ذاكرة حدث

على شرفات القمر الواطئة فارقت روحي ..!

كنتُ أراقب انعكاس وجهي في زجاج النافذة، وأفتعل أنني أنظر إلى البعيد نحو ذلك الشارع الطويل المزدحم، لم أكن أقوى على النظر أبعد من الزجاج بالفعل، لكنني لم أمتلك رغبة في الحديث عن أي شيء، فقررتُ الوقوف في نهاية الغرفة لأرمق وجهي المنعكس مع ما تركه الغبار على الزجاج، مثل الغبار الذي علق في قلبي طوال السنوات الماضية.

في الليلة الماضية سقطت قذيفة على سطح منزل خالي، فجرت خزان المياه، وكسرت السقف، وتناثرت شظاياها داخل المنزل بطريقة جنونية.

هذا المنزل الذي قطنته عائلته لسنوات طويلة، حيث أمضيت أيضاً معظم طفولتي، وكنت أرتبك أحياناً إذا سألني أحد عن عدد إخوتي فأقول ستة إخوة بدل ثلاثة. هناك في ذلك المنزل الذي يعتلي إحدى أبنية جرمانا، كنا نملأ الأرض بالمياه أيام الصيف الحار، ونتزلج وكأننا في قمة “إيفرست”؛ ننحدر نحو الأرض التي ستنغرس فيها أقدامنا الصغيرة أخيراً، ونرسم على الجدران البيضاء أحلامنا الغريبة بارتياد الفضاء البعيد وقيادة القمر نحو مجرة أخرى، لا تعرف خريفاً يرهق أشجار الغابة ولا يصيبها صقيعٌ يقتل الحياة فيها، ونحمل حقائبَ تفوح منها رائحة الزعتر والزيت نحو مدرسة قريبة، نلعب في ساحتها الكبرى لعبة الحرب بين الأشرار والأخيار وينتصر الخير أخيراً فنكلل نصرنا بسرقة إحدى كرات القدم من غرفة المدرسين ونجري نحو الساحة مرة أخرى لنتراكل بالمسافات التي لم نظن يوماً أنها ستبتعد إلى درجة لا يمكن اختصارها ولا حتى تجاوزها.

كانت المدينة فارغة كمكان مناسب فقط لتجول الأشباح، وبعض القطط التي لا يخيفها صوت الانفجارات، والكلاب الشاردة الساعية وراء رائحة الدم الممزوجة بالإسمنت والتي غمرت المكان لفترة طويلة.

أصيب ابنه الأكبر إصابة بالغة في رأسه، ذلك الذي علني كيف أرسم بالألوان آفاقاً تجفف أمواج الشواطئ المتاخمة للخوف! رأيتُ الخبر على صفحات “الفيس بوك” الساعة الثانية عشرة ليلاً وخرجتُ من منزلي دون وعي، نزلت الدرج وكأنه شلال متدفق، لم أكن أشعر بقدمي، ركضت نحو بيتهم وشعرت وسط الطريق أن قدميّ انغرس فيهما الزجاج المتكسر جراء القذائف التي انهالت كالمطر يومها على جرمانا.

كانت المدينة فارغة كمكان مناسب فقط لتجول الأشباح، وبعض القطط التي لا يخيفها صوت الانفجارات، والكلاب الشاردة الساعية وراء رائحة الدم الممزوجة بالإسمنت والتي غمرت المكان لفترة طويلة.

أمام البناية وعلى امتداد أمتار عدة، كانت الدماء ترسم خطاً طويلاً، نهراً أحمر يعلن بداية مرحلة جديدة في هذا الحي. صعدتُ درجهم الطويل وصوت أنفاسي أعلى من صوت أقدامي على الرخام البارد، كان الباب مفتوحاً على مصراعيه. دخلتُ ولم أقل شيئاً، كانت النساء فقط في المنزل جالسات بين الركام والدخان الذي لم يزل بعد، والدماء في كل مكان، جلست قربهن، ودخلتُ في غيبوبة من البكاء الذي لا ينتهي، لم تكن مختلفة أبداً عن بكائهن.

لم تتوقف الهواتف عن الرنين بينما لم يكن أحد يمتلك القدرة على الرد، واستمر صوت الرنين ممزوجاً ببكاء يختنق بين الحين والآخر، فيعمُّ صدى ثقيل في جوانب البيت.

مع الفجر عاد خالي، الرجل الهرم، الذي عمل لسنوات طويلة في تمديد الأسلاك الكهربائية، حيث لم يبقَ بيت في مدينة جرمانا لا يعرفه، دخل ونظر إلينا جميعاً دون أن يقول شيئاً. وقفتُ واقتربتُ منه وضممته بشدة، كنت أخشى ما سيقوله، بعد أن رأيت وجهه الشاحب، وكانت عيناه غارقتين في دمع يرفض الإفصاح عن نفسه، فنطق أخيراً جملة واحدة فقط “أسامة بخير.. سننتظر فقط أن يستيقظ من الغيبوبة”.

خلال الأسبوع التالي كان أسامة لا يزال يغط في نومه العميق في مشفى المجتهد، ذهبتُ لأراه مثل كل يوم، فمنعني الأطباء من الدخول، قالوا إن فيروساً أصاب رئتيه ومن الأفضل ألا يراه أحد، خشية أن تنتقل له العدوى.

أصبتُ بنوبة من الجنون في أروقة ذلك المشفى المكتظ، وحاولتُ إقناعهم بشتى الوسائل، إلا أنهم لم يسمحوا لي بالدخول.

لم أعد إلى عملي، بل سرتُ كثيراً في دمشق، علي أستعيد روحي التي أضعتها في سمائها الواسعة، وكنتُ أعبرُ المجموعات البشرية المتدفقة في شوارعها وكأنني طيف، لا أرى أحداً ولا أحد يراني، حتى وصلتُ ساحة باب توما ووقفتُ أنتظر سرفيس (حافلة) جرمانا، ومع اقترابه تراكض العشرات كالعادة يتنافسون على الصعود وكأنها مسابقة مصيرية والفائز من يصعد أولاً يحصل على ترقية حياتية دائمة، أو جائزة مادية تكفيه لشراء سرفيسه الخاص!

لم أمتلك تلك الرغبة على التنافس، فقررت أن أذهب سيراً وأوفر على نفسي ذلك الصراع الذي لا أقوى على دخوله الآن.

في تلك الليلة اتصل الطبيب المسؤول عن أسامة في مشفى المجتهد بخالي وأبلغه بضرورة شراء مسكنات لا تمتلكها المشفى، لأن أسامة بدأ يدخل في نوبات شديدة من الألم، قد تتسبب في توقف قلبه في أية لحظة.

تمنيتُ لو أنني أعلم فقط بما يفكر خلال غيبوبته، ما هي الصور التي تشغل ذاكرته في هذه الساعات الطويلة، هل يستعيد صوت أطفاله داخله، وتشتاق أصابعه المنتفخة لعزف العود مجدداً؟ هل ترتب المفردات نفسها في خاطره ليقول قصيدة جديدة

تلك المسكنات هي من أنواع المخدرات التي يتعاطاها المدمنون، ولكنها تستخدم في هذه الحالات شديدة الخطورة لعلاج المرضى.

في الصباح اتجه إلى المشفى ليأخذ وصفة طبية تسمح له بشراء تلك المسكنات، الممنوع بيعها عموماً، وبدأت رحلة البحث في الصيدليات التي امتنعت جميعاً عن بيعه الدواء بحجة عدم وجوده، وبحسب تعبيرهم “مقطوع من السوق” .

لا أدري كيف يكون غير متوفر وكل أنواع المخدرات كانت قد انتشرت في سورية بشكل كبير خلال السنوات الماضية! حتى أن بعض الأنواع رخيصة الثمن مثل “الحشيش” باتت متوفرة في كل مكان ويمكن الحصول عليها بمجرد اتصال هاتفي.

اتصل خالي بجميع أصدقائه إلى أن توصل إلى صيدلية في منطقة “الميدان” أخبره صاحبها أن رئيس أحد الأفرع الأمنية صديقه يستطيع تأمين “المخدر” بسهولة، ولكن بسعر مرتفع جداً.

لم يكن أمامه سوى الموافقة والانتظار إلى أن تم الاتصال بذلك الرجل الخفي والقبول بأي سعر يطلبه.

جلس منتظراً في الصيدلية إلى أن أرسل الضابط أحد عناصره حاملاً معه “المخدر” وسلمه المبلغ المطلوب، ليتوجه فوراً إلى المشفى، وكأنه يحمل معه روحاً جدية لابنه.

لكن ذلك كان مجرد مسكن فقط، يُدخل أسامة في مزيد من السكون والغياب لا أكثر، ويبعده عن حالة الاستيقاظ التي ننتظرها أكثر فأكثر في كل يوم.

تمنيتُ لو أنني أعلم فقط بما يفكر خلال غيبوبته، ما هي الصور التي تشغل ذاكرته في هذه الساعات الطويلة، هل يستعيد صوت أطفاله داخله، وتشتاق أصابعه المنتفخة لعزف العود مجدداً؟ هل ترتب المفردات نفسها في خاطره ليقول قصيدة جديدة، أين ترحل أفكاره الآن في أي اتجاه، وكم من الوقت سننتظر ليفتح عينيه ويبتسم لنا كما كان يفعل دائماً، ويطلق تلك التعليقات الطريفة على الجميع لترتفع الضحكات بين الموجودين..!

قبل شهر واحد من سقوط القذيفة كان عرس شقيقه الأوسط واجتمعت العائلة كلها للاحتفال، ومثل عادته أصر أسامة أن يدعو الجميع إلى منزل خالي حيث يقطن مع زوجته وطفليه وأن تستمر السهرة حتى الفجر وهو يعزف على العود ويغني لكل منا الأغنية التي يحبها.

وكأنه كان يودعنا في تلك اللحظات، لم يرد أن تنتهي تلك الجلسة أبداً، استمر في الغناء حتى طار النعاس من أجفاننا، رغم أن الصبح كان قد أعلن حضوره.

بعد مرور أربعين يوم تماماً من دخوله إلى المشفى، كنت في منزلنا أنا وأمي، طُرق الباب الساعة الثامنة ليلاً، فتحتُ الباب لأجد أختي وزوجها يرتديان ثياباً سوداء، ودون أن يلفظا أية كلمة بدأتُ أصرخ وأدركت أننا هذه المرة فقدناه إلى الأبد.

انتهى ذلك الانتظار الجميل، رغم كل ما يحمله الانتظار من مشقة وحيرة وفرضيات تأخذ الواحد منا إلى تفاصيل وأفكار قد يصعب احتمالها، إلا أن وجود الأمل كان يُبقي للأيام معنى مختلفاً، أما أن يُعلن الطريق انتهاءه، هكذا دون أي حيلة نستطيع فعلها لتغيير القدر، فهذه حقيقة لم أستطع تقبلها حتى هذه اللحظة. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر + تسعة عشر =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى