نبيذ رخيص لبلاد متعِبة

شارك القصة

“اقتبس قولاً يشبهك، اكتبه في مفكّرتك دون أن تضع اسماً لصاحبه، ستجد نفسك أمام عبارة تبنّيتها، تماماً كما فعل صاحبها السابق.اذهب واصطد سمكةً ترضي بها غرورك، لا تأكلها، ودع الوقت يمضي، ستمسي أمام مشهدٍ قاسٍ لجثّةٍ متفسّخةٍ لحيوانٍ ميّت، تماماً تلك هي حقيقة يوميّاتنا المُستنسَخة.”

أنا الطفلة الكهلة كذاكرتي، أجلس على كرسيٍّ خشبيٍّ وأمامي طاولةٌ تحمل كلَّ ما بقي منّي؛ قلبي، مفاتيح بيتي القديم، صورة لعائلتي، طوق حيواني الأليف، كتب عن جنون كافكا، فرشاة رسم، ورقة خوف ترسمني باللجوء، موسيقا لعازف الكلارينيت “حسنو شلندرجي”، ذاكرتي الطويلة/القصيرة/السهلة/الممتنعة، كأس نبيذ فرنسيّ رخيص، حنون وبسيط، يشبه فقراء البلاد، قرّرتُ مجالسته اليوم وأنا أكتب عن المسافة بين حضن أمّي والمنفى.

الرشفة الأولى: بعضٌ عنّي وكثيرٌ عنهم..

للرشفة الأولى مذاقان حادّان، الأوّل حلو يشبه حارتي الصغيرة في حي باب السباع، الحي القديم ذو البيوت المتقاربة حد التلاصق، جارتنا التي تكشف عن ساقيها وهي تنظف درج البناء غير عابئة بترهّلات طوَتْها على مقاس حياتها، رائحة القهوة التي تحضن صباحات النساء، جارنا البقّال ذا الشارب الكثيف واليدين المشعرتين يفتح طبقات الأرغفة الطازجة، شبّان الحارة على اختلاف شخصيّاتهم يمعنون النظر في شرفات الصبايا وهم يستجدون ابتسامة ليبدؤوا أحلامهم بها، أمّا أنا، فأراني مسمّرةً على زاوية الشرفة أراقب نفسي وأنا أبدّل لون الطفولة بلون الأنوثة.لهذا المذاق نكهةٌ بريئةٌ حالمةٌ تشبه تلك التي شعرتُ بها عندما أهداني حبيبي الأوّل قبلةً على جبيني وهو شبه متأكّد من أننا سنبقى إلى الأبد.

أما المذاق الثاني فهو أقرب إلى حالة الخيبة الأنثوية التي تعيشها نساؤنا وبناتنا في مجتمعاتنا الشرقيّة، لمذاق الخيبة قوّة كبيرة، لكنّ الجيّد في الأمر أنّه  لا يمتلك سيطرةً على كأسي، خاصّة وأن البدايات تحمل بشكلٍ طبيعيّ خيباتٍ كثيرة، نرتشفها دون أن ندرك حجم تأثيرها على حياتنا.

الرشفة الثانية: كبرتُ، وبدأت الحرب..

كثير من الناس في الشارع، في الحدائق، بين عربات الخضار، موظفين، حرفيين، كان للجميع الوجه نفسه، ذلك الوجه المستسلم وتلك الملامح المسحوقة. لا أحد يبتسم، عيون غامقة بعمق الألم وحالة الفقدان الرهيبة التي تلج أنفاسك مع كلّ شهقة.

كانت المرّة الأولى التي رأيتُ فيها جثةً عندما توفيّت جدتي، والثانية كانت تحت شرفة بيتنا.خطٌ طويلٌ من الدمّ لجثةٍ شبه عارية ممدَّدة على الأرض. شخصٌ له ملامح تشبه السلاح الذي يحمله وهو يجرّ الجثّة على طول الطريق.في الحقيقة، عندما ترى مشهداً كهذا، لن تفكّر ولن تشعر بشيء، ستكتفي فقط بالتمنّي، ستأمل في أن يكون صاحبها ميّتاً بالفعل، لأنّ بقاءه على قيد الحياة أسوأ من مفارقته لها.

لم ينتهِ خطّ الدم برحيل صاحبه، فبعد فترة لم تكن طويلة، بدأت أرى جثثاً حيّة.

يسألني كأسي: هل قابلت جثثاً حيّة؟!

نعم؛ قابلت كثيراً منها، حتّى أنّي وصلت لمرحلةٍ لم يعد باستطاعتي فيها التمييز بينهم، لا بل أمسيت أميز الأحياء منهم فقط. كثير من الناس في الشارع، في الحدائق، بين عربات الخضار، موظفين، حرفيين، كان للجميع الوجه نفسه، ذلك الوجه المستسلم وتلك الملامح المسحوقة. لا أحد يبتسم، عيون غامقة بعمق الألم وحالة الفقدان الرهيبة التي تلج أنفاسك مع كلّ شهقة.

الرشفة الثالثة: العالم كئيب ومتعِب، وهذه الكأس لا تنضب.

دبّابات بلون أزرق، شوارع شبه خاوية، شرفةٌ رصاصيّةٌ باهتة ، كثيرٌ من الأسلحة التي تحملها جماجمُ ستفرغ رصاصها – فيما بعد- في قلوب أمّهاتها.أشعر بالاختناق، رائحة البارود تملأ بيتنا، تجتاح فراشي وحضن أمي وحتى طعم الماء ومذاق الطعام.

لم أبكِ هكذا من قبل، كنت أسأل نفسي وأنا أسمع أصوات الآذان الذي يرثي الشهداء بالجملة -فلان وعائلته.. فلان وأولاده.. فلان و أخوه..- يا إلهي، هل سيأتي دورنا؟الآن فقط عرفتُ لماذا أجهش بالبكاء عندما أشاهد مقطعاً مصوّراً عن قتل الخنازيرفي معامل اللحوم، عندما أشاهد مقاطع مماثلة أكاد لا أجد فرقاً بين تلك الحيوانات المسكينة وأجساد المعتقلين وضحايا الحرب.

انتهى كأسي وانتهت بلادي، لكنَّ الجيّد في الأمر أنني أعرف الآن كيف أشرب النبيذ دون أن أشدّ أصابعي على عنق الكأس وأنا أحاول خنقها.

الرشفة الرابعة: أدمعت عيناي، فأبصرت قلبي.

أستطيع رؤية هذا الكون بوضوح؛ نفاق اجتماعيّ، طعامٌ معلَّب، أسماكٌ متعفّنة. صرتُ قادرةً على أن أشعر بسخونة الرصاصة التي تخترق جسد طفل صغير كان يريد أن يلعب مع الحرب، أطلق كرته الصاروخيّة كالكابتن ماجد، لتأتيه كرة النار وتسجل هدفاً جديداً سيضاف إلى قائمة الوفيّات، ثم فيديو مؤلم لهذا المشهد، وزر الإعجاب على مواقع التواصل الاجتماعي يصل إلى ذروة النشوة.أستطيع تخيّل أصابع شخص وهي تتزلّج على شاشة الهاتف المحمول، وفيديو هذا الطفل يُهمّش بصورة سريعة، وكأنّه لم يكن.

الرشفة الخامسة والأخيرة: أترنّح أمام الحزن مخمورة..

أشعلتُ سيجارتي وأنا أنفث القلق، مشاعر مختلطة ومتناقضة ممزوجة بندمٍ خجول لا ذنب لي فيه.

انتهى كأسي وانتهت بلادي، لكنَّ الجيّد في الأمر أنني أعرف الآن كيف أشرب النبيذ دون أن أشدّ أصابعي على عنق الكأس وأنا أحاول خنقها.

رشفة على الهامش: رشفتُ قلبي بغبّة واحدة..

ما أشدَّ أنانيّتي! نجوتُ بنفسي بكم، نجوتُ بنفسي من أنينكم، ومن عرقكم، ومن بكائكم، ومن خوفكم، ومن اغتصاب أحلامكم، ومن نواح امّهاتكم.

نجوت بنفسي.. بنفسي فقط.



شارك القصة مع أصدقائك


اكتب لنا تعليقًا

قصص ذات صلة

حين سقط التمثال.. وبقي ظله

مئات المتظاهرين يتحوقون حول الساحة، يهتفون بكل ما يشعرون من حماس وغضب وتحرر من القيد، وكأنهم كلما رفعوا صوتهم أكثر كسروا القيود أكثر، يتسلق بعضهم منصة الساحة ويقفون عليها ويتدرج الباقون حولهم نزولاً إلى رصيف الساحة. مشهدٌ يحكي الكثير ويفتح الذاكرة على الأكثر، ففي هذه الساحة عينها وعلى تلك المنصة التي يعتليها المتظاهرون، كان يقف […]

اعرض المزيد

خواطر فوق عروش هادئة

هناك على طول الشاطئ تمتد أكواخ وبيوت وعمارات ومقاصف ومنتجعات سياحية، لتشكل مدينة طولية ساحلية مُحَدّثة! رغم أنها حاضرة في التاريخ مكانة ومكانا وأهمية وقدما. أحدثت إصلاحات الحزب الحاكم فيها نقلة نوعية لتصبح مكان استثمار سياحي لم تشهده من قبل؛ يقصدها مئات الآلاف وربما ملايين السياح، من كل أنحاء العالم ليستجموا فيها سنويا. تاريخها الفينيقي […]

اعرض المزيد

كم الساعة الآن في قلب الفراشة؟!

أخطأتُ بلفظ اسمي مرات عديدة، و أمسكت بأطراف الحروف أستجديها، لما تهربين، صحبة عمر تجمعنا منذ أشرقت مدينة دمشق في عيني، منذ اعتدت اصطحاب الكتب كل مساء بدل أحاديث النسوة في قريتنا، و كتابة أحلامي في قصيدة عبثية بدل الإسرار بها لفتاة ثرثارة من بنات الجيران. فهناك لا وقت للثرثرة،عليك أن تعرف من أنت و […]

اعرض المزيد

تابعنا على الفسبوك

الكتاب الأكثر مقالات

  • Categories