ذاكرة لجوء

نوكيا 6600

كان حصولي على الشّهادة الإعداديّة /شهادة الصّف التّاسع/ يعتبر إنجازاً في قرانا التّعيسة، ربما يعادل الحصول على شهادة الطب في أماكن أخرى، لذلك كان لا بدّ أن أستغل الأمر وأجيّره لصالح أحلامي لأطلب من أبي ثمن هاتف جوّال هديّة نجاحي، وكي أضمن تحقيق الحلم بشكل أكبر فقد طلبت من أمي أن تؤازرني في الضغط على “الحجّي”.

لقد كان “النوكيا 6600” أو “الباندا” كما درجت تسميته حينذاك  حلم يقظتي ونومي، رسمت له المخططات في مخيلتي طوال فترة الدراسة؛ كيف سأشتري له بيتاً جلدياً لأركنه على خاصرتي وأمشي بخيلاء في شارع مدرسة البنات مستعرضاً جوالي الثّمين، أثير به إعجاب الفتيات هناك  (قد جربت المشية في غرفتي جيئة وذهاباً لمرات عدة إلى أن أتقنتها)، وكيف سأحصل على رنّات أغاني “إبراهيم تاتليس” الشهيرة، وعلى بعض المقاطع الإباحية المتوارية ضمن ملفات سرية في معظم أجهزة أصحابي، وكيف سأسمّي “البلوتوث” الخاص بي باسم الزعيم أبو علي… والكثير من المخططات الأخرى.

بعد جولات من الأخذ والرد باءت مفاوضاتنا بالفشل ولم أحصل على الهاتف، إلا أن أبي اقترح ما هو أكثر قيمة برأيه، وهو أن أسافر إلى بيروت للعمل مع أخوالي المتناثرين هناك، ولأنني من مواليد برج الدلو وهو برج هوائي بطبعه، ولأن أخبار الفتوح المالية  كانت  تصلنا  دائماً من الأقارب فقد رميت على الفور صورة الجوال من مخيلتي و وافقت على عرض أبي .

مع أول خطوةٍ رميتها خارج كومة الخردة المسماة تجاوزاً ( باصاً ) عرفت بأنني فقست للتو من بيضة حياتي المغلقة إلى فضاء واسع من ألوان وبحر وأبنية شاهقة!.

ركبت الدرب برفقة أحد أقاربي والذي وجد بي فريسة لمقالبه السّمجة، وفرصة لكسر ملل الطريق، فحيناً يخبرني بأنه سيتركني في أول مدينة خلف الحدود لأنه سيوصل أغراضاً جلبها من سوريا لأحد أصحابه، وحيناً يرهبني بشرطة الحدود وبأنهم سيحتجزونني لعدم امتلاكي موافقة سفر. الأمر الذي أبقاني في  حال من التوتر إلى أن بزغ الفجر في سماء  (البور).

مع أول خطوةٍ رميتها خارج كومة الخردة المسماة تجاوزاً ( باصاً ) عرفت بأنني فقست للتو من بيضة حياتي المغلقة إلى فضاء واسع من ألوان وبحر وأبنية شاهقة!.

كان صباحاً عابقاً بالرطوبة والحياة على عكس صباحات المكان الذي  جئت منه، افتتحته بجولة مع خالي، ارتبكت فيها من وقوف برج (المر) عارياً وسط المدينة، بادلت مبنى (البيضة) نظراته الذابلة، وتسمرت طويلاً في مكاني حتى فهمت بأن العيون التي على واجهته ليست سوى شرفات، ذُهلت من حجم صخرة (الرّوشة)، وحزنت لاحتفاظهم ببعض المباني المدمرة منذ الحرب الأهلية. 

عملت في فترة إقامتي الأولى أجيراً لدى أحد السباكين، وقد كانت تلك المهنة بمثابة السّماد الذي نثر على جذور عقلي، فدخلت بيوتاً ترتصف الصلبان واللوحات الدينية على جدرانها بمهابة كأنها تقول للقاطنين : الرب أقرب إليكم مما تظنون.

دخلت بيوتاً تستفيق على خشوع صوت (عبد الباسط عبد الصمد)، وبيوتاً تستفيق على عذوبة صوت (فيروز) ورائحة قهوة (معتوق)، ودخلت بيوتاً أخرى بلا أرباب ولا أصوات ولا روائح.

في منطقة (طريق الجديدة) حيث استقرت بي الأحوال عاملاً في صيدلية ومقيماً في البناء الذي يقابلها، تعرفت إلى (شفيق) الذي تسلّل بخفة السّارق إلى شرفة حياتي بابتسامته العريضة ولهجته الطرابلسية الطريفة.

لم يكن شفيق يتوانى عن إلقاء النكات والتهريج حتى مع الجدران والأشجار والأرصفة فأينما حل تسود البهجة وتعلو الضحكات، ولا تحتاج للوقت لتكون صداقة مع هذا الإنسان، يكفي فقط أن ترمي السلام عليه ليبدأ بمد لحاف المحبة فوق قلبك، وبهذه البساطة كان وكانت صداقتنا .

في إحدى الأمسيات، وبينما كنت خائضاً في مستنقع السكون أحاول إمساك علقات أحلامي، طُرق باب الغرفة بعنف كأنّ معركة طاحنة تدور خلفه، قفزت من مكاني محاولاً اجتياز الحلم والعودة إلى الواقع الطارئ، صدحت حينها ضحكة شفيق وكأنه رأى معالم الارتباك تطفو على وجهي من خلف باب الغرفة .

لم ينتظر عودتي من المطبخ كي أجلب العصير الذي طلبه ليبلّ ريقه بل أخذ يتحدث إلي من مكانه، وعلى غير عادته هذه المرة أخذ حديثه طابعاً جديّاً بعيداً كل البعد عن نكاته وتهريجه المعهود:

– سمعت مبارحة بالليل شو صار ؟.

وبدون أن أجهد عقلي بتحليل سؤاله أجبته “لا والله، ليش شو صار ؟”

– المخابرات السورية قطعت الكهربا عن صبرا وطبوا عليها شالوا شباب من هنيك ومن بين الشباب أحمد أخوه لتوفيق الحلاق.

ملأ الخوف صدري كأنه دخان سيجارة وطنية رخيصة، أنا الذي جئت من بلاد تلتصق الآذان فيها على كل جدار حتى على جدران الحمامات وغرف النوم. أذكر أنني استهلكت أرقاً كثيراً تلك الليلة وأنا أفكر في حديث شفيق عن حماقات الجيش السوري بحق اللبنانيين وتعسفيته منذ الحرب الأهلية إلى الآن.

 اتفق وقت عودتي إلى الغرفة مع نطقه لاسم توفيق الحلاق وبدون تفكير سألته عن سبب مداهمة المخابرات السورية لمخيم صبرا فأجابني بأنها قضية تخص الإتجار بالمخدرات. هنا بدأت تنمو في رأسي براعم أسئلة (ما علاقة المخابرات السورية بقضايا كهذه؟ أين السلطات اللبنانية مما يجري هنا في ساحتها؟)

كبرت الأسئلة بسرعة مربكة فألقيتها في حضن شفيق الذي أجابني مع ضحكة تحمل الكثير من السخرية والغصة بنفس الوقت:

–  لك خيي أي سلطات لبنانية وأي هوا ؟ كلّه ماشي بأمر المافيا تبعيتكن. 

انتهت تلك السهرة بقدرة قادر، ملأ الخوف صدري كأنه دخان سيجارة وطنية رخيصة، أنا الذي جئت من بلاد تلتصق الآذان فيها على كل جدار حتى على جدران الحمامات وغرف النوم. أذكر أنني استهلكت أرقاً كثيراً تلك الليلة وأنا أفكر في حديث شفيق عن حماقات الجيش السوري بحق اللبنانيين وتعسفيته منذ الحرب الأهلية إلى الآن. ختمت حلقة الأرق فجراً بأن ذلك الفتى يهذي بكلام أكبر من سني وسنه واستسلمت للنوم .

بعد فترة ليست بعيدة من تلك الحادثة، وبينما كنت مستغرقاً بتلميع الرفوف الزجاجية للصيدلية دخل رجل يحمل كيساً كبيراً بحجم أكياس القمامة وتوجه به نحو أسامة الذي كان منشغلاً بتلقين مندوب إحدى شركات الأدوية طلبية الأسبوع.. توقف أسامة عن حديثه لينظر في أمر الزبون صاحب الهيئة المريبة، وبدون مقدمات فتح الزبون كيسه الضخم عارضاً على أسامة ما بداخله من أدوية سورية مهربة. بارتباك وخوف شديدين رفض أسامة شراء تلك الأدوية. آنذاك، انسحب المندوب من المشهد ليتوارى في المستودع الخلفي للصيدلية، فلحقت به لأستبين سبب دخوله هنا فوجدته يتحدث عبر الهاتف الجوال عرفت من كلامه أن الشخص الذي على الطرف الأخر من المكالمة هو موظف كبير في الشركة التي يعمل بها المندوب، حيث سرد له باقتضاب أن شخصاً دخل الصيدلية /أشار لها بالاسم والعنوان / وبأن هذا الشخص يبيع أدوية مهربة تطابق من حيث التصنيع أدوية شركتهم وفهمت من الحديث أن الموظف الكبير طلب إليه أن يلقنه نمرة سيارة الزبون المريب، وبنظرة خاطفة نحو مؤخرة السيارة قال للموظف:

–  دكتور هي السيارة سورية والنمرة مكتوب عليها الجيش!

كانت هذه الكلمات بمثابة شارة النهاية للحدث، حيث طلب الموظف من مندوبهم أن ينسى الأمر وكأن  شيئاً لم يكن، فهم ليسوا قادرين على الدخول بمشكلة مع الجيش السوري وهذا ما سرده لنا المندوب بعد زوال الغيمة. 

خرجت ولم تخرج مني تلك المدينة، سرقت منها بعض الألوان وسرقتني بكلي، اشتعلت فيها أولى شرارت كرهي للنظام “المافيوي” الجاثم على قلوب الأحياء وقبور الموتى، غرست فيها أولى شتلات الحب لفتاة لم أتبختر أمامها بجوال مركون على خاصرتي. 

أعادتني هذه الحادثة قسراً إلى حديث شفيق عموماً وإلى جملة  “تحكمنا المافيا تبعيتكن” بشكل خاص، لو أخبرته عما جرى يومها بالتأكيد سيسخر من اعتباري تلك الحادثة أمراً عظيماً وكان سيكرر على مسمعي حكاية العسكري السوري الذي يمرّر أرتال السيارات اللبنانية عبر الحاجز بإشارة من بسطاله العسكري، ولأعاد سرد الأهوال التي سمعها على لسان أهله، كان ليسخر حينها بقدر حزنه الآن على إغراقنا بالموت من قبل تلك المافيا “تبيعيتنا”.

من بيروت وبعد إقامة هناك تجاوزت ثلاث سنوات نبتت في رأسي شجيرات أفكار مثمرة وكذلك حقول أعشاب ضارة ما زلتُ إلى اليوم أجزها. 

خرجت ولم تخرج مني تلك المدينة، سرقت منها بعض الألوان وسرقتني بكلي، اشتعلت فيها أولى شرارت كرهي للنظام “المافيوي” الجاثم على قلوب الأحياء وقبور الموتى، غرست فيها أولى شتلات الحب لفتاة لم أتبختر أمامها بجوال مركون على خاصرتي. 

عدت من هناك بلا رفيق درب يكسر ملله بمطرقة خوفي …ولم تعد بيروت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + 7 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى