ذاكرة حدث

الحرية في مفهومها البعيد عنا

“هّي الحرية الي بدكن اياها، تقتلولي ابني!؟ تصمت قليلاً لتلملم نفسها وتأخذ نفساً عميقاً، وأنا أمامها أقف مجفلة، لا أستطيع التحرك، كل جزء فيّ مشلول، بالكاد جررت جسدي لأعزيهم وأنا أتوقع ثقل المشهد عليّ، عليهم، على كل من يعرفهم، لم أعد قادرة على التكلم، الكلمات أصبحت هاجعة في ركن من أركان الزمان.

“استشهد جلال استشهد مهجة قلبي”، توجه الكلام لي وكأنني أنا المسؤولة عن استشهاده وفقدانها له، فأنا بنظرها التي أشارك أولئك في هدفهم المعادي للسلطة، في حين تراهم هي معادين للبلد وجالبي الخراب والموت. واليوم يثبت الواقع أنهم فعلاً جالبي الموت ولا يمكن أن يكونوا غير ذلك بالنسبة لها.

خالتي السبعينية التي لم تسمع بكلمة الحرية طوال عمرها، شاءت الأقدار أن تسمعها عندما التحق ابنها البكر بالخدمة العسكرية في بداية عام 2011، ويأتي خبر استشهاده في 2012، لتلتصق عندها كلمة الحرية بالقتل والإرهاب والخروج ضد القانون والدولة.

أصبحت كلمة الحرية هي الرهاب بالنسبة لبيت خالتي، كلمة غير موجودة في قاموس حياتهم، فكل شيء كان يحصل على الأرض السورية كرّس هذا المفهوم وبات ينضج داخلهم خلال سنوات الحرب، فالمعارضة في نظرهم هي الإرهاب والقوى المسلحة التي استباحت الأرض السورية وقتلت الناس وشردتهم في بلاد اللجوء والمخيمات وخسروا بيوتهم وعائلاتهم من أجل كلمة كانت خارج حساباتهم الزمانية والمكانية، ليأتي استشهاد جلال ويرسخ فهمهم لمعنى الحرية، وهو الذي حمل همّ الدفاع عن الوطن ضد المؤامرة الكونية التي تحاك لسوريا وشعبها، وخسر شبابه وحياته من أجل الدفاع عن تراب الوطن، وهي الحقيقة التي تقبلوها بهدوء كي يبقوا أحياء.

قناعتهم هذه هي التي دفعت جلال ليلتحق بالخدمة العسكرية بعد أن أنهى دراسته الجامعية اختصاص أدب عربي، وبذات الوقت هم لا يملكون رفاهية رفض قرار الالتحاق، فهم ناس بسطاء همهم الأول العيش بأمان وتأمين معيشتهم اليومية، من خلال راتب التقاعد الذي يأخذه والد جلال، وكذلك راتب أخته الموظفة في أحد المراكز الصحية، بالإضافة إلى اعتمادهم على المواسم الزراعية من حمص وقمح وشعير.

يتناوبون خالتي وأبناؤها على التحديق في صورة جلال ذات الإطار الذهبي، الصورة التي أصبحت جاهزة لتنصب على ضريح الشهيد وهو في بدلته العسكرية، يحدقون بصمت وأنا أحدق فيهم منقطعة الأنفاس، هم لا يملون من النظر للصورة وأنا لا أملّ من النظر إليهم، وأتساءل كيف يمكن أن أخفف من الفاجعة التي حلّت بهم، فاجعة حولتهم لأشخاص هشيّن محطمين منكسرين، فاجعة أفقدتهم سند البيت وكبيره، ليفقدوا معه إحساسهم بالأمان الذي كان جلال يعطيهم إياه، معتبرين أن وجودهم بدون جلال لا معنى له.

منذ بداية الحرب في سورية كانت خالتي وأبناؤها مقتنعين بالمؤامرة التي تحاك لسوريا وشعبها ورئيسها وكانوا ضد كل من يرى أن النظام هو الذي حول سوريا إلى ساحة حرب واقتتال وهو الذي صنع الإرهاب وجلبه ليقنع شعبه بأنها مؤامرة كونية، قناعتهم هذه هي التي دفعت جلال ليلتحق بالخدمة العسكرية بعد أن أنهى دراسته الجامعية اختصاص أدب عربي، وبذات الوقت هم لا يملكون رفاهية رفض قرار الالتحاق، فهم ناس بسطاء همهم الأول العيش بأمان وتأمين معيشتهم اليومية، من خلال راتب التقاعد الذي يأخذه والد جلال، وكذلك راتب أخته الموظفة في أحد المراكز الصحية، بالإضافة إلى اعتمادهم على المواسم الزراعية من حمص وقمح وشعير.

قرار التحاق جلال بالخدمة العسكرية لم يكن قرارا بقدر ما هو واجب من منطلق رؤيتهم وتفكيرهم بالتعامل مع الملموس وليس بالمفاهيم والمجردات كمفهوم الحرية التي كانت المعارضة تنادي به والتي خرجت من أجله غالبية المحافظات السورية بمظاهرات لم تعنِ لهم شيئاً ولم تغير في شيء على الأرض السورية. فالنظام من وجهة نظرهم باق ومعشش في أذهانهم إلى الأبد، فهو الدولة التي بنت البلاد وجعلتهم يشعرون بفرحة وجودهم وامتلاكهم للحياة ومفاتيحها أثناء تخرج جلال من الجامعة وحصوله على شهادة الأدب العربي ليصبح لهم الرمز والقدوة ويتفاخرون فيه أمام أنفسهم وأمام الآخرين. 

لا علاقة لبيت خالتي بالآراء السياسية أو بالموالاة والمعارضة، كما لا يهمهم ما يدور على الساحة السورية وخارجها من مؤتمرات وندوات ومشاريع وورشات عمل، يريدون أبسط أنواع الحياة بدون ألم ومتاعب، كانوا كالكثيرين يظنون بأن الحرب كانت في مكان آخر كصرير بعيد لزوبعة صيفية، ليأتي خبر استشهاد جلال ويدخلهم عنوة في دوامة الحرب وتساؤلاتها وضجيجها ويرونها داخل بيتهم.

تستقبلني خالتي بجملتها “هي الحرية إلي بدكن إياها، تقتلولي ابني”، أبتلع لساني، أخرس أمام انكسارها وحزنها وفاجعتها، أنا لا شيء، تمنيت لو تنشق الأرض وتبتلعني، فأي شيء سيصدر مني هو عدم وعبثية وكلام تافه لا معنى له، فالحقيقة هنا تتجلى أمامي بكامل صورتها، الحقيقة في خالتي المرأة الجبارة التي هَوت وسقطت، وسقط معها أبناؤها وبناتها بموت جلال. 

تأخذ نفساً عميقاً وتحبسه داخلها، يتراجع وجهها إلى مكان بعيد ثم يعود، لتروي وتتذكر أحداث ومواقف قام بها جلال في آخر إجازة كان فيها في البيت، عندما أصلح حنفية الماء لكي لا تتسرب منها المياه، وذهابه مع والده إلى الأرض كي يساعده ويشعر بأنه يقدم شيئا للبيت وهو بعيد عنه، “لم يتركنا جلال لحظة واحدة حتى وهو بعيد عنا، كيف سأعيش بدونه؟”. تصمت لترتاح قليلاَ فقد أصبح قلبها عاجزاً عن تذكر المزيد، لتكمل أخواته بدورهن المشهد المأساوي، مشهد الفَقِد والعجز وكأن حياتهن انتهت بموت الأخ الأكبر والسند لهن، وكأنهن كن في حلبة سباق كل واحدة منهن تريد أن تتذكر أكثر لتروي عنه وعن مواقف حصلت بينهم وكيف تصرف حينها. يا إلهي كيف سينجين من التيه الذي يدرن فيه؟

ولكن الواقع اليوم يثبت أنهم على حق، لم تقم المعارضة بعمل أي شيء لصالح هؤلاء الناس وهم الشريحة الأكبر في المجتمع، لم تقدم لهم أشياء ملموسة بعيداً عن المفاهيم والشعارات الطنانة التي لم تجلب لهم سوى الخراب.

لغاية الآن ولم تغير خالتي وأبناؤها نظرتهم لمفهوم الحرية، بالرغم من أن كل شيء يتغير الأرض والزمن، الحب، الحياة، الإيمان، العدالة والشر أصبحت كلها مفاهيم سائلة متغيرة، ولكن الواقع اليوم يثبت أنهم على حق، لم تقم المعارضة بعمل أي شيء لصالح هؤلاء الناس وهم الشريحة الأكبر في المجتمع، لم تقدم لهم أشياء ملموسة بعيداً عن المفاهيم والشعارات الطنانة التي لم تجلب لهم سوى الخراب.

فهل ستتحقق العدالة يوماً ما، ولكن ما هي العدالة وكيف ستكون تلك العدالة بالنسبة لخالتي، وماذا بإمكانها أن تقدم لها بعد موت ابنها؟ العدالة التي خرج السوريون يطالبون بها فأفقدتها الحرب معناها.

اللوحة ليوسف عبدلكي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى