ذاكرة لجوء

لاجئ طازج

حين عبرت الحدود السورية التركية كنت مؤمناً بالصدف وبأنها محرك بحث رئيسي لاختيار مكان إقامة اللاجئ الطازج.

وشاءت الصدفة حينذاك أن أستريح يوماً كاملاً عند أقاربي في مدينة (بيراجيك) الحدودية وبمجرد تجوّلي في شوارعها التي تنحدر كأوردة عطشى نحو الفرات الذي تركته منذ قليل في ضفة المجزرة، التصقتْ بي والتصقتُ بها كخائفين من مصير مجهول .

ثم لم تكمل الصدفة اختياراتها حين اجتزت جسرها الجاثم على أنفاس النهر كقيد حديدي فكانت محطتي الأخرى هي مدينة الريحانية الملتصقة بالحدود السورية أيضا، كأن أنفي تأبى استنشاق هواء لا يحمل رائحة البارود والدم أو لربما  لم أحتمل فكرة الغوص عميقاً في مياه هذه البلاد الشاسعة… 

 لم تكلفني الورقة شيئاً سوى بعض الخوف والانكسار وأنا أجيب على أسئلة رجال الأمن هذا ما اعتدنا عليه بأن مفردة الأمن يرافقها شعور باللاأمن.

فركبت الطريق وكلي إصغاء لسيمفونية القلق التي يعزفها عقلي.

هناك :

حصلت على ورقة حماية مؤقتة وانتابتني فرحة عارمة بمجرد  قراءتي لكلمة (حماية) فوق اسمي بالرغم من معرفتي بأننا مجرد أوراق على شجرة هذه البلاد وقد يداهمنا الخريف في أية لحظة ونسقط .  

 لم تكلفني الورقة شيئاً سوى بعض الخوف والانكسار وأنا أجيب على أسئلة رجال الأمن هذا ما اعتدنا عليه بأن مفردة الأمن يرافقها شعور باللاأمن.

ما اسمك ؟

حاولت إقناعهم بأنني حسين الضاهر إلا أن حروف اسمي لم تتطابق مع حروف لغتهم فسجلوه مشوهاً ولم أكترث.

ما عمرك ؟

ولم أتلق الشتائم عندما أخبرتهم بأنه مسجل لديهم على بطاقتي السورية.

هل حضرت المجزرة ؟

نعم كنت حاضراً ذاك المساء عندما جمعوا أجزاءها على قطعة قماش،

وجدوا يداً يمنى ثم حاولوا تركيبها في مكانها المخصص فلم تكن على مقاسها, ( هكذا هي المجازر لا ترتكب على هوانا )

هل ترغب بالعودة يوماً ؟

كلنا نريد العودة إلا أنها صارت دعابة سمجة

هل ترغب بإضافة أقوال أخرى ؟

من حيث أتيت لا يمكننا إضافة أي شيء إلى شيء سوى السكر إلى الشاي

فالتقط أحدهم صورة لوجهي المتواري خلف معالم القلق 

وهكذا صرت محمياً بورقة .

  تلقفني الفرات بلهفة أبٍ استعاد ابنه التائه، (لمثل هذه اللقاءات خلقت المدن في قلوبنا)، ولا أدري قد أكون أنا من تلقفته.

وبالرغم من أن الريحانية احتضنتني بسهولة فلم أكن مضطراً لاكتساب لسان آخر أدخل به قلب المدينة ولا حتى التحايل عليها ببعض المفردات المكسرة إلا أن ذاك النهر الشارد في المدينة الأولى كان بالنسبة لي نزفاً في المخيلة وكان لابد أن أوقف هذا النزف،

فجمعت ماتيسر للاجىء أن يجمع من أشياء وهي لم تتعد الحقيبة الواحدة وعدت أسحل أمنياتي المتعبة .

هنا :

  تلقفني الفرات بلهفة أبٍ استعاد ابنه التائه، (لمثل هذه اللقاءات خلقت المدن في قلوبنا)، ولا أدري قد أكون أنا من تلقفته.

فقد تخطيت الحواجز الحديدية المرصوفة على جوانب النهر تماماً كحصان يجتاز الحواجز في سباق مصيري وأخذت رشفة شعرت بعدها بأن وطناً ما تركته في البعيد عاد وتجمع في شراييني دفعة واحدة.

هنا :

تعلمت مبكراً أن مفردة (المسافة) ليست عائقاً أمام مفردة ( العودة ) 

وأن ( هنا ) ليست كـ ( هناك ) وأنهما ليسا مجرد اسمي إشارة، 

وأن ( لاجىء ) ليست صفة تلازمك فقط بل هي أسلوب حياتك كأن تبقي حقائبك في وضعية الاستعداد، 

كأن تحمل الخيمة في قلبك حتى وإن عشت في قصور مشيدة،

كأن تتأنى بشراء قميص آخر أو صحن آخر أو وسادة أخرى أملاً بعودة قد تسبق كل المفردات إلى سطرك.

هنا :

تخلصت مني عقدة المتر الآمن فتحولت المساحة إلى كلب أليف أربت على ظهره صباح مساء، جيئة وذهاباً حتى تأكدت من زراعة بذور أقدامي على كل شبر من هذه الأرض 

هنا : 

صرت صحفياً، مصوراً، كاتباً،ناشطاً، بائعاً، سارقاً، متسولاً، محتالاً،عازفاً، عارفاً، خائناً، صادقاً، طائراً، هابطاً، صرت كل شيء إلا عائداً.

انتهكت مهناً كثيرة

صرت فلاحاً أستيقظ باكراً لأزرع أشجاراً لن أقطف ثمارها

أقطف ثماراً لا يحق لي تذوقها، أسقي زرعاً بلا محصول، وأحصد أصابع مشققة

صرت عتالاً لكنني لم أكن قادراً على حمل الاشتياق والعودة به

صرت عامل بناء لكنني لم أبن سوى مجموعة قصائد و قد تنهار في أية لحظة

صرت مدّرساً أتكئ على حروف العلة لأنهي حصتي وأقبض أجرها

صرت صحفياً، مصوراً، كاتباً،ناشطاً، بائعاً، سارقاً، متسولاً، محتالاً،عازفاً، عارفاً، خائناً، صادقاً، طائراً، هابطاً، صرت كل شيء إلا عائداً.

هنا :

  تنقلت في بيوت عديدة وفي كل مرةٍ كنت أقول :

 سأرحل غداً، هكذا بلا مقدمات

سأترك ورائي سنوات من القصائد البالية وشجيرة ( تين ) نبتت بين درجات البيت رغماً عن أنفي وأنف الطبيعة الأم

سأترك ورائي أربع سنوات من اللهاث في صعودي المستمر وما يقابلها من الحيرة في هبوطي

سأترك لصاحب البيت كومة حطب كنت قد قددتها من أطرافي ذات خريف لعله سيشكرني للمرة الأولى والأخيرة

سأترك كل الفراغ الجميل الذي صادقته هنا لأرتبط بعزلة فتية

سيأكل الصمت حجارة هذا البيت اللعين ولن أهتم

ستقول جارتنا العجوز بلكنتها الرطبة لا ترحلوا , فقد اعتدنا عليكم 

لذلك سأترك لها بعض المفردات السورية الحزينة كـ ( شلونك ) و ( زين ) لتتباهى بها أمام من يعتقدون بأنها خرفة

سأترك خزانتين قديمتين وفرن طلقته النار منذ شهور

سأترك ظلالنا ملتصقة على الجدران ولعابنا على الكؤوس المرصوفة بانتظام على بلاطة المطبخ

سأترك كل الأحلام التي نبتت هنا وقمصاني وأحذيتي وأوراقي

سأترك كل شيء إلا حزني , سأوضبه في كيس مقّلم كما فعلت منذ سنوات وأرحل غداً هكذا بلا مقدمات 

وهذا ما يحصل في كل بيت 

سبعة :

هذا الرقم يمكن أن يكون ذراعاً تغفو عليها بعض الأماني المحققة 

يمكن أن يكون كفاً تنتزع أشواك الواقع من زهرة عاشقين 

ويمكن أن يكون مجرد رقم عابر في نص كئيب كما حاله الآن  

(سبع سنوات)

هو عمر علاقتي بهذه المدينة المستلقية على جرف صخري كما يستلقي راعي الماعز أثناء نوبة سراحته .

الآن : 

صرت عاطلاً عن العمل وعن الأمل كذلك

فردت حقائبي  

تنقلت في شوارع  بيراجيك خالياً مني ومليئاً بها 

اشتريت كمامة وقفازين لكي أسحب إعانتي المالية من الـATM

اشتيريت بنطالين وماكينة حلاقة 

اشتريت محفظة جديدة لأحافظ على ورقة حمايتي المؤقتة وعلى ما تبقى لدي من نقود 

وها أنا ذا أجلس عند ضفة الفرات وأفكر 

بما أنني مجرد ورقة / إن تركت نفسي للماء فهل سأصل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + خمسة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى