خاطرة

جبيرة للخواطر المكلومة

“اقتلوا كل من يظهر في وجهكم” جملة رددتها القبضات اللاسلكية بصراخ عربي فصيح ولهجة مغربية! يحث المجاهدون فيها على تطويق القرى التي تقع تحت سيطرتهم وتخالفهم في المذهب! وجاءت الأوامر بقتل كل من هو خارج منزله. لكن شيوخا ورجال دين وفتيات وأطفال عزل غير مسلحين قتلوا داخل منازلهم!.. 

            لم يكن الخلاف تكفير مذهب لمذهب – رغم أنه لطالما كان على طول البلاد الإسلامية عاملا في احتقان القلوب تجاه كل من هو غير سلفي- تكفيري – جهادي- وهابي – داعشي – قاعدي.. 

            لكنه كان لسبب أتفه من ذلك! كان للاستيلاء على بيوت – تركها أصحابها خوفا على رقابهم من سواطير المؤمنين! – بيوت آمنة كغنيمة جاهلية قبلية همجية في هذا الزمن البربري، تطبيقا للشريعة وتوزيع الغنائم! وإيواء المهاجرين في بيوت اللا أنصار.

            ضجت الأخبار بهذه الفعلة النكراء؛ فطالعنا أمير مؤمنين ذاك التنظيم “الجهادي السلفي” في موجز رفع العتب الإخباري يصرح بأنه “يلوم الفاعل على فعلته! وأنه تصرف دون العودة إلى القيادة! وأن تلك الملة خارجة عن العقيدة وقد أرسل إليها من يصححها لها!!” 

            أمير المؤمنين يلومه! نعم هكذا قال.. وكأن المغربي لطم أحدهم على خده الأيسر! لا أنه قتل عشرات بغير وجه حق!! عشرات قضوا دون ذنب ودون إعلامهم بما قضوا! في زمن المجازر حيث لا أمان أمام من لا يملك سلاحا وسندا لجماعة ما! لعصابة ما! لتنظيم ما! لسخام ما يحمي نفسه وعائلته بهم أمام هؤلاء البرابرة التكفيريين. 

لا! ولكنه امتهن القتل منذ توفي النبي.. وربما منذ تمكن وصار له شوكة، منذ أن شُهر أول سيف في وجه أول مسلم وربما أول معترض على الإسلام! مذ حُوِرَ النص الديني لغايات السياسيين! وجروا النصال على رقاب الأعداء باسم الله أكبر على من يصيحوا الله أكبر.

            قال أمير المؤمنين وسنرسل إليهم من يصحح لهم دينهم؛ ويقومه! قال: “ومن أقدم على فعلته كان تصرفه فرديا!” صدق أمير المؤمنين.. 

            يجادلني زميليى”ليس هذا الإسلام”، يجادلني زملائي وأصدقائي “ليس هو الإسلام!”، لا! ولكنه امتهن القتل منذ توفي النبي.. وربما منذ تمكن وصار له شوكة، منذ أن شُهر أول سيف في وجه أول مسلم وربما أول معترض على الإسلام! مذ حُوِرَ النص الديني لغايات السياسيين! وجروا النصال على رقاب الأعداء باسم الله أكبر على من يصيحوا الله أكبر. لم يعد للإسلام وجه سمح على الفضائيات؛ إلا وجوه الجناة والقتلة والمعفرين بخضاب ممزوج بسخام المعارك! والمتمنطقين بأحزمة ناسفة شاهرين سيوفهم وبلطاتهم! فاغري الأفواه، مغلقي العقول أمام كل من يجادلهم في حقهم بفروج السبايا وملكات اليمين والزوجات!

            أما أمير المؤمنين أطال الله في عمره، فقد اعتقل الفاعل العاصي لولي أمره! وحبسه لمدة شهرين، ثم أطلقه ليعاود صولات تنمره قتلا وتعذيبا واغتصابا وإجراما. وتطوي الأيام سنوات على فعلته وهو تحت جناح أمير المؤمنين يقتل المسلمين وغير المسلمين.

            قال الأسير الداعشي وهو في لونه البرتقالي: “كنت بعد أن أنتهي من ممارسة حقي المقدس في اغتصاب السبية الأزيدية أنظر إليها وهي ذاهبة بشيء من الشفقة!” رق قلب محاوره على التلفاز وقال متعاطفا مع هذا المجاهد!: “كم أزيدية اغتصبت؟” يبدو أن المذيع ظن أن المجاهد غرست أفعاله النكراء فيه ضميرا جديدا أو أحيت ضميرا ميتا! وأنه سيقول له 10 وربما في أفظع الأحوال 20 – 30 ثم تبت.

فأجابه: “لا أذكر بالضبط ربما ألفا! كنت أغتصب يوميا ثلاثة تقريبا!!”

            يال حماقة السؤال؛ بل يال ذكائه! لا أعلم.. ألفا!، يمكن أن يتجنى إنسان على عدد لا نهائي من البشر وربما عدد ينتهي بانتهاء البشرية، لكن كم مرة يمكن أن نعدمه أو ربما نحبسه مؤبدا على ما جنى!؟ أين كانت تلك الرايات السود تختبئ حين كان مثقفو دمشق يثورون في شوارعها؟!

مذ وعيت ودخلت الحياة في تيارها الأوسع وجدت من قال إن أبناء جلدتي يعبدون الجنس ويمارسون سفاح القربى! وسمعتها تساق على كل الأقليات التي يجهلون معتقدها.. وشاهدت من يكره الآخرين فقط لأنهم يخالفونهم في الدين والمعتقد وينعتهم بأقذر النعوت؛

            قال الأسير الداعشي وهو في لباسه البرتقالي: “وقتلت المئات منهم!.. كنت مجبرا؟! إن لم أقتلهم هناك من يقف ورائي ليقتلني؟!” ومن وراء من سيقتلك يقف؟ هل هو أمير المؤمنين؟!

            قالت له الناجية الأزيدية التي كانت إحدى المغتصبات: “أسامحك!”

            هذه الكلمة لا أثر لها عند أبناء هذا الاتجاه فهي لا تمثل لهم شيئا ولا يفهمونها؛ فلربما ذبحوا حوريات الجنة إن سكبت بالغلط إحداهن الخمر الذي لا يسكر على ثوب الاستبرق وهم متكئون على الأرائك وعكرت صفوهم! “أسامحك” كلمة نريدها قولا وفعلا حتى نبني وطنا يحتوي الجميع، ولا يخاف فيه أحد على عرضه وماله وروحه فقط لأنه ولد في منزل ينتمي إلى الجماعة الدينية أو المذهبية أو العرقية الأخرى؛ لكن من قال إن من قيلت له تلك الكلمة لو قدر له أن يعيد ما فعله لن يعيده؟ أفبعد قتل واغتصاب المئات لا زال إنسانا؟!

            بينهم أخفي هويتي لأني أعلم أن أحدا لا يسامح مع من يخالفهم الدين، وأتحمل الكثير من العبارات التي أستطير منها؛ مذ وعيت ودخلت الحياة في تيارها الأوسع وجدت من قال إن أبناء جلدتي يعبدون الجنس ويمارسون سفاح القربى! وسمعتها تساق على كل الأقليات التي يجهلون معتقدها.. وشاهدت من يكره الآخرين فقط لأنهم يخالفونهم في الدين والمعتقد وينعتهم بأقذر النعوت؛ هناك شاهدت من لا يصافحني لذات السبب بعد أن عرف من أي دين أنا! شاهدت من يحاربني في رزقي ويمنع توظيفي، ويطلق علي الإشاعات ويطردني ويُخَوِنُني ويكفرني ويرسبني، ما أصعب أن تكون من الأقليات وما أصعب أن تكون من الأكثرية! قال لي أحدهم ولم يكن يعلم أني منهم: “من يتزلف وينافق للغرب حول الديمقراطية مداهن، ليس هناك حدود للإسلام، والديمقراطية لدينا هي تسيدنا على الجميع، والأقليات في نظامنا الديمقراطي حقوقها مصانة ولها ميزات عديدة إن دفعت الجزية!” حمدت الله أنه لم يكمل الشرط اللازم لدفع الجزية “وهم صاغرون”.

“لا يحق لأحد أن يعتدي على سوريا إلا بالتنسيق معها”

            مذ بدأ التحالف الدولي بدك معاقل الدواعش في الرقة أحسست بالعجز وبخروج موضوع الثورة والمعارضة والنظام عن إرادة أي أحد في هذه الدولة؛ حتى أن المُعلم خرج علينا بتصريح صافٍ وطاهر ونقي يقول فيه: “لا يحق لأحد أن يعتدي على سوريا إلا بالتنسيق معها” لقد كان لهذا التصريح البريء الذي لا يحمل أي وجه أو نية خاطئة ما يمكن وصفه في علم السياسة بعبارة مشابهة “ما أفصح العاهرة حين تتشدق بالعفة” أو بعبارة شوارعية: “سأطوبز لكم جميعا.. لكن بالدور يا شباب!”.. التحالف الدولي عرى عجز الدولة السورية تماما، وعرى المعارضة والحلفاء جميعا! وصار يمثل لي شيئا من الخيبة واليأس وبت أتجنب سماع أخباره..

            يرسل لي صديقي صورة لرجل يقف بلباسه وبهيئته السلفية، حالقا شاربه ومطلقا ذقنه الشعثاء؛ وقد رفع السبابة متشهدا ومبتسما، ووراءه مجموعة من الدواب وكأنه يخبرنا بصورته هذه أنه كان في غزوة بدر.. أو ربما هي وسيلة نقله حتى لا يستخدم صناعة الغرب الكافر.. أعرف أن المؤمن يجب أن يكون “كَيّسٌ فَطن” لكني لا أعلم أين هي الكياسة في حلق الشارب وإطالة الذقن!.. لم أرى وجها في حياتي قد حلق شاربه بالطريقة السلفية وأطال ذقنه إلا وتطيرت منه، وأحسست بالنفور أيضا. صديقي هذا شاهد بأم العين مجازر رهيبة لهؤلاء السلفيين الجهاديين.. وكتب أسفل الصورة: “فطس”.. لم أعلق على الصورة ولم أعرف من المقصود.. بعد أيام شاهدت صورة الرجل ذاتها في خبر عنوانه: “صاروخ للتحالف يقضي على المغربي”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 4 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى