ذاكرة طبيب

كرنفال الوحل البشري

جميلتي!

لا شيء يداني براعةَ الحياة أكثرُ من شدة هشاشتها. يكفي أن تطلعي على فيزيولوجيا كائن وحيد الخلية حتى تقولي: هذا وُجد ليبقى. ثم يكفي أن يصاب إنسان مذهل التعقيد ــ مقارنة بوحيد الخلية فحسب ــ بإنتان في الدم تلا التهابا بسيطا، حتى تري أجهزة جسمه ينهار الواحد منها تلو الآخر في تناسق رائع، كأن ذلك القصر المشيد كان في واقع أمره بيتا من أوراق اللعب. 

ههنا ينتهي علمنا ويبدأ الشعر: الحياة مزيج من الجمال والخطر، من البُقيا والزوال، من اللين والشراسة، من الجلال والضَّعة، والأسير لا حي ولا ميت.

وما الحياة؟ تسألينني. الحياة شيء عضوي يستطيع تحويل الغذاء إلى ذُرّيّة، كذا اصطلح العلماء. وكل ما لا ينطبق عليه هذا التعريف هو جماد، أو ميْت، أو يحتضر، أو ذَكَر عقيم (وكأني أسمع ضحكتك ذات الفجور الشرقي). لكن ما هو ذاك الشيء الذي يجعل الحي حيا؟ هل نستطيع يوما تخليق الحياة في مختبر؟ هل سنكون على يقين من وجودها أو انعدامها في جِرم آخر غير كوكبنا الفريد هذا؟ هل الخلود في مُكْنتنا (وإن كنت لا أرى شيئا يشجع عليه)؟ هل الفيروسات كائنات حية؟ وتلك المدعوة “بريونات”، وهي مجرد بروتينات لكنها تستطيع التناسخ بما يكفي لتجنين البقر والبشر؟ وماذا عن الموضوعين على أجهزة الإنعاش، الميتين سريريا أو دماغيا؟ ثم ماذا عن آلاف من المحاصَرين كما لو كانوا دجاجا ينتظر الذبح سوى أنهم لا يُطعَمون، بَق بَق بقيق، أهُم أحياء؟

ههنا ينتهي علمنا ويبدأ الشعر: الحياة مزيج من الجمال والخطر، من البُقيا والزوال، من اللين والشراسة، من الجلال والضَّعة، والأسير لا حي ولا ميت.

لذا، وفي ظل هذه الحيرة البيولوجية والفلسفية معا إزاء هذه المعضلة، لجأتْ أنظمتنا الحاكمة ــ نصرها الله على الشعب والمعارضة ــ إلى تعريف إجرائي: “أن تكون حيا معناه أن تكون قابلا للقتل”. ولك أن تستشفّي بذهنك الذي ما عهدتُه إلا حديدا فعالية هذا التعريف، وحساسيته ونوعيته العاليتين، وسهولة اختباره، وقلة تكلفته.

ولهدف ــ بدا لي عظيما آنذاك ــ يتعلق بفهم لُغزَي الحياة والموت، طامنت نفسي على دراسة الطب، هاجرا إغواء الرياضيات وإغراء العربية. ولست أزعم أنني اقتربت من جواب أو شِبهه، بل وعينيكِ ما ازددتُ إلا عمى، غير أنه أتيح لي التلصص بعينين شبقتين على الحياة والموت وهُما يعتوِران أجسادنا. 

إن لم تكن لك حرية مجيئك إلى هذا العالم المذهل، فلتكن لك حرية الرحيل”.

لم أخبرك بكل هذا الهراء؟ لأنه ليس سواك. وما هذه أداتيةً رخيصةً مني، هي غريزة البقاء تقوم بعملها. لكني فعلا أريد أن أجيبك على سؤال قديم لك. فقد قرأتِ مرة شيئا نشرتُه على حائطي في الفيسبوك، شيئا بدا مثل رسالة تقول:

“صديقي العزيز!
من له الحق في إنهاء حياتك سواك أو سوى مرض مزمن لعين؟ إن كانت حياتك ثمينة، إن كنتَ أعظم من أن تستوعب أنت ذلك، إن كنتَ إلهاً مُسخ في جلد إنسان.. لا تمنح من هو أحقر من أن تنظر إليه شرفَ سلبِك حقك الطبيعي في الوجود. 
إن لم تكن لك حرية مجيئك إلى هذا العالم المذهل، فلتكن لك حرية الرحيل”.

حين قرأتِ رسالتي تلك، اندلعت في دماغك نيران تُعزى عادة للنواقل العصبية وخليط من الهرمونات: فضول صحفية محترفة، حِرصُ محقق على جمع الأدلة واكتشاف الملابسات، فزعٌ من طبيب يروج للانتحار، وتسرعٌ في الاستنتاج حين تكونين غبية. يومها ماطلتُ كأن لنا الدهر بأبده. وسآتيك الآن بتأويل ما لم تستطيعي عليه صبرا. فقد حدث في زمن موغل في اللعنة أن التقى أقدم سلفين لي: واحد تحدر من تراب صحراء شبه جزيرة العرب، وواحدة استحمت مرارا بأمواج جزيرة كريت… وأنجباني. ومنذ ذلك اليوم، لم يسر شيء على ما يرام (هي ذي ضحكتك ثانية). ثم حدث أن كنتُ في وحدة العناية المشددة في مشفى فلسطين، كان عندي خمسة مرضى، وكان الشيء الوحيد الذي يُحسدون عليه أنه ما من واحد منهم يعي الوضع الكارثي الذي كانوا فيه/ كنا فيه. مريضة بعينها كان وضعها الأسوأ، وكنت أتوقع أنها لن تعيش طويلا، أي لن تصمد أكثر من يوم أو اثنين. ولم يكن ذاك مجرد انطباع ذاتي أو تعاطف معها/ معي، كان مبنيا على موجودات مخبرية وعلامات سريرية. ولم تَعُد المضادات الحيوية التي كانت تحقن في أوردتها، أو ربما لم تكن في الأصل، قادرة على ضبط حالتها الإنتانية. وضعها ينحدر بسرعة أيّل، وفي قبعة الساحر أرنب أخير اسمه التجاري “تينام”. وهذا الأرنب مضاد حيوي واسع الطيف يقوى على كثير من الجراثيم المعنِّدة، أي تلك التي تمرست في الحياة وتضلعت من فنون البقيا. هل أعطيها تينام؟ أسمعك تقولين: ودي عايزة كلام؟ لكن ثمة مشكلة بسيطة: ما كان عندنا منه لا يكفي غير مريض واحد. وقد أخبرتك أن وضعها سيئ للغاية، واحتمال نجاتها بتينام أو دون تينام ضئيل للغاية، لكنني إن أعطيتها إياه أكون حرمت منه أحد زملائها الأربعة ممن قد يحتاجه قريبا وستكون فرص نجاته أكبر. وقبل أن تظني أن هذا مجرد اختبار نظري يجريه باحث في علم الأخلاق، أو أنني أستخدم مصطلحات توحي بأني مقامر محترف، إليك هذا اللغز:

أنتِ الطبيب الجراح الوحيد، وجاءك مصابان معا يحتاجان عملا جراحيا عاجلا أو إسعافيا. بأيهما ستبدئين؟

بعد تفكير وأنت تحتسين عصير الليمون تقولين: بمن إصابته أشد.

– لكن إصابته من النوع القاتل، سيموت على أي حال، لم تحرمين المصاب الآخر من ساعة أو ساعتين تشكلان فارقا مُهما؟

بعد تفكير وأنت تمضغين جيدا قطعة من تفاحة: بمن احتمال نجاته أكبر.

– ها أنت تفكرين مثل مقامر! لكن هذا المصاب رجل في الستين، رأى من الدنيا ما شاء أو ما شاءت، لم ستحرمين الطفل؟

بعد تفكير وأنت تسحبين الرمق الأخير من سيجارتك: إذن سأبدأ بالطفل حتما.

– حتى لو كان الرجل الستيني أباك؟

لسبب لا أفهمه، لم تعد بك رغبة في إكمال هذه اللعبة. ولا أدري إن كنتِ تسمعينني وأنا أحدثك عن أداة ذهنية ابتكرها الأطباء يسمونها ال triage أي الفَرْز. وغرض هذه الأداة تحديد مَن مِن المرضى له الأولوية في العلاج، وذلك حين لا تكون الموارد كافية لعلاج الجميع بشكل فوري. وليس هذا شيئا لا يحدث إلا في السنوات الكبيسة أو عند اقتران الكواكب، هو شيء “بيصير بأحسن العائلات” كما يقولون. فكيف بك في مكان محاصر كنا فيه بحاجة كل شيء كي نكون أي شيء؟ وما كنت أفكر فيه بخصوص التينام كان مجرد تطبيق لهذه الأداة، رياضة فكرية كنت أمارسها كثيرا تلك الأيام. 

هنا تهلعين إذ تحدسين أن الأخلاق نسبية والاقتصادَ مطلق، وتهرعين في تسارع منطقي من هشاشة الحياة إلى هشاشة وجودنا البشري ذاته. وقد تقولين في نفسك: كيف سأتصرف مثل إلهٍ إغريقي يختطُ مصائر البشر، أنا التي لا يزال حب الشباب يكسو جبينها، ويؤلمها شق شرجي؟ لكن ماذا أفعل من أجلك؟ هذا هو الواقع، وهذا هو المتاح. ومن الواقع والمتاح أنه في لجة تفكري في معضلة التينام تلك، هطلت بضع قذائف سخية على المخيم، وانهمر المصابون على قسم الإسعاف، فنزلت من برجي العاجي ذاك إلى حيث اللحم والدم وفيران. في ساعات العمل المحموم لإنقاذ من/ما يمكن إنقاذه، تحدثتُ مع أحد المتطوعين ــ ممن كانوا يستشهدون كثيرا بالقول المأثور: “يلعن هالعيشة” ــ عن فكرة الانتحار. ليلا، إذ في النهاية لا بد أن يأتي الظلام، كتب في حائطه ما يشبه رسالة تقول:

“صديقي العزيز!
 لماذا تتعب نفسك في القيام بعمل يمكن أن يقوم به شخص أخر على أتم وجه؟ علماً أنه سيكون سعيداً جداً وهو يمارس حقه الشرعي والتاريخي بتخليص البشرية منك.
وفوق ذلك، ستربح لقب شهيد بالمعيّة، ويصبح لديك من يرثيك ويتغنى بك ويتملقك ــ حتى المرض ــ بعد موتك”

لم تعودي تجدين شجرات الصنوبر جميلة، ولا ابتسامة الأطفال عذبة، ولا الحياة جديرة بالعيش، ولا نصوصي شكلا من أشكال المقاومة. وصار بقاؤك الإلزامي في البيت أعظم كارثة حلت على البشرية، ذنبا نحتاج صلب ألف إلهٍ وذبح ألف نبي كي نجرؤ على التفكير في التكفير عنه.

وكان طبيعيا أن أشعر بأني المقصود بهذه الرسالة، فكان لا بد أن أرد عليه برسالتي تلك التي حرمتك لذة الرقاد. هذا كل ما في الأمر. وإن حدث وسألتِني: “وماذا قررتَ في النهاية؟ هل أعطيتَها التينام؟” سأتأكد حينها أنه لا شيء تغير، لا تزالين أنت أنت وأنا أنا. ولا تزال الألوان تحجب عنك رؤية اللوحة على حقيقتها، ولا يزال السواد يمنعني من رؤية الألوان. ثم ماذا تنقِمين مني لو أني انتحرت؟ ماذا يَضيرك لو أني قررت وضع حد لهذه المهزلة، وأنت في بُلَهْنية من العيش تجعل تأجيل مباراة كرة قدم أو عدم ذهابك للشاطئ لارتداء ثوب البكيني الجديد أكبر مصيبة في حياتك؟ انظري إلى نفسك حين تفشى الوباء ففقدتِ لذة الأمان الزائف التي يشعر بها من يشاهد فلم رعب وهو متكئ على الأريكة يزدرد الفوشار. أبقي عندك مذّاك شيء يقبع في جنة إيمانك؟ وكنتُ أولَ من كفرتِ به، كأني من خلق ذلك الفيروس السخيف. وكنتُ أول من حقدتِ عليه، كأني أملك الترياق وأضن به على غير أهله. لم تعودي تجدين شجرات الصنوبر جميلة، ولا ابتسامة الأطفال عذبة، ولا الحياة جديرة بالعيش، ولا نصوصي شكلا من أشكال المقاومة. وصار بقاؤك الإلزامي في البيت أعظم كارثة حلت على البشرية، ذنبا نحتاج صلب ألف إلهٍ وذبح ألف نبي كي نجرؤ على التفكير في التكفير عنه. الشيء الوحيد الذي دأبتُ على إخبارك إياه: “لا تختبري قسوتي!”. وها قد تكشفت لي إنسانيتك على حقيقتها، مثلما تكشف لك وجهي القبيح، مبسوطة هيك؟

اللوحة بعنوان “انتصار الموت” للفنان: Pieter Bruegel من القرن السادس عشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × اثنان =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى