ذاكرة لجوء

مَن مِنّا كان مُخطِئاً؟!!

أعوام خمسة مرّت على سفر محمود إلى أوروبا بقصد اللجوء، أتذكر تلك السنوات بحُرقة شديدة وأنا أسترجع اللحظات عندما جاء إليّ مبتسماً وفرحاً بأنه توصل إلى قرار “قررت سافر ولا تسأليني لماذا، خلص قررت”. تعود لي هذه الذكريات التي تدفئني من الداخل فمحمود أصبح بأمان، لكنها تمزقني أشلاء أيضاً، تجرني من عنقي مرغمة إياي على تذكر تفاصيل وأحداث كانت لا تعنيني في وقتها، أو أنها كانت خارج حساباتي، فلم أكن أراها بوضوح، كان الضوء غير كاف، والظلام دامس في الخارج وفي داخلي.

محمود، ابن خالتي، يبلغ من العمر الأربعين عاماً، موظف ولديه ثلاثة أبناء، وزوجته أيضاً موظفة في إحدى مؤسسات الدولة، منذ صغرنا وأنا على خلاف معه في الآراء، أي كان الحديث الدائر بيننا يؤدي في النهاية إلى احتفاظ كل منا برأيه بعيداً عن الأخر، لتأتي الأحداث التي بدأت في سورية في آذار عام 2011، وتعمق الهوة بيننا، كلما كنت أقول له: “وأخيراً بدأت الثورة ضد الظلم والطغيان والديكتاتورية”، كان يرد علي منزعجاً، “بل هي المؤامرة الكونية على نظام ممانع ويقف وحيداً ضد إسرائيل وأمريكا”.

ازدادت خلافاتنا أكثر بعد أن خرجت بثينة شعبان في نهاية شهر آذار 2011، وهي تتحدث عن أهمية زيادة الراتب والوضع المعيشي للمواطن، فكان سعيداً هو وزوجته بهذه الزيادة ويرددان على مسامعي، “هل هذا النظام الذي نعيش في كنفه تقومون بالثورة للإطاحة به، وهو الذي يقدم لنا امتيازات، كالراتب والطبابة والتعليم المجاني والقروض الميسرة للموظفين”.

وهو الذي كان لا يستطيع العيش بغير سوريا لما فيها من امتيازات ومنح، ليغير رأيه ويقرر السفر إلى أوروبا عن طريق البحر، فسألته مستغربة: وكيف ستسافر، وبأي طريقة؟ قال سوف أسافر عبر تركيا، تهريب، في البحر، كما يسافر معظم السوريين في البلم.

لم يستوعبوا يومها كلامي بأنها ليست امتيازات ولا مكرمة، بل هي حقوق أي مواطن يجب أن يعيش في الحد الأدنى من مُواطَنَته، هي حقوق لكل فرد في كل دولة تحترم شعبها، لكننا دائماً كنا نختلف، ويعلو صوتنا، وفي كثير من الأحيان يصل الزعل إلى حدّ القطيعة لفترة زمنية..

إلى أن جاءني في العام 2015، وقال: لقد قررت السفر، ولا تسأليني لماذا خلص قررت. كان يعرف أنني سأفاجأ بقراره هذا، وهو الذي كان لا يستطيع العيش بغير سوريا لما فيها من امتيازات ومنح، ليغير رأيه ويقرر السفر إلى أوروبا عن طريق البحر، فسألته مستغربة: وكيف ستسافر، وبأي طريقة؟ قال سوف أسافر عبر تركيا، تهريب، في البحر، كما يسافر معظم السوريين في البلم. لم أعد أستطيع الاستمرار هنا لقد ضاقت علينا البلد من جميع الاتجاهات، طاقتي نفذت.

يصمت قليلاً، ثم تخرج منه الكلمات مترددة قائلاً: أريد أن أوصيكِ بوالدتي وعائلتي إذا حدث معي شيء ما، أو متّ، أنا أعرف أنكِ تستطيعين تحمل المسؤولية، ورغم خلافي الدائم معكِ، لكن أنا أثق بكِ وبرأيكِ.

كيف ستسافر يا مجنون فالبحر التهم الكثير من السوريين، ولمن ستترك البلد في مواجهة المؤامرة الكونية، عائلتك ووالدتك كيف سيعيشون، فهل هذا هو الموقف الوطني والأخلاقي لك؟

فردّ باسماً ساخراً، بالنسبة للبلد سأتركها لك، كي تبقي على صراع دائم مع النظام، الذي هو أسوأ من كل التصورات، أما عائلتي، فإن وصلت حيّاً، سوف أقدّم لهم طلبات اللجوء لأضمن لهم مستقبلهم، ووالدتي، فلها الله، وهذا قَدَرنا وقَدَرها، أما أنت، فتعالي وسافري وبلا (زعبراتك) الوطنية وحب الأرض، فهي لا تغنيكِ عن الأكل والجوع. فعاد الخلاف مجدداً بيننا، واتهمته بعبارات قاسية، بأنه انهزامي، واستغلالي، وهارب من تحمل المسؤولية. 

كان إحساسه يومها مضاعف بالخواء وفوضى ضاربة أطنابها داخل عقله وخارجه، لم يعد يملك أي خيار يجعله متمسكاً بالبقاء في سوريا، استنفذ جميع الوسائل التي من الممكن أن تجعله متمسكاً بالبلد. 

سافر محمود، وقطع الحدود كما كل السوريين المهاجرين المغامرين، واضِعاً حياته في مهبّ الريح، وقد يغرق بالبحر كما غرق الكثيرون، أو قد يموت عطشاً أو جوعاً في البراري كما مات الكثيرون ضحية استغلال المهربين لهم.

لكنه وصل أخيراً واستقرّ في هولندا، ووُضِع في مقرات جماعية كما كل اللاجئين، وأصبح يتقاضى راتب اللجوء، ويتعلم اللغة الصعبة عليه، وكان يُرسل لأسرته مبلغاً شهرياً يعيشون منه في غيابه، كما أنه كان يُخصص مبلغاً لوالدته التي لم يستطع تقديم أي مبلغ مادي لها في الماضي نظراً لظروفه الصعبة، فكان راتبه مع زوجته لا يسدُّ معيشتهم.

 وبعد عام أرسل خلف عائلته، وحصلوا على موافقات لمّ الشمل وسافروا، ووُضِع الأولاد في مدارس لهم، كما التحقت زوجته في معهد لتعلم اللغة، وغدا لكل فرد منهم راتباً.

كان يقول لي، بأنني دائماً كنت على حق في رأيي وموقفي من النظام، فهو كان يعلم ذلك، لكنه كموظف ومراقب أكثر كان الخوف يسيطر عليه، وكان يقول لي لا يوجد موظف يرضى عن عيشته، ولكن لا توجد بدائل. 

لكنه لم ينسَ والدته فكان يخصص لها مبلغاً شهرياً لم تحلم به من قبل، وكان يقول لي في رسائله عبر الانترنت، بأنه يستطيع مساعدتي مادياً، وكان يطلب مني ألا أتردد في طلب المساعدة، فهو مرتاح مادياً مع عائلته.

في حواراتنا عبر الرسائل من خلال التواصل الاجتماعي، كان يقول لي، بأنني دائماً كنت على حق في رأيي وموقفي من النظام، فهو كان يعلم ذلك، لكنه كموظف ومراقب أكثر كان الخوف يسيطر عليه، وكان يقول لي لا يوجد موظف يرضى عن عيشته، ولكن لا توجد بدائل. 

قال، نعم كنا جبناء، ولكننا ككل السوريين مُحاربون في لقمة عيشنا، وعليك أن تغادري البلد، فلا شيء يمكن أن تفعليه وأنت في الداخل..

كنت أختلف معه مجدداً، لمن سنترك البلد، فهل نتركها للغرباء الذين جاؤوا من كل أصقاع العالم ليطردوا السوريين؟!

أصبح يتمتع بحقوقٍ لم يحلم بها من قبل، حصل على أوراق الإقامة ما قبل الجنسية، التي تُؤهله السفر إلى كل دول العالم باستثناء سورية، أصبح انساناً في دولة غريبة عنه وعن عادات مجتمعه، وأصبحا في بلدنا غرباء..

فكان يجيبني، هل تذكر قصيدة محمود درويش هي هجرة أخرى؟ لقد كان يتحدث عنا نحن السوريين، فنحن الذين كُتب علينا الرحيل والهجرة.. فلا تبقي وحدكِ.

بعد خمس سنوات على سفره مع عائلته، أصبح يتمتع بحقوقٍ لم يحلم بها من قبل، حصل على أوراق الإقامة ما قبل الجنسية، التي تُؤهله السفر إلى كل دول العالم باستثناء سورية، أصبح انساناً في دولة غريبة عنه وعن عادات مجتمعه، وأصبحا في بلدنا غرباء..

فمَن مِنا كان مُخطئاً في قراره وخياره، هل هو الذي سافر وترك العواطف والحنين، أم أنا التي بقيت غريبة في وطني؟

هي معاناتنا الجماعية، والتي تحولت إلى خلاصٍ فردي، لا أملك حالياً إلا الدعاء له بالتوفيق، والدعاء على مَن أوصلنا إلى هذه الحالة، مؤلمٌ أن تصل إلى قناعة أنك المخطئ في البقاء، في وقت لا تستطيع فيه المغادرة إن قررت الرحيل!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × أربعة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى