أعطني خبزا

شارك القصة

كثيراً ما شعر بانتماء غامض للنوارس على الرغم من تقززه المستبطن منها كطيور متسولة تزدحم حول السفن التي تقل السياح من ساحل إمينونو إلى جزر الأميرات في إسطنبول، إنهم يلقون لها فتات خبز السمسم في الهواء (يسميه الأتراك simit) فتحوم وتناور وتنقض كأنها حيوانات سيرك مدربة، كما أنه يرى في التهام السمك الطازج بحراشفه وأحشائه إشارة إلى تدني الذائقة لدى طيور شديدة القرب من البشر حتى أنها تتحرش بهم على مدار اليوم في القوارب وعلى السواحل وفوق ازدحام المدينة نهاراً وصخبها ليلاً، ففي أحد المرات استهدفه نورس بقذيفة من فضلات الأسماك المهضومة فأصابه في كتفه الأيمن وهو واقف على الإشارة المرورية قبالة Historya mol، لقد كانت أكبر من أن يتجاهلها أو يزيلها بمنديل، وحين أسرف في شرب الكحول نسي الشباك مفتوحاً فأفاق على أصوات أربعة نوارس تحوطت سفرة البارحة كأنها ندماء عتيقون، لكن حدساً يقترب من التيقن يتملكه بوجود قواسم مشتركة بينه وبينها، لذلك تراه يخرج قطع الخبز الآخذة في التعفن من برّاده الصغير ويصعد إلى التراس فيرمي لها الأرغفة فوق سطح غرفته الصغيرة في شارع الاستقلال، إن خوفه من انقطاع الخبز أصبح مرضاً يستدعي زيارة طبيب نفسي، فهو لا يستطيع أن يشتري أقل من ست ربطات خبز يومياً، ويأكل كمية مضاعفة منه، أحياناً يصنع سندويشة خبز بالخبز فيلتهمها ولم تكن قد مرت ساعة على تناوله وجبة مشبعة، وهكذا أصبح للنوارس حصة يومية لا تقل عن أربع ربطات خبز، حتى صار إطعامها فقرة ترفيهية يمارسها كلما استفاقت ذكرياته أو أحس بالوحدة والضجر، إلا أنها لم تكن كذلك بادئ الأمر، بل كان الخوف هو الدافع الحقيقي وراء نبله وكرمه، فجدته كانت تقبّل كسرة الخبز بذات القدسية التي تقبل بها القرآن الكريم، وكان أبوه يذعر وتجحظ عيناه إذا رمى أحد إخوته رغيف الخبز للآخر الذي يقابله عل المائدة، أبوه علمهم أن الخبز نعمة مقدسة وإهانتها أو الاستهانة بها من المحرمات التي تحل الفقر والسخط سواء أكانت بشكل مقصود أم غير مقصود وتحت أي ظرف أو سبب، أما أمه فكان لها إصرار عنيد لم يكسره الزمن على شيئين؛ الأول ألا تبقي أي حذاء، كبير أو صغير، مقلوباً لأن أرض الحذاء يجب ألا توجه إلى السماء، والثاني أن ترفع أي قطة خبز وقعت على الأرض فتمسح ويسمى عليها ثم تؤكل دون قرف أو خوف، وليست وصايا الأمهات متشابهة في ذلك، فجارتهم وداد كانت تضرب أياً من أبنائها بقوة على ظهر يده إذا ما هم بأكل قطعة خبز وقعت على الأرض وتصرخ في وجهه: “لحسها إبليس يا حمار”، وقد اعتاد وصايا أمه حتى ظنها طبيعة جبل عليها ولا يمكن لشيء أن يغيرها.

لم يدرك هو ولا أبناء جيله أيام خبز الذرة أو خبز الشعير أو الخبز المخلوط (قمح وشعير وذرة)، لكن أمه داومت على خبزه لأولادها بين فترة وأخرى في التنور المتكئ على الحائط الشمالي لغرفة المعيشة في بيتهم القديم، فيغمسون لقمه السميكة بزيت الزيتون ويغبون وراءه الشاي الفاتر، وترسل بعضاً منه إلى الأعمام والأخوال فيستقبله هؤلاء بحفاوة لا تخلو من امتنان وكأنه خبز المناولة في قداس غير معلن، أبوه كان يقول: “امضغوه بقوة، فهو يقوي الأسنان ويبني عضلات كأفخاذ العجول”، في الحقيقة كان يقول: “كأفخاذ الحمير”، تلك الأيام كانت مهرجانات على حجم العائلة بالنسبة للصغار، ولعلها، بالنسبة للكبار، كانت أشبه باستحضار تراجيدي مقدس للأيام القاسية التي تعبر عنها أرغفة خبزها الصلدة كالآجر، فيما بعد رحلت الجدة مكتملة التعب؛ ولدت وماتت فيه، أما الأب والأم فقد ركنا إلى هدوء الشيخوخة، وآن للأبناء أن يحملوا العبء.

إن خوفه من انقطاع الخبز أصبح مرضاً يستدعي زيارة طبيب نفسي، فهو لا يستطيع أن يشتري أقل من ست ربطات خبز يومياً، ويأكل كمية مضاعفة منه، أحياناً يصنع سندويشة خبز بالخبز فيلتهمها ولم تكن قد مرت ساعة على تناوله وجبة مشبعة، وهكذا أصبح للنوارس حصة يومية لا تقل عن أربع ربطات خبز، حتى صار إطعامها فقرة ترفيهية يمارسها كلما استفاقت ذكرياته أو أحس بالوحدة والضجر،

دمشق تستقبله وتودعه كل أسبوع بأفران السلام على بعد مئة متر من كراج باب مصلى في ذهابه وإيابه بين أقصى الريف وبين كلية الطب البشري التي أصبح طالباً فيها، وفي نهاية كل أسبوع يعمّر حقيبته بثيابه المتسخة ومن أمام السكن الجامعي في حي المزة يتجه إلى الكراج مستقلاً حافلة (الدوار الجنوبي) لقاء أربع ليرات سورية، أما كيس الكعك المحمص المطرز بالسمسم وحبة البركة فقد صار مثل رشوة ضمنية لأمه التي تأمر فور وصوله بإعداد إبريق شاي كبير وإخراج الملابس من الحقيبة ومن ثم غسلها، 

  • يا الله ما أطيب الكعك بالشاي؛ قال في سره وهو يرمي الخبز للنوارس الزاعقة

كانوا يغمسونه بالحليب قبل أن يبيع أبوه آخر بقرة لديهم، غير أنه يفضله بالشاي 

  • في الشاي طعمة أمي، يذوب لونه من التعب المتيبس في أصابعها، ويأخذ رائحته من حوشنا الذي أطعمته زبل الأيام فأهداها شجرتي رمان وشجرة ليمون وشجرة توت وشتلات ورد صغيرة في أحواض نسجتها من فضلات البناء؛ همس أيضاً.

دارهم ذات الثلاث غرف أخذت تكبر، وأمه كذلك، وكلما كانتا تكبران كان الخبز يصبح أكثر بياضاً، وحين اكتملت الدار بطوابق عدة وساحة كبيرة وسور من الحجر الأزرق يحيطها بكل أناقة انفجرت قنبلة الخبز السياحي؛ إنه خبز سحري لا ييبس، حتى إذا تعاقبت عليه الأيام ويبس فما عليهم إلا أن يسخنوه قليلاً فيعود طرياً كما لو خرج لتوه من الفرن، يقولون إنه معجون بالحليب، وبعد أن وجد جارهم أبو محمد ذيل جرذ على أحد أرغفة الخبز التي اشتراها من فرن البلدة أصبح الخبز السياحي المعتمد الرسمي في بيتهم خلا أيام نهاية الأسبوع حيث يجلب معه الكعك وخبزاً شامياً من أفران دمشق الاحتياطية.

الأفران السياحية كانت تحاصر دمشق من أبوابها وتزدحم في جوفها، من أفران شمسين وتفاحة إلى أفران طيبة وابن العميد …، لا تقلقي أيتها المدن العريقة فالفلاحون يجلبون لك القمح لكي تبيعيهم الخبز، رائحة الرغيف لن تغيب عن هوائك ولقمه لن تنقطع عن أفواه أبنائك الطيبين..!، أما هو فقد انتهي به المطاف خلف أفران حمدان في مخيم اليرموك، وعلى الرغم من تجاورهم الطويل إلا أنه لم يشتر منه سوى مرة واحدة ولم يكن خبزاً بل القليل من البيتيفور في صباح ألحت صديقته من أجل بعضه إلى جانب فنجان قهوتها السادة، وفي الحارة التي تلي أفران حمدان إلى جانب عطورات القرشي كان هناك محل صغير افتتحه شاب عراقي تنوراً لبيع الخبز العراقي الطازج، وقد أحبه وأدمنه حتى ليتجاوز ما أكله هناك الألف رغيف، بعشرة ليرات سورية يشتري خمسة أرغفة وبعشرة أخرى يشتري إثني عشر قرص فلافل من (فلافل طيبة) تحت بناء فريج، ما زال طعمها في فمه حتى هذه اللحظة، كثيراً ما أكلها لوحده وأحياناً مع الأصدقاء، لا تؤكل الفلافل إلا بهذا الخبز الأسمر، أما الخبز السياحي فهو يصلح للجبنة المائعة والزبدة السائحة فقط، وحين استعصى عليه الحصول على لقمة منها ولو بمال الأرض داوم على رؤيتها في أحلامه؛ الفلافل تقرمش متحطمة تحت الأضراس ويداعب اللسان إسفنج الرغيف الدافئ، يتقعر باطن الفم ثم ينقبض حتى يلامس اللهاة فتنزلق اللقمة إلى البلعوم فالمريء لتسقط في جوف المعدة كالماء فوق النار، يمضغ لقمة أخرى فتحتك جدران فمه الجافة وينزلق الهواء البارد في حلقه اليابس، صوت مؤذن الجامع القريب يكاد يبقر طبلة أذنه، إنه الفجر، أي برد جديد وجوع جديد، ينسل الطعم والدفء من فمه كأنهما حقيقة، متكاسلاً يطوي اللحاف ويرميه مع الوسادة إلى زاوية الغرفة البعيدة عن المدفأة التي لم تعد هي ايضاً تجد شيئاً تأكله فبدأت بالتهام قطع خزان الماء البلاستيكي بعد أن ثقبته شظايا القذائف، أكثر من كان يحتاجه في ذلك الوقت هو الله، فلا بد من قوة خفية تدبر له وجبة اليوم، أصبح الصنبور في المرحاض العربي تحت الدرج مصدر الماء الوحيد لديه، فيعبئ منه ما يكفي للشرب ويتوضأ ثم يصلي الفجر مستغرقاً في السجود مخلصاً في التضرع والتوسل من أجل الحصول على كيلو خبيزة وتأمين طريق للهرب من المنطقة.

يركب دراجته الهوائية ويشق الهواء الذي يكاد يتجمد، وتعانده الريح أحياناً فيضطر للتوقف حتى تهدأ، ثم يتابع طريقه إلى شارع العروبة وشارع بيروت عله يحظى بمغامر أو مغامرة قضت الليل في جمع الفجل أو الخبيزة من المساحات الزراعية المكشوفة أمام القناصين فيشتري منه/ها كيلو أو إثنين، وما إن يعود إلى البيت مظفراً أو خائباً حتى يكون البرد قد تغلغل إلى مفاصله غير مكترث بطبقات الملابس التي يرتديها، فهو يرتدي سترتين فوق كنزة وقميصين وكذلك سروالاً صوفياً أسود تعوّد جلد فخذيه على خشونته، فوقه بيجامة adibasكحلية اللون وجدها في غرفة نوم البيت الذي يسكنه دون أن يعرف أصحابه، وفوقه بنطلون جينز حديدي اللون كان قد أهداه إياه عيسى موظف التعقيم في مشفى فلسطين قبل أن يغادر مخيم اليرموك إلى دمشق في آخر الساعات قبيل فرض الحصار على المخيم، هذا العيسى أسمر في ذقنه القصيرة شيب رزين، لكنه على عكس هيئته ممتلئ بالضجيج والصراخ والضحك كأنه لا يأخذ الحرب على محمل الجد، يتابع عمله اليومي في تعقيم الأدوات الجراحية والأرواب والشاش ليحزمها في حقائب جاهزة للاستخدام مباشرة في غرفة العمليات، وكلما ذهب إلى دمشق عاد محملاً بربطات الخبز من فرن الزاهرة أو السبينة بحسب طريق عودته، وبعد عيسى، أي بعد إغلاق جميع الطرق المؤدية إلى المخيم، لجأ المحاصرون إلى  خبز العدس، نعم خبز العدس، ولم يختر المحاصرون العدس عن فطنة لكن كميات كبيرة منه وجدت في حي القدم، في البدء كان ثمن كيلو العدس معقولاً لكنه لم يلبث حتى تجاوز مئة ضعف ثمنه المعتاد، ومسحوق العدس لا يعجن إنما يمزج بالماء حتى يصبح سائلاً ويسكب على صفيح رقيق فوق مدفأة أو تنكة معبأة بالحطب المشتعل كما تسكب عجينة القطايف، ولون خبز العدس يقترب إلى الترابي وفيه ملوحة أصيلة، وهو هش لا يشبع ولو كثر، غير أنه كان حلاً لتناول ما توافر من أطعمة تغمس بالخبز، وما إن انتهت بقية المؤن من المنازل حتى نفد العدس من المنطقة وإن وجد فبمبالغ فاحشة حد العهر. 

يعلن الحصار موسمه البائس كمزحة سمجة، ككذبة أول نيسان، في البداية لم يقم له أي اعتبار، لم يتخيل أن الناس ستموت جوعاً، وأن الرغيف سيصبح أمنية الأماني، وأن مجانين سيستبدلون علبة سجائر بأثاث منازلهم، لكن شيطان الجوع كان أمكر من ملائكة ظن أنها ستقاتل إلى جانبهم على الجبهات، وستعجن غيماً وتقدمه لهم خبزاً سياحياً سماوياً، قالوا إنهم رأوا الملائكة على أحصنة بيضاء يقاتلون في الغوطة الشرقية، لكن الغوطة حوصرت بعد ذلك، إذاً تغلب الشياطين على الملائكة من جديد، ولأن الشياطين هم أسياد الموقف في الحصار فهم لا يوزعون الجوع على الناس بالعدل، فالبعض يموت جوعاً بالفعل، والبعض ينال من الطعام ما يستلزمه الشهيق والزفير ليس إلا، لكن البعض خفف من مقدار طعامه اليومي على سبيل التخسيس الجبري لا أكثر من ذلك، ففي أحد الأيام جمع ثلاث عرىً من عرى بنطلون الجينز الذي يرتديه فوق السروالين الآخرين بسبب نحوله الشديد وذهب لزيارة أحد المصابين في تشكيل عسكري معروف، وبعد كشفه على الجرح البليغ في رجله همّ بالانصراف بسبب مشادة كلامية بينه وبين أحد الشرعيين الموجودين في الغرفة، وبينما هم يحاولون إقناعه بالبقاء فتح الباب فإذا برجل يحمل إناءً ممتلئاً بالمجدرة، فجحظت عيناه وارتخت شفتاه، حتى أنه أحس بشيء من الانتصاب في شيئه، ثم أحضر الرجل طاسة كبيرة مملوءة بالفول مع اللبن يغمر وجهها زيت الزيتون، لكنه أصر على الانصراف، لا لأن الناس خلف تلك الجدران لا تجد شيئاً تأكله، بل لأنه شعر بأن الشرعي الذي جادله حول اختطافهم لأحد الأطباء الإسماعيليين من مشفى فلسطين سيهزمه بالطعام، لا بد أنه شديد الجوع ولن يستطيع مقاومة رائحة البرغل المطبوخ وبريق زيت الزيتون فوق الفول باللبن 

  • اعذرنا يا دكتور، لم نجد بصلاً لنزين به المجدرة؛ قال له الشرعي وفي عينيه خبث وزهو 

كان قد وقف وتوجه إلى الباب فلم يرد عليه، فإذا بالرجل يدخل مرة أخرى حاملاً أرغفة من الخبز ، “إنه خبز تنور طازج، آه ما اشد حماقتي، ما لي ولاختطاف الأطباء ومجادلة الشرعيين، أليس هذا خبزاً، ألا يجب أن نقبّل الخبز حتى وإن كان على الأرض؟!، آه يا وصايا الأمهات” ازدحمت الأفكار والعبارات والذكريات في رأسه، لكنه لم يكن يستطيع التراجع عن موقفه بعد أن أمسك قبضة الباب بيده وسكتت الأصوات التي تدعوه للبقاء، كفر بتلك الأرغفة وما زالت رائحتها تحفر أنفه كالإزميل، مشى مبتعداً ومحمد شكري يتجسد أمامه كما هو في روايته (الخبز الحافي)، حين أعاره إياها زميله في الصف العاشر أحمد الهنداوي من مكتبة أبيه كان لها إيحاء جنسي بحت، وعنوانها يرسم في رأسه رغيف خبز مبللاً بالدبق وسوائل المشردين والنشالين والمهربين على أفخاذ نساء الليل في المواخير الرخيصة، لكنه في تلك اللحظة رأى رغيفاً حافياً حتّ الجوع وجنتيه وأردافه وحفر بين ضلوعه أثلاماً متسقة متوازية دقيقة كأنها مصنوعة بيد الخالق، رأى محمد شكري الجائع ينظر إلى أحد الصيادين يأكل رغيف خبز محشي، فيقاسمه الرغيف في خياله، وحين يرمي الصياد بقية الرغيف إلى الماء يقفز محمد ويطفو حوله، فيتفاجأ بمجرور الماء الذي يصب هناك، يهرس الرغيف بيده وتختلط نتف الخبز بالخراء الآدمي وزيت القوارب، تنزلق قدماه عدة مرات قبل أن يستطيع الخروج من الماء وتخور قواه، يناديه الصياد ضاحكاً ليعطيه الخبز لكن محمد يدير ظهره وطعم الزيت والخراء في فمه، كذلك هو، أحس الهواء ضيقاً وخطاه عالقة في ماء آسن وحلقه يتورم ويختنق، إنه البكاء العصي ينحبس فتولد التخثرات في الشرايين الصغيرة ويبدأ الموت البطيء.

البرد يصبح أشد طعناً، الهواء يواجهه بصدره العاري ولا يستطيع دفعه، يخاتله بين الحارات حتى يصل إلى معرض لرسوم الصغار في مخيم اليرموك، بعمر سبع سنوات رسمت طفلة دبابة تقف بينها وبين رغيف الخبز، لو كان به طاقة على الكلام لقال لها:

  • أضيفي شرعياً إلى الدبابة

 لكنه بالكاد مسح على رأسها فباغتته نوبة دوار أمالته على الحائط موقعاً رغيف الخبز والدبابة والشرعي، فهمهم: 

  • لست أنا، إنه الجوع 

وانزلق إلى جانب الجدار جالساً حتى استعاد شيئاً من التوازن يكفي ليعود إلى البيت. 

نوبات الدوار هذه بدأت بالتسلل إلى رأسه كاللص، وكل يوم تأخذ راحتها أكثر فأكثر كأنها صاحبة البيت، وذات يوم توضأ للصلاة التي أصبحت أصدق وأطول، ففاجأه الدوار فور وقوفه في المرحاض تحت الدرج وكاد يقع، قال كأنه يحدث نفسه: 

  • إلا الموت هنا 

وتهالك على حافة الدرج متداعياً نحو الغرفة، فوقعت عيناه على كيس في أقصى الزاوية تحت الدرج، وانخفض من فوره لجلبه متجاهلاً الدوار، فنفر جرذ بحجم قط وحام حول بعض الكراكيب قبل أن يمر من بين رجليه ليواجه المرحاض فينتفض طرفاه الخلفيان وينبسط الأماميان ويرتخي ذيله من خلفه قافزاً كسباح أولمبي إلى منتصف فتحة المرحاض تماماً، شعر بقرف شديد وانصرف عن الكيس، لكنه عاد إليه في صباح اليوم التالي، كان ممتلئاً بالخبز اليابس منذ عهد طويل، يغطيه العفن وينبض الدود في قطع من السمون المحشوة بشيء لا تمكن معرفته، انتقى القسم الأكبر منه بعد نفخ ومسح واجتزاء، ثم صعد إلى السطح ونشر عدة قطع من الخزان البلاستيكي وعمد إلى المدفأة فأوقد النار فيها بعد عناء، وغمر الخبز بالماء في طنجرة وضعها فوق المدفأة وأفرغ فوقها علبة سكرين كاملة (مُحلّ صناعي)، استغرق غليانها وتبخر الماء الزائد قرابة الساعتين، عاش فيها أحلاماً عظيمة مع طنجرة من (الهيلطية)، هكذا تخيل النتيجة، إلا أنه لم يستطع حتى النظر إليها، وهمّ برميها فإذا بالباب يطرق، إنه خالد أحد الممرضين المتطوعين في مشفى فلسطين الذي لم يستغرق أكثر من دقيقتين لالتهام ما في الطنجرة، بالطبع لم يخبره بأية تفاصيل تزيد عن أنه خبز يابس بالسكرين، انتظر متوقعاً أن مغصاً سيمزق أمعاء خالد الذي انصرف بعد عدة ساعات بضحكة عريضة وشكر وامتنان مفرطين 

  • ما أشد حماقتي، لماذا لم آكلها؟، ألا لعنة الله على الدبابات وعلى الشرعيين وعلى خالد كذلك، وعلى الجرذ الذي جعلني أراه 

قال كل ذلك في نفسه وهو يودع خالد ويوصيه بالإكثار من الزيارات.

الدوار يسيطر على رأسه وعيونه، الوضوء أصبح تيمماً، الصلاة أصبحت في وضع الجلوس طويلة لا حد لها، جارتهم وداد ووصاياها بإبليس الذي يلحس الخبز تجول في غرفته

  • إبليس يلحسك، ماذا تعرفين عن إبليس والخبز يا حمارة؟!

يحدثها بصوت مرتفع فلم يعد أحد يزوره غيرها، الموت يتلصص من ثقب الباب ويصغي بسمعه من النافذة وراء ظهره، سيدخل برجله اليسرى بطيئاً ومملاً، إنه يطرق الباب:

  • دكتور.. دكتور 
  • من؟
  • أنا بحري، خالتي أم محمود تريد أن تراك في بيتها

زحف حتى بلغ الباب ففتحه:

  • أهلاً بحري، ماذا تريد أم محمود؟
  • لا أعرف

لم يزل مرتدياً ذات الملابس منذ عدة أيام، غسل وجهه بماء متبقٍ في قنينة بلاستيكية مقعرة من كل جانب، بينما ساعده بحري في البحث عن قبعة صوفية، ركب وراءه على دراجته الهوائية، كان الليل قد سقط بجثمانه على حارات المخيم الموحشة الصامتة، أصوات مولدات الكهرباء بدأت تعلو معكرة صفو الأحياء والأموات، لم يترك بحري أي حفرة في الطريق إلا ومر فيها فكاد حديد الكرسي الخلفي للدراجة يكسر عظامه التي انسل الشحم واللحم من حولها.

بعد صوتين: – عيشة.. عيشة

أرخت أم محمود حبلاً ربط إلى طرفه دلو صغير وضعت فيه المفتاح، ليس (عيشة) اسمها الحقيقي، إنه اسم أمه يناديها به لأنها لم تكن له أقل من أم، على كل حال لم يكن اسمها بعيداً كثيراً فهو (عائشة)، كان الباب مفتوحاً حين أوصله بحري إلى الطابق الثاني حيث بيت أم محمود، وعلى غير عادتها لم تكن على الباب لاستقباله، أما بحري فنزل الدرج مسرعاً وهو يصيح:

  • أوصلت الأمانة كما طلبت يا خالتي، سلام يا دكتور 

ردت أم محمود من المبطخ:

  • سلمت يداك، تفضل دكتور، أدخل واجلس 

لكن كل شيء سقط من حواسه حين رآه، فلم يسمع شيئاً مما قيل، ولم ير أي تفصيل في الصالون، كان هناك في أقصى البصر منفرداً على راحته منتظماً كأنه مرسوم على ورقة، واضحاً كأجنحة النوارس، هل هو حقيقة، أم أن الموت جاء في شكل بحري؟!، ربما هو الموت، وأي شيء تستقبل به السماء الجوعى خير من رغيف خبز؟، طفا على هواء هش، تقدم باتجاهه كأنه مركز الجاذبية الوحيد، ليست قدماه من تمشي الآن إنما رغبة البقاء ووصايا أمه، امسح.. قبّل.. سمِّ.. كلْ، إنه حقيقي، يا الله، خبز حقيقي، خرجت أم محمود من المطبخ وفي يدها قطعة من الحلاوة وضعتها فوق الرغيف:

  • كله.. سأعود بعد قليل، أنا أطبخ مجدرة، سنتغدى سوياً اليوم
  • مجدرة؟! ألا يوجد فول؟
  • فول؟!، لا يوجد فول في المنطقة منذ شهور، ولا يوجد في الكراتين فول كذلك
  • يوجد فول، وباللبن أيضاً، ولكن عن أية كراتين تتحدثين؟
  • لقد دخلت اليوم كراتين مساعدة إغاثية 

أجابت مبتسمة، وأدارت ظهرها عائدة إلى المطبخ

نفدت حصة النوارس من الخبز لهذا اليوم، كان قد ارتدى ملابسه قبل أن يبدأ بإطعامها، فهو على موعد مع خالد، سيتناولان الفول باللبن في مطعم بوز الجدي في منطقة الفاتح بإسطنبول، ولا يخطر في بال أحد أنه سينسى شراء ست ربطات من الخبز.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

لم يمت جدي

كان الصباح باكراً جداً على ما أدركته يومها، حينما كان دوري في السهر على جدي المريض وحمايته من نفسه المتمارضة. اقترب مني حيث كنت جالساً وبدأ يضغط على أزرار حاسوبي بطريقة عشوائية بحثاً عن الزر الذي سينهي حياته، ليسألني بعدها عن رقم هاتف حارس المقبرة كي يدفنه في القبر الذي اشتريناه إلى جوار قبر أخي […]

اعرض المزيد

ذكريات محجورة في الرأس

أصبحت أكلم نفسي كثيراً، لم أعد أكلم الورق، ما عدت أرغب أن أثقل كاهله بكل الذكريات المؤلمة التي تجول مخيلتي كل حين.. تآلفتُ مع تلك الذكريات وألفتني، ولكنني نسيت كم أني هشٌ أمام الوحدة، وكم أني ثرثار أمام الجدران المغلقة. في اليوم الثامن من الحجر الإرادي لنفسي بسبب فيروس “كورونا”، بدأت تظهر علي أعراض الذكريات […]

اعرض المزيد

الحاجز

كان مكتب البريد القريب مغلقاً عصر ذلك اليوم، لأسباب تتعلّق بانتشار فايروس كورونا، ما اضطرني إلى الذهاب إلى مكتب آخر أبعد. نظرت إلى الساعة لأحدّد سرعة سيري كي أتمكّن من العودة قبل انقضاء الساعة التي يُسمح لنا فيها بالتجوّل.  كانت الطريق خالية إلا من امرأة تحمل كيسين من الأغراض التي ابتاعتها من المخزن المجاور. حاولت، […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories