ذاكرة لجوء

أعطنا خبزنا

عن حصار مخيم اليرموك 2013-2014

كثيراً ما شعرت بانتماء غامض للنوارس على الرغم من تقززي المستبطن منها كطيور متسولة تزدحم حول السفن التي تقل السياح من ساحل إمينونو إلى جزر الأميرات في إسطنبول، إنهم يلقون لها فتات خبز السمسم في الهواء (يسميه الأتراك simit) فتحوم وتناور وتنقض كأنها حيوانات سيرك مدربة، كما أنه في اِلتهام السمك الطازج بحراشفه وأحشائه إشارة إلى تدني الذائقة لدى طيور شديدة القرب من البشر حتى إنها تتحرش بهم على مدار اليوم في القوارب وعلى السواحل وفوق ازدحام المدينة نهاراً وصخبها ليلاً، ففي أحد المرات استهدفني نورس بقذيفة من فضلات الأسماك المهضومة فأصابني في كتفي اليمنى وأنا واقف على الإشارة المرورية قبالة Historya mol، لقد كانت أكبر من أن أتجاهلها أو أزيلها بمنديل، وحين أسرفتُ في شرب الكحول نسيتُ الشبّاك مفتوحاً فأفقت على أصوات أربعة نوارس تحوطت سفرة البارحة كأنها ندماء عتيقون؛ لكن حدساً يقترب من التيقن يتملكني بوجود قواسم مشتركة بيني وبينها، لذلك تراني أُخرج قطع الخبز الآخذة في التعفن من ثلاجتي الصغيرة وأصعد إلى التراس فأرمي لها الأرغفة فوق سطح غرفتي الصغيرة في شارع الاستقلال، إن خوفي من انقطاع الخبز أصبح مرضاً يستدعي زيارة طبيب نفسي، فأنا لا أستطيع شراء أقل من ست ربطات خبز يومياً، وآكل كمية مضاعفة منه، أحياناً أصنع سندويشة خبز بالخبز فألتهمها ولم تكن قد مرت ساعة على تناولي وجبة مشبعة، وهكذا أصبح للنوارس حصة يومية لا تقل عن أربع ربطات خبز، حتى صار إطعامها فقرة ترفيهية أمارسها كلما استفاقت ذكرياتي أو أحسست بالوحدة والضجر، إلا أنها لم تكن كذلك بادئ الأمر، بل كان الخوف هو الدافع الحقيقي وراء نبلي وكرمي، فجدتي كانت تقبّل كسرة الخبز بذات القدسية التي تقبل بها المصحف، وكان أبي يذعر وتجحظ عيناه إذا رمى أحد إخوتي رغيف الخبز للآخر الذي يقابله عل  المائدة، أبي علمنا أن الخبز نعمة مقدسة وإهانتها أو الاستهانة بها من المحرمات التي تجلب الفقر والسخط سواء أكانت بشكل مقصود أم غير مقصود وتحت أي ظرف أو سبب، أما أمي فكان لها إصرار عنيد لم يكسره الزمن على شيئين؛ الأول ألا يُترك أي حذاء، كبير أو صغير، مقلوباً لأن أرض الحذاء يجب ألا توجه إلى السماء، والثاني أن تُرفع أي قطة خبز وقعت على الأرض فتُمسح ويُسمّى عليها ثم تؤكل دون قرف أو خوف، وليست وصايا الأمهات متشابهة في ذلك، فجارتنا وداد كانت تضرب أياً من أبنائها بقوة على ظهر يده إذا ما همّ بأكل قطعة خبز وقعت على الأرض وتصرخ في وجهه: “لحسها إبليس يا حمار”، وقد اعتدت وصايا أمي حتى ظننتها طبيعةً جُبِلتُ عليها ولا يمكن لشيء أن يغيرها.

لم أدرك، ولا أبناء جيلي، أيام خبز الذرة أو خبز الشعير أو الخبز المخلوط (قمح وشعير وذرة)، لكن أمي داومت على خبزه بين فترة وأخرى في التنور المتكئ على الحائط الشمالي لغرفة المعيشة في بيتنا القديم، فنغمس لُقَمه السميكة بزيت الزيتون ونغبّ وراءه الشاي الفاتر، وترسل بعضاً منه إلى الأعمام والأخوال فيستقبله هؤلاء بحفاوة لا تخلو من امتنان وكأنه خبز المناولة في قداس غير معلن، أبي كان يقول: “امضغوه بقوة، فهو يقوي الأسنان ويبني عضلات كأفخاذ العجول”، في الحقيقة كان يقول: “كأفخاذ الحمير”، تلك الأيام كانت مهرجانات على حجم العائلة بالنسبة للصغار، ولعلها، بالنسبة للكبار، كانت أشبه باستحضار تراجيدي مقدس للأيام القاسية التي تعبر عنها أرغفة خبزها الصلدة كالآجر، فيما بعد رحلت الجدة مكتملة التعب؛ ولدت وماتت فيه، أما الأب والأم فقد ركنا إلى هدوء الشيخوخة، وآن للأبناء أن يحملوا العبء.

دمشق تستقبلني وتودعني كل أسبوع بأفران السلام على بعد مئة متر من كراج باب مصلى في ذهابي وإيابي بين أقصى الريف وبين كلية الطب البشري التي أصبحت طالباً فيها، وفي نهاية كل أسبوع أعمّر حقيبتي بثيابي المتسخة ومن أمام السكن الجامعي في حي المزة أتجه إلى الكراج مستقلاً حافلة (الدوار الجنوبي) لقاء أربع ليرات سورية، أما كيس الكعك المحمص المطرز بالسمسم وحبة البركة فقد صار مثل رشوة ضمنية لأمي التي تأمر فور وصولي بإعداد إبريق شاي كبير وإخراج الملابس من الحقيبة ومن ثم غسلها؛ يا الله ما أطيب الكعك بالشاي، كنا نغمسه بالحليب قبل أن يبيع أبي آخر بقرة لدينا، غير أني أفضله بالشاي، في الشاي طعمة أمي، يذوب لونه من التعب المتيبس في أصابعها، ويأخذ رائحته من حوشنا الذي أطعمتْه زبل الأيام فأهداها شجرتي رمان وشجرة ليمون وشجرة توت وشتلات ورد صغيرة في أحواض نسجتها من فضلات البناء.

دارنا ذات الثلاث غرف أخذت تكبر، وأمي كذلك، وكلما كانتا تكبران كان الخبز يصبح أكثر بياضاً، وحين اكتملت الدار بطوابق عدة وساحة كبيرة وسور من الحجر الأزرق يحيطها بكل أناقة انفجرت قنبلة الخبز السياحي؛ إنه خبز سحري لا ييبس، حتى إذا تعاقبت عليه الأيام ويبس فما علينا إلا أن نسخنه قليلاً فيعود طرياً كما لو خرج لتوه من الفرن، يقولون إنه معجون بالحليب، وبعد أن وجد جارنا أبو محمد ذيل جرذ على أحد أرغفة الخبز التي اشتراها من فرن البلدة أصبح الخبز السياحي المعتمد الرسمي في بيتنا خلا أيام نهاية الأسبوع حيث أجلب معي الكعك وخبزاً شامياً من أفران دمشق الاحتياطية.

الأفران السياحية كانت تحاصر دمشق من أبوابها وتزدحم في جوفها، من أفران شمسين وتفاحة إلى أفران طيبة وابن العميد …؛ لا تقلقي أيتها المدن العريقة فالفلاحون يجلبون لك القمح لكي تبيعيهم الخبز، رائحة الرغيف لن تغيب عن هوائك ولُقَمه لن تنقطع عن أفواه أبنائك الطيبين..! أما أنا فقد انتهي بي المطاف خلف أفران حمدان في مخيم اليرموك، وعلى الرغم من تجاورنا الطويل إلا أني لم أشتر منه سوى مرة واحدة ولم يكن خبزاً بل القليل من البيتيفور في صباح ألحت صديقتي من أجل بعضه إلى جانب فنجان قهوتها السادة، وفي الحارة التي تلي أفران حمدان إلى جانب عطورات القرشي كان هناك محل صغير افتتحه لاجئ عراقي تنوراً لبيع الخبز العراقي الطازج، وقد أحببته وأدمنته حتى ليتجاوز ما أكلته هناك الألف رغيف، بعشرة ليرات سورية أشتري خمسة أرغفة وبعشرة أخرى أشتري إثني عشر قرص فلافل من (فلافل طيبة) تحت بناء فريج، ما زال طعمها في فمي حتى هذه اللحظة، كثيراً ما أكلتها لوحدي وأحياناً مع الأصدقاء؛ لا تؤكل الفلافل إلا بهذا الخبز الأسمر، أما الخبز السياحي فهو يصلح للجبنة المائعة والزبدة السائحة فقط، وحين استعصى عليّ الحصول على لقمة واحدة منها ولو بمال الأرض داومت على رؤيتها في أحلامي؛ الفلافل تقرمش متحطمة تحت الأضراس ويداعب اللسان إسفنج الرغيف الدافئ، يتقعر باطن الفم ثم ينقبض حتى يلامس اللهاة فتنزلق اللقمة إلى البلعوم فالمريء لتسقط في جوف المعدة كالماء فوق النار، أمضغ لقمة أخرى فتحتك جدران فمي الجافة وينزلق الهواء البارد في حلقي اليابس، صوت مؤذن الجامع القريب يكاد يبقر طبلة أذني، إنه الفجر، أي برد جديد وجوع جديد، ينسل الطعم والدفء من فمي كأنهما حقيقة، متكاسلاً أطوي اللحاف وأرميه مع الوسادة إلى زاوية الغرفة البعيدة عن المدفأة التي لم تعد هي ايضاً تجد شيئاً تأكله فبدأتْ بالتهام قطع خزان الماء البلاستيكي بعد أن ثقبته شظايا القذائف، أكثر من كنت أحتاجه في ذلك الوقت هو الله، فلا بد من قوة خفية تدبر لي وجبة اليوم، أصبح الصنبور في المرحاض العربي تحت الدرج مصدر الماء الوحيد لدي، فأعبئ منه ما يكفي للشرب وأتوضأ ثم أصلي الفجر مستغرقاً في السجود مخلصاً في التضرع والتوسل من أجل الحصول على كيلو خبيزة وتأمين طريق للهرب من المنطقة.

أركب دراجتي الهوائية وأشق الهواء الذي يكاد يتجمد، وتعاندني الريح أحياناً فأضطر للتوقف حتى تهدأ، ثم أتابع طريقي إلى شارع العروبة وشارع بيروت علي أحظى بمغامر أو مغامرة قضت الليل في جمع الفجل أو الخبيزة من المساحات الزراعية المكشوفة أمام القناصين فأشتري منه/ها كيلو أو اثنين، وما إن أعود إلى البيت مظفراً أو خائباً حتى يكون البرد قد تغلغل إلى مفاصلي غير مكترث بطبقات الملابس التي أرتديها، فأنا أرتدي سترتين فوق كنزة وقميصين وكذلك سروالاً صوفياً أسود تعوّد جلد فخذيّ على خشونته، فوقه بيجامة adibas كحلية اللون وجدتها في غرفة نوم البيت الذي أسكنه دون أن أعرف أصحابه، وفوقه بنطلون جينز حديدي اللون كان قد أهداني إياه عيسى موظف التعقيم في مشفى فلسطين قبل أن يغادر مخيم اليرموك إلى دمشق في آخر الساعات قبيل فرض الحصار على المخيم، هذا العيسى أسمر في ذقنه القصيرة شيب رزين، لكنه على عكس هيئته ممتلئ بالضجيج والصراخ والضحك كأنه لا يأخذ الحرب على محمل الجد، يتابع عمله اليومي في تعقيم الأدوات الجراحية والأرواب والشاش ليحزمها في حقائب جاهزة للاستخدام مباشرة في غرفة العمليات، وكلما ذهب إلى دمشق عاد محملاً بربطات الخبز من فرن الزاهرة أو السبينة بحسب طريق عودته، وبعد عيسى، أي بعد إغلاق جميع الطرق المؤدية إلى المخيم، لجأ المحاصرون إلى  خبز العدس، نعم خبز العدس، ولم يختر المحاصرون العدس عن فطنة لكن كميات كبيرة منه وجدت في حي القدم، في البدء كان ثمن كيلو العدس معقولاً لكنه لم يلبث حتى تجاوز مئة ضعف ثمنه المعتاد، ومسحوق العدس لا يعجن إنما يمزج بالماء حتى يصبح سائلاً ويسكب على صفيح رقيق فوق مدفأة أو تنكة معبأة بالحطب المشتعل كما تسكب عجينة القطايف، ولون خبز العدس يقترب إلى الترابي وفيه ملوحة أصيلة، وهو هش لا يشبع ولو كثر، غير أنه كان حلاً لتناول ما توافر من أطعمة تغمس بالخبز، وما إن انتهت بقية المؤن من المنازل حتى نفد العدس من المنطقة وإن وجد فبمبالغ فاحشة حد العهر. 

يعلن الحصار موسمه البائس كمزحة سمجة، ككذبة أول نيسان، في البداية لم أقم له أي اعتبار، لم أتخيل أن الناس ستموت جوعاً، وأن الرغيف سيصبح أمنية الأماني، وأن مجانين سيستبدلون علبة سجائر بأثاث منازلهم، لكن شيطان الجوع كان أمكر من ملائكة ظننت أنها ستقاتل إلى جانبنا على الجبهات، وستعجن غيماً وتقدمه لنا خبزاً سياحياً سماوياً، قالوا إنهم رأوا الملائكة على أحصنة بيضاء يقاتلون في الغوطة الشرقية، لكن الغوطة حوصرت بعد ذلك، إذاً تغلب الشياطين على الملائكة من جديد! ولأن الشياطين هم أسياد الموقف في الحصار فهم لا يوزعون الجوع على الناس بالعدل، فالبعض يموت جوعاً بالفعل، والبعض ينال من الطعام ما يستلزمه الشهيق والزفير ليس إلا، لكن البعض خفف من مقدار طعامه اليومي على سبيل التخسيس الجبري لا أكثر من ذلك، ففي أحد الأيام جمعتُ ثلاث عرىً من عرى بنطلون الجينز الذي أرتديه فوق السروالين الآخرين بسبب نحولي الشديد وذهبتُ لزيارة أحد المصابين في تشكيل عسكري معروف، وبعد معاينتي للجرح البليغ في رجله هممت بالانصراف بسبب مشادة كلامية بيني وبين أحد الشرعيين (الشيوخ) الموجودين في الغرفة، وبينما هم يحاولون إقناعي بالبقاء فُتح الباب فإذا برجل يحمل إناءً ممتلئاً بالمجدرة، فجحظت عيناي وارتخت شفتاي، حتى أني أحسست بشيء من الانتصاب في شيئي، ثم أحضر الرجل طاسة كبيرة مملوءة بالفول مع اللبن يغمر وجهها زيت الزيتون، لكني أصررت على الانصراف، لا لأن الناس خلف تلك الجدران لا تجد شيئاً تأكله، بل لأني شعرت بأن الشرعي الذي جادلني حول اختطافهم لأحد الأطباء الإسماعيليين من مشفى فلسطين سيهزمني بالطعام، لأني كنت شديد الجوع ولن أستطيع مقاومة رائحة البرغل المطبوخ وبريق زيت الزيتون فوق الفول باللبن 

  • اعذرنا يا دكتور، لم نجد بصلاً لنزين به المجدرة؛ قال لي الشرعي (الشيخ) وفي عينيه خبث وزهو 

كنت قد وقفت وتوجهت إلى الباب فلم أرد عليه، فإذا بالرجل يدخل مرة أخرى حاملاً أرغفة من الخبز ، “إنه خبز تنور طازج، آه ما اشد حماقتي، ما لي ولاختطاف الأطباء ومجادلة الشرعيين، أليس هذا خبزاً، ألا يجب أن نقبّل الخبز حتى وإن كان على الأرض؟!، آه يا وصايا الأمهات” ازدحمت الأفكار والعبارات والذكريات في رأسي، لكني لم أكن أستطيع التراجع عن موقفي بعد أن أمسكت قبضة الباب بيدي وسكتت الأصوات التي تدعوني للبقاء، كفرت بتلك الأرغفة وما زالت رائحتها تحفر أنفي كالإزميل، مشيت مبتعداً ومحمد شكري يتجسد أمامي كما هو في روايته (الخبز الحافي)، حين أعارني إياها زميلي في الصف العاشر أحمد الهنداوي من مكتبة أبيه كان لها إيحاء جنسي بحت، وعنوانها يرسم في رأسي رغيف خبز مبللاً بالدبق وسوائل المشردين والنشالين والمهربين على أفخاذ نساء الليل في المواخير الرخيصة، لكني في تلك اللحظة رأيت رغيفاً حافياً حتّ الجوع وجنتيه وأردافه وحفر بين ضلوعه أثلاماً متسقة متوازية دقيقة كأنها مصنوعة بيد الخالق، رأيت محمد شكري الجائع ينظر إلى أحد الصيادين يأكل رغيف خبز محشي، فيقاسمه الرغيف في خياله، وحين يرمي الصياد بقية الرغيف إلى الماء يقفز محمد ويطفو حوله، فيتفاجأ بمجرور الماء الذي يصب هناك، يهرس الرغيف بيده وتختلط نتف الخبز بالخراء الآدمي وزيت القوارب، تنزلق قدماه عدة مرات قبل أن يستطيع الخروج من الماء وتخور قواه، يناديه الصياد ضاحكاً ليعطيه الخبز لكن محمد يدير ظهره وطعم الزيت والخراء في فمه، كذلك أنا، أحسست الهواء ضيقاً وخطاي عالقة في ماء آسن وحلقي يتورم ويختنق، إنه البكاء العصي ينحبس فتولد التخثرات في الشرايين الصغيرة ويبدأ الموت البطيء.

البرد يصبح أشد طعناً، الهواء يواجهني بصدري العاري ولا أستطيع دفعه، يخاتلني بين الحارات حتى أصل إلى معرض لرسوم الصغار في مخيم اليرموك، بعمر سبع سنوات رسمتْ طفلةٌ دبابة تقف بينها وبين رغيف الخبز، لو كان بي طاقة على الكلام لقلت لها:

  • أضيفي شرعياً (شيخاً) إلى الدبابة

 لكني بالكاد مسحت على رأسي فباغتتني نوبة دوار مالت بي إلى الحائط موقعاً رغيف الخبز والدبابة والشرعي، فهمهمت: 

  • لست أنا، إنه الجوع 

وانزلقت إلى جانب الجدار جالساً حتى استعدت شيئاً من التوازن يكفي لأعود إلى البيت. 

نوبات الدوار هذه بدأت بالتسلل إلى رأسي كاللص، وكل يوم تأخذ راحتها أكثر فأكثر كأنها صاحبة البيت، وذات يوم توضأت للصلاة التي أصبحت أصدق وأطول، ففاجأني الدوار فور وقوفي في المرحاض تحت الدرج وكدت أقع، قلت وكأني أؤنب نفسي: 

  • إلا الموت هنا

وتهالكت على حافة الدرج متداعياً نحو الغرفة، فوقعت عيناي على كيس في أقصى الزاوية تحت الدرج، وانخفضت من فوري لجلبه متجاهلاً الدوار، فنفر جرذ بحجم قط وحام حول بعض الكراكيب قبل أن يمر من بين رجليّ ليواجه المرحاض فينتفض طرفاه الخلفيان وينبسط الأماميان ويرتخي ذيله من خلفه قافزاً كسباح أولمبي إلى منتصف فتحة المرحاض تماماً، شعرت بقرف شديد وانصرفت عن الكيس، لكني عدت إليه في صباح اليوم التالي، كان ممتلئاً بالخبز اليابس منذ عهد طويل، يغطيه العفن وينبض الدود في قطع من السمون المحشوة بشيء لا تمكن معرفته، انتقيت القسم الأكبر منه بعد نفخ ومسح واجتزاء، ثم صعدت إلى السطح ونشرت عدة قطع من الخزان البلاستيكي وعمدت إلى المدفأة فأوقدت النار فيها بعد عناء، وغمرت الخبز بالماء في طنجرة وضعتها فوق المدفأة وأفرغت فوقها علبة سكرين كاملة (مُحلّ صناعي)، استغرق غليانها وتبخر الماء الزائد قرابة الساعتين، عشت فيها أحلاماً عظيمة مع طنجرة من (الهيلطية)، هكذا تخيلت النتيجة، إلا أني لم أستطع حتى النظر إليها، وهممت برميها فإذا بالباب يطرق، إنه خالد أحد الممرضين المتطوعين في مشفى فلسطين الذي لم يستغرق أكثر من دقيقتين لالتهام ما في الطنجرة، بالطبع لم أخبره بأية تفاصيل تزيد عن أنه خبز يابس بالسكرين، انتظرت متوقعاً أن مغصاً سيمزق أمعاء خالد الذي انصرف بعد عدة ساعات بضحكة عريضة وشكر وامتنان مفرطين 

  • ما أشد حماقتي، لماذا لم آكلها؟، ألا لعنة الله على الدبابات وعلى الشرعيين وعلى خالد كذلك، وعلى الجرذ الذي جعلني أراه 

قلت كل ذلك في نفسي وأنا أودعه وأوصيه بالإكثار من الزيارات.

الدوار يسيطر على رأسي وعيوني، الوضوء أصبح تيمماً، الصلاة أصبحت في وضع الجلوس طويلة لا حد لها، جارتنا وداد ووصاياها بإبليس الذي يلحس الخبز تجول في غرفتي

  • إبليس يلحسك، ماذا تعرفين عن إبليس والخبز يا حمارة؟!

أحدثها بصوت مرتفع فلم يعد أحد يزورني غيرها، الموت يتلصص من ثقب الباب ويصغي بسمعه من النافذة وراء ظهري، سيدخل برجله اليسرى بطيئاً ومملاً، إنه يطرق الباب:

  • دكتور.. دكتور
  • من؟
  • أنا بحري، خالتي أم محمود تريد أن تراك في بيتها

زحفت حتى بلغت الباب ففتحته:

  • أهلاً بحري، ماذا تريد أم محمود؟
  • لا أعرف

لم أزل مرتدياً ذات الملابس منذ عدة أيام، غسلت وجهي بماء متبقٍ في قنينة بلاستيكية مقعرة من كل جانب، بينما ساعدني بحري في البحث عن قبعة صوفية، ركبت وراءه على دراجته الهوائية، كان الليل قد سقط بجثمانه على حارات المخيم الموحشة الصامتة، أصوات مولدات الكهرباء بدأت تعلو معكرة صفو الأحياء والأموات، لم يترك بحري أي حفرة في الطريق إلا ومر فيها فكاد حديد الكرسي الخلفي للدراجة يكسر عظامي التي انسل الشحم واللحم من حولها.

بعد صوتين: عيشة.. عيشة

أرخت أم محمود حبلاً ربط إلى طرفه دلو صغير وضعت فيه المفتاح، ليس (عيشة) اسمها الحقيقي، إنه اسم أمي أناديها به لأنها لم تكن لي أقل من أم، على كل حال لم يكن اسمها بعيداً كثيراً فهو (عائشة)، كان الباب مفتوحاً حين أوصلني بحري إلى الطابق الثاني حيث بيت أم محمود، وعلى غير عادتها لم تكن على الباب لاستقبالي، أما بحري فنزل الدرج مسرعاً وهو يصيح: 

  • أوصلت الأمانة كما طلبت يا خالتي، سلام يا دكتور 

ردت أم محمود من المبطخ: 

  • سلمت يداك، تفضل دكتور، أدخل واجلس 

لكن كل شيء سقط من حواسي حين رأيته، فلم أسمع شيئاً مما قيل، ولم أر أي تفصيل في الصالون، كان هناك في أقصى البصر منفرداً على راحته منتظماً كأنه مرسوم على ورقة، واضحاً كأجنحة النوارس، هل هو حقيقة، أم أن الموت جاء في شكل بحري؟! ربما هو الموت، وأي شيء تستقبل به السماء الجوعى خير من رغيف خبز؟ طفوت على هواء هش، تقدمت باتجاهه كأنه مركز الجاذبية الوحيد، ليست قدماي من تمشي الآن إنما رغبة البقاء ووصايا أمي: امسح.. قبّل.. سمِّ.. كلْ، إنه حقيقي، يا الله، خبز حقيقي، خرجت أم محمود من المطبخ وفي يدها قطعة من الحلاوة وضعتها فوق الرغيف:

  • كله.. سأعود بعد قليل، أنا أطبخ مجدرة، سنتغدى سوياً اليوم
  • مجدرة؟! ألا يوجد فول؟
  • فول؟!، لا يوجد فول في المنطقة منذ شهور، ولا يوجد في الكراتين فول كذلك
  • يوجد فول، وباللبن أيضاً.. ولكن عن أية كراتين تتحدثين؟
  • لقد دخلت اليوم كراتين مساعدة إغاثية 

أجابت مبتسمة، وأدارت ظهرها عائدة إلى المطبخ

نفدت حصة النوارس من الخبز لهذا اليوم، كنت قد ارتديت ملابسي قبل أن أبدأ بإطعامها، فأنا على موعد مع خالد، سنتناول الفول باللبن في مطعم بوز الجدي في منطقة الفاتح بإسطنبول، ولا يخطر في بال أحد أني سأنسى شراء ست ربطات من الخبز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرين − ثمانية عشر =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى