاك إلى كرسي متحرك يجيد التنقل أفضل منه. ولأن ما سبق لا يكفي، يأتي دور عضلات التنفس. في بادئ الأمر، يكفيه قناع موصول بأسطوانة أكسجين، إن توفرت.  بعدها لن يفي هذا بالغرض، لا بد من إدخال أنبوب في عنقه، في الرغامى التي تقع تحت حنجرته تماما، وتطبيق ضغط إيجابي يستطيع ضخ الأكسجين إلى رئتيه بمقدار ذي بال يساعد على تحسين تركيز الأكسجين في دمائه الزرقاء/غير الزرقاء.

بعد هذه المسيرة المظفرة، يموت المريض في الرابعة والعشرين، بالدقة المبرمجة إياها.

– هذا ثالث أولادي حكيم، سبقه أخواه الأكبر منه.

وقد ماتا في الوقت المحدد ذاته: أربعة وعشرين عاما، ساعة ذَريّة. وأمام عروة ثماني سنوات ليلحق بهما.

لا يصيب المرض غير الذكور، والأب واع بذلك. لكنه مُصّر على إنجاب المزيد، أليست هذه أوامر الانتخاب الطبيعي وشهوة الجنس والبنين التي لا مفر منها؟ تقنيا، هناك فرصة تعادل خمسين بالمئة ليحصل على ولد يحمل اسمه ويرث ممتلكاته الخرافية. الأم تحمل المورثة دون أن تصاب بالمرض. ونصف بناتهن ــ وإن كن بالضرورة غير مصابات به ــ هن حاملات للمورثة المعطوبة. وسيورثنها لنصف أبنائهن الذكور الذين سيكون لهم مصير أعمامهم.

– لكني أظنك  تعرف أنه ما من علاج حاليا لهذا المرض.

– طبعا بعرف حكيم، جيتك عشان مشكلة تانية.

كان عروة يشكو من آلام في الخاصرتين، وخروج دم أثناء تبوله، وإمساك شديد، وآلام في بطنه، واضطرابات نفسية. لم أستطع حينها، في تلك الغرفة الكئيبة شبه المعتمة كزنزانة أبي فراس الحمداني إلا أن أعزو هذه الأعراض إلى ارتفاع تركيزات الكالسيوم في الدم. والتفسير بسيط بساطة مأساتنا: فالإقعاد يجعل العظام بغنى عن الكالسيوم، فتقوم كرما منها بنقله إلى الدم ليمارس تأثيراته المَرضيّة. كان لكلية الطب على ما يبدو بعض الفوائد على الرغم من كثرة الحثالاث التي قامت بتدريسنا، الحثالات التي كانت تلميذة للنظام الحاكم الفاشي البارع في الفساد والاستبداد والاستهانة بأرواح العباد، والحثالة ــ كما هو مثبت معجميا ــ مشتقة من الحثل.

لا علاج للمرض، لكن الأبحاث جارية، خارج اليرموك طبعا، وخارج الأرض المباركة الممتدة من خليج سادر إلى محيط خائر.

أما الخبر الجيد لمريض حثل دوشن، فهو أنه لا يعاني عوزا من أسباب الوفاة: عدم انتظام ضربات القلب، قصور قلب احتقاني، ضخامة عضلة قلبية، قصور تنفسي، ذات رئة… وإلى أن تحين تلك الحتمية الكالفينية أو الجبرية الأشعرية أو الكارما البوذية، ابتكر المجتمع الطبي شيئا أسموه نوعية (أو جودة) الحياة. إذ في انتظار موتك، وهو شيء حتمي إلى الآن سواء كنت مُحثَلا دوشنيا أم لم تكن، لا بد أن نساعد المريض على التخفيف من آلامه وكربه النفسي، أن نعينه في ممارسة نشاطاته الاجتماعية وتنمية هواياته، أن نرفع من معنوياته، أن نرفه عنه قدر الإمكان. هذا جميل جدا، وإنساني إلى أبعد حد. لكننا في مخيم اليرموك، جنوب دمشق، في الشام نفسها التي محمود درويش نفسه يعرف “من أنا وسط الزحام”.

ألفريدو فرّاري، ابن الشهير إنزو فرّاري، لم يكن أكثر حظا من عروة. كان مصابا بحثل دوشن، ومات ــ أيضا وطبعا ــ  في الرابعة والعشرين قبل أن تظهر علامتاه التجاريتان “دينو” و”فيات دينو” اللتان ــ يزعمون ــ أنهما صمم محركيهما. لا أدري إن كان إنزو تزوج امرأة من نوعية جيدة تجنّب ذكوره هذا المصير المشؤوم. أما نحن فكنا نريد أن نعيش أولا، ثم أتت نوعية الحياة أم لم تأت، فهذا رهن بعجلات اليانصيب.

حاشية:

Duchenne muscular dystrophy حثل دوشن العضلي DMD

اللوحة بعنوان: أركبُ كرسييَّ المتحرك على أرض أسلافي، للفنان: Greg Muir

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى