أثداء القاضية وثلاث ساعات في القصر العدلي

شارك القصة

كنتُ أقفُ على حافة الهاوية، كأنني ذلك الشبح، مصفرَ الملامح .. نعم أوائل عام 2012، استحالت ساحة الأمويين هاويةً في تلك الظهيرة، حوالي الساعة الثانية، ولم يحطني آنذاك سوى الدهشة، وضجيج أبواق السيارات.. وعابرون يتفرسون وجهي، ويتساءلون في أنفسهم” من هذا الذي يقفُ كالبهلول، بثيابٍ رثّة ووجهٍ صفعته جميع كفوف الزمن!

بعد أن شدّ أحد العناصر مرفقي بعنف ولؤم، من الذين كانوا يقتادونني في حافلة عسكرية تجاه التيه، ركلني آخرُ في منتصف ظهري، ركلةً يخالها من يشاهد هذا الموقف أنها سوف توشم شعار النظام السوري المقدّس لدى أتباع “بشار الأسد” في جسمي إلى الأبد؛ وهو البسطار العسكري الذي أصبح فيما بعد يضعونه فوق رؤوسهم تمجيداً للعبودية والتبعية العمياء التي يفرحون بها. 

في ساحة الأمويين، التي أعرفها جيداً، أكثر من خطوط كفّي، وقذارة هذا النظام السافل، جلستُ على حافة الرصيف، أمام “حديقة تشرين”، أتأمل الساحة، والسيارات، والغيوم المتلبدة في السماء المغتصبة؛ حافياً كنتُ، بلا حذاء، وأرتدي ثياباً ليست لي: البنطال كان ضيقاً بشكل مضحك رغم المأساة التي تحيق بي، والقميص كان بمقاس مصارع بوزن ثقيل.. لونه أبيض، لكن لكثرة الأوساخ وبصمات الكفوف التي مرّت عليه، اقتربَ لونه إلى الاصفرار الداكن، والرمادي المائل إلى السواد! 

لم أدرِ وقتها إلى أين أذهب! وأخذتُ أفكّر أكثر من ساعة، وأنا أتحايلُ على الوقت، وأشردُ تاراتٍ أخرى نحو طفولتي، أو أتنافسُ مع ذاكرتي بأن أستحضر النسيانَ كي لا أتذكر أياً من  تلك الأيام التي قضيتها تحت وطأةِ الجلاد، في المعتقل، والفرع 248 (فرع التحقيق) حينما نقلوني للتحقيق معي بالتهم الموجّهة إليّ، والتي تعدُّ من التهم الشائعة لدى دواوين المخابرات السورية، وأغلبها:” تمويل إرهاب، النيل من هيبة الدولة، التظاهر ضد الدولة وزرع الفتنة، مساعدة الجيش الحر والمسلحين.. وكانت التهمة الأخطر هي انتمائي لمدينة دير الزور، تلك التي تعارض حُكم المافيا الأسدية منذ السبعينيات.. وإلخ؛ من تهم مُعلّبة وجاهزة وممهورة بأختام “حافظ الأسد” قبل أن يقذف النطفة القذرة التي نتجَ عنها المعتوه “بشار” في مستودع (رحم) العفن الخاص بأنيسة مخلوف!

أظهرتُ القليل من الشجاعة، ووقفتُ لأمشي ببطء بعد ذلك نحو “مكتبة الأسد”، ولا أدري لماذا كل شيء في سورية تابع لعائلة الأسد؟! حتى المكاتب والمدارس والمعاهد والجوامع والمطارات، والبحيرات والضواحي السكنية..! هذا شيءٌ يدعو إلى السخرية في الوقت الذي يدعو أيضاً للألم.

كان الجدير والأحرى أن تسمّى بيوت الدعارة والمواخير والغرف المشبوهة والكازينوهات بأسماء أفراد عائلة الأسد.. فهي تليق أكثر بهم، وأجزم أنها أماكنهم الحقيقية. 

لا يوجد معي أي شيء، ولا أمتلك سوى الريح، وحتى ظلّي لم يعد يلازمني، هكذا شعرتُ لوهلة من الوقت! فأخذتُ أمشي مسرعاً، مهرولاً نحو “دار الأوبرا” التي تقابل هيئة الأركان حيث لم يبقَ منها ركنٌ إلا وانهار فوق رؤوس السوريين. كان العابرون راجلينَ أو في الحافلات ينظرون إليَ وكأنني كائن غريب، أو المتسول والمجنون الوحيد في دمشق! 

وأنا أعبر الشارع بوجلٍ وحذرٍ شديدين، تجاه الجانب المقابل لحديقة تشرين، أي مكتبة الطاغية الأب، كان رجلٌ أربعيني يأتي نحوي، فاستوقفته دون سابق إنذار، وبحركة لا إرادية أشرتُ بسبّابتي والوسطى إلى شفتيَّ، مضيفاً إلى تلك الحركة جملة قصيرة وسريعة” هل لديك سيجارة؟”.. ودون أن يتكلّم استلَ من معطفه علبة سجائر وأعطاني إياها مبتسماً ومضى بلا تساؤل وحتى أنه لم يضف كلمة!

لم يكن لدي “قداحة” أو أعواد ثقاب، فاتجهتُ إلى شرطي مرور يقفُ إلى جانب الدوار، الذي يتوسّط الساحة، وطلبتُ منه أن يشعلَ سيجارتي، فقام برفع الهراوة المُقلّمة في وجهي ورمقني بنظرةٍ حادة ونهرني بصوتٍ أجش قائلاً” الناس تستجدي المال، والحياة، وأنتَ تطلب مني أن أشعل لكَ سيجارتك، هل أنتَ مجنون، أنا أشعل لكَ سيجارة، من تظن نفسك، رئيس جمهورية، أمّا يداك مقطوعتان؟!”

كل كلامه كان غير صحيح، باستثناء تعاليه على مقام رئاسة الجمهورية، نعم، فهذا المقام الذي لوّثه وأنزل من قدره الدكتاتور القزم بشار الأسد، من الجدير به أن يُقارن بمنصب شرطي مرور!

لا يوجد معي أي شيء، ولا أمتلك سوى الريح، وحتى ظلّي لم يعد يلازمني، هكذا شعرتُ لوهلة من الوقت! فأخذتُ أمشي مسرعاً، مهرولاً نحو “دار الأوبرا” التي تقابل هيئة الأركان حيث لم يبقَ منها ركنٌ إلا وانهار فوق رؤوس السوريين. كان العابرون راجلينَ أو في الحافلات ينظرون إليَ وكأنني كائن غريب، أو المتسول والمجنون الوحيد في دمشق! 

جلستُ عند حافة نهر بردى، قبل “جسر الرئيس” (الخسيس)، أتأملُ مراتٍ أخرى الناس، وهم ينظرون إليَ، منهم باحتقار، ومنهم بعطف وشفقة!

وبعد مضي نصف ساعة من ذلك، صاح بي صوتٌ إلى جانب الطريق” شو عم تعمل هون يا حقير؟” فلم أصغِ بعد ذلك للكلمات البذيئة التي تقيّأ بها شابان في مقتبل العمر، وكل ظني أنهما يوجهان الشتائم لشخص سواي!

وما هي أقل من ثوانٍ حتى تدحرجتُ على الأرض جرّاء ركلة ليست شبيهة بتلك التي وشمتْ شعار البسطار العسكري في منتصف ظهري منذ ساعات في ساحة الأمويين..

اقتاداني من مرفقيّ مع قبضة شديدة ومُحكَمة تحت خاصرتي تمسك بي من قماش بنطالي، أمام الناس، وكأنني مجرمٌ خطير، بعدما طلبا بطاقتي الشخصية، وعرفا أنني من دير الزور. أخبرتهما أنني كنتُ معتقلاً، ولستُ شحاذاً أو متسكعاً، وهذا ما زاد على الموقفِ عنفاً أكثر، فأخذا يصفعاني بالتناوب، وهما يتبجحان أمام الفتيات العابرات” هذا إرهابي، إرهابي، من جماعة إسقاط النظام“.. وخلال دقيقة تجمهر حولي عشرات الناس، منهم من يركل، وآخر يصفع، وغيره يبصق، مع عبارات وطنية وشعارات تمجد بشار والوطن، وزغاريد وهلاهيل، وكأنهم ألقوا القبض على طيار إسرائيلي هبط بمظلته عند جسر الرئيس!

حاولتُ الدفاع عن نفسي، وتفادي بعض اللكمات والبصاق والركلات، لكن، لم أحظَ إلا بأضعاف ذلك، حتى انتهت الجولة الأولى وأنا ألهثُ، على الأرض، مثل جاموسٍ نحيل خارت قواه وانطفأت عيناه بين فكّي مفترس، أو طائرٍ مرتجف تحت مخالب ومناقير كواسر جائعة!

كان الشجاعان من عناصر الأمن، الذين يتخفّون بين الناس على أنهم مدنيون، لكن، ودون شك، كل عناصر المخابرات في سورية، أي شخص غبي على استعداد أن يكتشفَ أمرهم من مسافة خمس مدن وعشرة أمتار، لفرط غبائهم وتبجّحهم بانتمائهم القذر لهذه المؤسسة الدموية في نظام الأسد. 

وصلتُ إلى مخفر شرطة عرنوس، بعد أن تم إيداعي في سيارة دورية تابعة إليه، كانت قريبة من الحدث التاريخي لدى أحباب القائد، طبعاً، لم أستغرب مطلقاً أنهما لم يقتاداني إلى الفرع الذي ينتميان إليه، فهما قاما بضربي بشكل دموي مع المشجّعين، وعدا عن ذلك، سمعتُ أحدهما يقول للآخر” لك مجنون هنت، كيف ناخدو ع الفرع ونحن على أساس بإجازة بالضيعة“.

في المخفر، قال أحد عناصر الدورية لرجل يجلس وراء مكتبه برتبة مساعد أول” سيدي، هذا الشخص تم جلبه إلى دوريتنا الطيارة (أي التي ليس لها مكان محدد) من قبل عناصر فرع المنطقة 227 وقالوا لنا إنه كان موقوفاً، وليس لديه ورقة إخلاء، ماذا نفعل به؟”

أجاب المتكرّش بعد أن استنهضَ الكتل الدهنية في جسمه بصعوبة ومشى نحوي ” شو كنت عم بتساوي بالفرع يا حيوان؟”

كان بودّي أن أقول له” كنت بزيارة تفقدية للزهور والنباتات الجميلة هناك”.. لكنني بقيتُ مطبقَ الفم، بعد أن أشحتُ بوجهي جانباً.

صفعني ابن الزانية بظاهر كفّه التي “تتزيّن” بخاتم كبير يشبه خاتم حاخام الولي الفقيه “الخميني”!

رعفَ قلبي قبل أنفي، جيداً، ولم أجب، سوى ببضع تمتمات تتضمّن شتائم طالت بريطانيا وعائلة الأسد. 

أقفلَ راجعاً إلى كرسيه وراء مكتبه، وهو يسحل بردفيه مثل ذكر الفقمة البليد، ببطء، مع رائحة تعرّق من إبطيه وجسمه، خلتها وقتها رائحة كبريت محترق، أو بخور إيراني قذر.

محكمة، وإخلاء سبيل، وخطأ …؟! لا أعرف، كل شيء في هذا الوطن جاء بمخاض عسير، ولربما تتوالدُ الحياة في سورية من الوراء، خلافاً للطبيعة تحت ظل القيادة الحكيمة!

رفع الكائن الدهني سماعة الهاتف واتصل بجهة مجهولة، أعطاهم رقم بطاقتي الشخصية، واسمي الثلاثي، مع اسم أمي، وهو يهزّ برأسه وينظر إليّ ويبتسم مثل ثعلب وقع بين مخلبيه ديكٌ أضاعَ جهة الفجرِ والوقت، والزمن!

أثناء ذلك، كنتُ أجول بنظري في الغرفة، وأتفحص الأثاث، وصور الدكتاتور حافظ الأسد وجروه بشار، مع صورة قديمة (أسود وأبيض) لعائلة ما، أظنها كانت عائلة ذاك المتكرّش.

قال البليد لعنصر يقف أمام الباب” خذه إلى الأسفل وغداً نحوّله للمحكمة، فهو لم يخرج بإخلاء سبيل، لربما هناك خطأ ما”…!

*محكمة، وإخلاء سبيل، وخطأ …؟! لا أعرف، كل شيء في هذا الوطن جاء بمخاض عسير، ولربما تتوالدُ الحياة في سورية من الوراء، خلافاً للطبيعة تحت ظل القيادة الحكيمة! 

بقيتُ ليلة في “غُريفة” صغيرة، تكاد تتسع لخروف ينتظر مذبح العيد، حتى أخذوني في اليوم التالي إلى “قصر العدل” القريب من سوق الحميدية، وقامت بالاطلاع على قضيتي عاهرة (قاضية تضع حجاب القبيسيات) بعد انتظار طال أكثر من ثلاث ساعات، فقالت لي أمام الشرطي الذي كان يرافقني مع زميله ” إخلاء سبيل، أنت مفرج عنك من الفرع، لكن قد نسوا أن يمنحوك ورقة تبيّن ذلك، لكن، اطلب الرحمة والمغفرة من المحكمة وسيادة الرئيس كي تبصم على الإفراج..”

قد نسوا.. ها؟ نعم، ثمة هنالك آلاف المعتقلين طي النسيان، ومنهم من استحال إلى حجر أساس في سجون الطاغية الأب والابن!

أغضبني ما تقيّأت به تلك القحبة، فصرخت بها بجنون وأنا أشتم حجابها وسيادة الرئيس والكرة الأرضية والعالم، ولحسن حظي أن الشرطي الذي كانت يدي مغلولة إلى معصمه (درأً لهروبي) كان متعاطفاً معي، فقد منحني مكالمة من هاتفه قبل دخولي عند تلك العنزة الجرباء، فاتصلتُ بصديقي الدكتور غازي موسى، وكنت أتذكر رقمه، فهو سهل الحفظ؛ أخبرته بتواجدي في القصر العدلي، فقال لي إنه سوف يأتي عاجلاً، وفعلاً، لولا تدخّل الدكتور غازي وذاك الشرطي، وإخبارها أنني مصاب بلوثة جراء الاعتقال، لكنتُ قد عدتُ إلى أحد كهوف الموت، بتهمة شتم أثداء القاضية القبيسية، والنيل من شرف قائد الأمة ورمز سوريا القائد ذيل الكلب المناضل و والقواد بشار الأسد. 



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

كم الساعة الآن في قلب الفراشة؟!

أخطأتُ بلفظ اسمي مرات عديدة، و أمسكت بأطراف الحروف أستجديها، لما تهربين، صحبة عمر تجمعنا منذ أشرقت مدينة دمشق في عيني، منذ اعتدت اصطحاب الكتب كل مساء بدل أحاديث النسوة في قريتنا، و كتابة أحلامي في قصيدة عبثية بدل الإسرار بها لفتاة ثرثارة من بنات الجيران. فهناك لا وقت للثرثرة،عليك أن تعرف من أنت و […]

اعرض المزيد

دليل راقصة التعري إلى علم الأخلاق

حين مثلت “ديمي مور” دور البطولة في فلم “ستربتيز” وأدت ببراعة دور راقصة متعرية، احتاجتْ قراءة الرواية وزيارة كثيرٍ من أندية التعري في الولايات المتحدة للتعرف الحقيقي بهذه المهنة وممتهناتها. المسألة علم ودراسة، وإن كان بعضهم يرى في هذا نقصا في الموهبة الفطرية أحوجها إلى التعلم بدل الانصياع إلى الغريزة. وقد يفسر هذا لم حاز […]

اعرض المزيد

سقوط الجهات في مخيم اليرموك

كان عليه أن يأخذ موقعه كالصياد الحاذق لكي يفهم دمشق جيداً، فلا هي تبتلعه إذا يغشاها طافح الشوق واللهفة ولا هي تنكره إذا انزوى عنها مثقلاً بوجل الفلاح وريبة الريفي، لذلك انتقى أن يركن إلى قاع سرها وقبة كنهها، اختار الخاصرة حيث الرؤية الأوضح في النقطة الأكثر صفرة، اختار مخيم اليرموك. في الواقع لم يكن […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories