ذاكرة حدث

مهمة صحفية

سألني والدي إن كنت أود العودة إلى دمشق لأكمل دراستي، أنا الآن في السنة الرابعة، كنت بحاجة لإنهاء فصل أخير لأحصل على الإجازة في الإعلام،  لكن ما الفائدة كما قال أخي الصغير، لقد بدأت بالعمل كصحفية منذ الآن دون شهادة، كانت أمي تغضب عندما تسمعه يكرر هذه العبارة، كانت مصممة على ضرورة أن أعود لدمشق و أتقدم للامتحانات، أمي لا تقتنع إلا بالأمور المحسوسة:

التعليم يعني شهادة معلقة على الحائط، الاستقرار للبنت يعني زوج يعمل ويعود إلى المنزل محملا بالطعام لزوجته و أبنائه، الحرية تعني الحياة الهادئة، لم تكن تهمها الأفكار ولا النظريات ولم تكن مهتمة بالسياسة ولا تحبها أصلا وتعتبر الكل يكذب على الجميع و أنا متأكدة لولا أنه كان من أقاربها أحد هؤلاء الأطفال الذين تم اعتقالهم في درعا قبل عامين و كانوا الشرارة التي فجرت الثورة لكانت أمي على الجهة الأخرى تماما.

“لا أستطيع العودة للجامعة، هناك الكثير من الأشخاص الذين يكتبون التقارير للأمن” هكذا قلت لأمي مبررة عدم قدرتي على العودة لدمشق

_ ليه إنت شو دخلك، شو عاملة!! تقول أمي وهي تعلم أنها تكذب على نفسها

أمي مثل ملايين السوريات، تعتقد أن الحيطان تمتلك آذان و أن أجهزة المخابرات تستطيع حتى سماع كلام الهمس داخل البيوت , ” مو عاملة شي وما دخلني لكن فيك تقنعي المخابرات إني ما دخلني”

نطقت جملتي الأخيرة وخرجت للصالون لم أعد أستطيع الاستمرار في هذا الحديث اليومي، كان والدي يتابع الأخبار و كنت أتهيأ للخروج

_وين رايحة اليوم؟

_على صيدا بدي أعمل تقرير عن المدارس البديلة هناك

_ وكيف رايحة؟

_في باص بيطلع الساعة واحدة لهناك

عاد والدي لمتابعة الأخبار في موافقة ضمنية على ما أقوم به، لكنني كنت أعلم في داخلي أنه يود لو أنني أخرج من كل هذا المكان، ليس فقط من درعا بل من سوريا كلها لكنه كان لا يجرؤ على البوح بذلك

خرجت من المنزل في طريقي نحو صيدا

كان يتوجب علي المشي ثلاثين دقيقة  للوصول إلى حي السد حيث يتواجد الباص الذي سينقلنا نحو قرية صيدا، و هناك سأستقل الباص لأكثر من ساعة، كان مجرد التفكير بأن مروان الذي يسكن في ذات البناء و يعمل في نفس فريق التوثيق لا يحتاج لأكثر من عشرين دقيقة للوصول على دراجته النارية يكفي ليشعرني بالغيظ والغضب، في الأمس طلبت منه أن يأخذني معه لكنه رفض بشكل قاطع خوفا من عائلتي  كما قال و خوفا من المجتمع كله كما أظن

أمي مثل ملايين السوريات، تعتقد أن الحيطان تمتلك آذان و أن أجهزة المخابرات تستطيع حتى سماع كلام الهمس داخل البيوت

في المرة السابقة احتاج مروان لأن يتركني و ينزل من الباص في منتصف الطريق لأن شقيق خطيبته صعد معنا في نفس الباص وشاهدنا نجلس سوية واعتذر في ما بعد بأن خطيبته من النوع الذي يغار جدا

حتى الثورة لم تستطع أن تغير هذه التقاليد الموروثة في مجتمعاتنا، ناشطو الثورة بمعظمهم يشبهون مجتمعاتهم في نظرتهم نحو النساء حتى وإن ادعوا عكس ذلك

كان الباص يمشي ببطء مخترقا أحياء درعا المدمرة، حي السد مدمر عن بكرة أبيه، البيوت تلفظ أحشائها نحو الخارج، كانت دهشتي تظهر على وجهي طازجة وكأنني أرى الدمار لأول مرة كما سألتني أحدى الراكبات من الخلف، استدرت لأجيبها لأكتشف أن الباص كان مليئا بمعظمه بالنساء، لم انتبه لذلك للوهلة الأولى، تفحصت الركاب كانوا جميعا من النساء عدا رجلان اثنان يجلسان قرب السائق

_ أنا ساكنة بدرعا المحطة و دائما بمر من هون بس هي أول مرة بحس الدمار كتير هيك

_ الدمار وين ما كان، انت شامية؟!

_ لا بس بدرس بالشام،

_ الله ما يوفقهم خربوها للبلد، أخذت المرأة تتمتم وكأنها تكلم نفسها

أعجبت بعفويتها و استدركت لأفتح حوارا ما

_ مين اللي خربها؟

لم تجب المرأة، اكتفت بالدعاء على من كان السبب، كان لدي رغبة لفتح حديث مع أي أحد، تمعنت أكثر بالنساء الراكبات، كن بمعظمهم يشبهن أمي

وربما كانوا سيهمسون إن أرادوا التعبير عن أي موقف سياسي

هناك شيء ما في قلوبنا يحتاج للتغير ربما الخوف، ربما الرغبة بالهدوء، هل حقا الشعوب بطبيعتها لا تؤمن بالثورة كما قال أحد مدرسينا في الجامعة قبل أربع سنوات

ابتعد الباص عن المنطقة السكنية خارج المدينة و أخذ يسير ببطء على الطريق الترابي في البساتين المحيطة بالمدينة، خارج المدينة لا يوجد أي أثر للدمار، للحظة تنسى أنك خارج من مدينة شبه مدمرة و كان النساء اللواتي يردن النزول في قرية النعيمة المجاورة يتجهزن للنزول، تضع الواحدة منهن أغراضها أمامها و تعيد ترتيب هندامها ” في الحقيقة كن يتأكدن من وجود حجاباتهن على رؤوسهن فقط” ومن ثم تدفع الواحدة أطفالها أمامها وتحمل سلة أغراضها وتتوجه لمقدمة الباص

صوت طيران حربي يأتي من بعيد

الله أكبر يصيح السائق

تبدأ النساء بالهمهمة:

“قصف” “وين!” “يا رب” “لا اله الا الله” “الله يستر” و”ين” “شو في” “قصف”

في البداية لم يثر صوت الطائرة شيئا بداخلي، أنا أسمعه بشكل شبه يومي فوق سماء درعا، لكن لماذا الناس هنا ارتعبت لذلك الحد

(سأدرك في ما بعد بأن الطيران كان يحلق فوق المدن لإخافة سكانها بشكل أساسي ولقصفها أيضا) في حين أنه لم يكن يحلق فوق القرى سوى ليدمرها) حتى في التدمير كان النظام يميز في البداية بين الريف والمدينة

تجمعت النساء حول بعضهن في مقدمة الباص الذي أخذ يسرع المشي للوصول لقرية النعيمة، وكان صوت الطائرة يعوي أكثر، لماذا كان السائق يريد الوصول إلى القرية و كأنها ستكون أكثر أمناً من البساتين، ربما الخوف من أن الباص هو هدف مكشوف لطائرة تريد فقط أن تقتل أي شيء في طريقها !

ربما هو الرغبة بالموت بين الأهل

لم تكتمل هذه الفكرة في عقلي حتى هدر صوت اهتز له الباص و من ثم أعقب هذا الهدير صوت “بوووووووم”

 كأن الطائرة ذاتها ارتطمت بالأرض، بدا الأطفال يصرخون ويبكون و ارتفعت أصوات التكبير من النساء، كنا على مشارف قرية النعيمة ومن ثم ظهر هدير الطائرة من جديد ورأيناها و هي تبتعد عن المكان

توقف السائق لدقائق قليلة، كان ركاب الباص جميعهم صامتين في البداية ثم قالت إحدى الواقفات اللواتي ينتظرن النزول

الله يستر يا رب يحمي الناس وين القصف؟

غالبا في صيدا أجاب السائق

وبدأت النساء الجالسات المتوجهات لقرية صيدا بالعويل والبكاء

لسبب ما لم أشعر بحاجتي لالتقاط أي صورة ولا الحديث عن أي شيء،

توقف الباص في قرية النعيمة ونزلت نساء القرية من الباص، طلب منا السائق الانتظار قليلا لمعرفة مكان القصف في حين كانت بقية النساء تصرخ تريد الوصول لقريتها

حصل شجار بين السائق الخائف من معاودة القصف وبين النساء اللواتي يردن الذهاب نحوه

قد تكون النساء أكثر شجاعة وقت الخطر

لم يطل الأمر حتى بدأت السيارات تمر مسرعة على الطريق الترابي حاملة الجرحى نحو درعا البلد، لقد كان القصف في محيط مسجد المصاروة في قرية صيدا غير بعيد عن المكان الذي كنت متوجهة إليه و من بعيد كان مروان يقود دراجته النارية ببطء على الطريق الترابي ذاته

سألته

_ شو صار؟

_قصف، ما شفت الطيارة؟

ما بدنا نروح نكمل شغلنا؟

لم يجب مروان أبدا، كانت ملابسه مغبرة ووجه مغبر وعلى يديه لطخات من الدم

هل مات أحد ؟سألته

لم يجب، سحب جذعه نحو الأمام تاركا مساحة كبيرة على الدراجة النارية:

ما بقي شي ينعمل عنه أي تقرير، اطلعي وراي، رح اوصلك على اول درعا، مش رح أقدر اكتر من هيك

لم نتحدث بأي شيء في الطريق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى