ذاكرة شخصيه بورتريه

المتنبي، حين كتب مارادونا الشعر بقدميه

في مساء يوم صيفي بلا كهرباء، قبل أكثر من ثلاثين عاماً.

أبي ينتظر نشرة الأخبار في الراديو، وكعادتي كنت أقضي الوقت متأملاً الأثر الأسود الذي يتركه لهب الفتيل المحترق في ضوء الكاز، خاصة عندما يتمايل هذا اللهب مع نسائم الهواء التي كانت تدخل من الشباك المفتوح.

أبي يتهيأ لعبارته الأبدية:

“يلا عا النوم”

في الحقيقة، كنت وأخي نعلم تماماً أنه من غير المسموح البقاء لحظة واحدة بعد عبارة “هنا لندن” لنشرة أخبار الساعة التاسعة، لذلك ما إن نسمع دقات “بيغ بن” حتى نلملم أغراضنا وننهض للنوم، ورغم ذلك كان أبي يقول جملته ذاتها كنوع من التأكيد بعد أن يخفض صوت الراديو، أدركت في ما بعد أن الناس كانت تخشى ارتفاع صوت أخبار لندن من راديوهاتهم.

في ذلك اليوم تحديداً وأنا أهمّ بمغادرة الغرفة، لم يأت كالعادة بعد “هنا لندن” المحفورة عميقاً في الأذن صوت أحد المذيعين العرب الذين كنت أميز أصواتهم جيدا، بل جاء صوت عالٍ أكثر من المعتاد، لرجل متأثر بشيء ما، كان يبكي ويتكلم بلغة أجنبية.

استطعت خلال دموع المذيع تمييز اسم “مارادونا”.

أبي يخفض صوت الراديو وينظر إلينا مكررا بلغته القاطعة:

ما سمعتوا شو حكيتلكم، يلا عا النوم، تصبحوا على خير

و أنت بخير، ردّ أخي 

كانت هذه لحظة العلاقة الأولى بيني وبين مارادونا.

تذكرت هذا الموقف في الأمس، عندما أُعلن موت مارادونا.

في الحقيقة كانت معظم المواقف العادية في طفولتي المبكرة تتداعى إلى خيالي منذ موت والدي قبل فترة وجيزة ومنها مثل كل شيء- موقفه الحاد من مارادونا.

كان يلقبه بالقواد- ينطقها بحرف الجيم الفلسطينيّ البدوي.

أما أنا فكان لي رأي آخر يا أبي- وتعرفه جيداً.

كانت جدران غرفتي- لسبب ما تمتلئ بصور مارادونا، بالمناسبة لست من عشاق كرة القدم ولا أتابعها

لكنه كان بطلي.

كان مارادونا أول أبطالي في طفولتي ولم أكن أعرف السبب!!

حسناً 

“يخيط الكرة إلى قدمه، وله عيون في كل أنحاء جسده”.. إدواردو غاليانو

كلّنا بحاجةٍ لتأويلات معينة في طفولتنا الأولى لنفهم كيف مضت حياتنا على ذلك النحو- حياتنا العميقة عن غير قصد والمؤلمة أكثر مما تخيلنا !! 

في العام التالي لبطولة المكسيك، كان معظم التلاميذ في فريق المدرسة يلقبون بعضهم البعض بمارادونا في ظاهرة انتشرت بين الأطفال في كلّ حارات المخيم.

لكن!

لحظة، هناك مشكلة 

القميص رقم عشرة، لمن؟!

أجاب مربّي الصف الأستاذ كيوان، أنّ القميص رقم عشرة سيكون للاعب الذي قرر مفتش الرياضة في الأنروا أنّه الأفضل، كان اسمه محمد حداد، للمفارقة كان اسم المدير وقتها نذير حداد.

أثار هذا الاعلان عاصفة من الغضب لدى فريق المدرسة- بالطبع لم أكن ضمنه، و أخذ أحد التلاميذ بالبكاء، كان يعتقد بأنه الأحق بهذا القميص وكان بقية الفريق والمدرب أيضاً يؤيدنه في ذلك.

رفض حسام- صديقي فيما بعد، حسام الذي سيُغيب بعد خمسة وعشرين عاماً على حاجز المخيم – الانضمام لفريق المدرسة احتجاجاً على حرمانه من اللعب بالقميص رقم عشرة، في الحقيقة لم يستمر هذا الرفض لأكثر من إسبوع واحد، ففي الحصة المخصصة لتسمية أعضاء الفريق بشكل نهائي، سأله الأستاذ كيوان بخبث:

أنت بعدك ما بدك تلعب؟ إذا ما بدك لناخد غيرك

لم يستطع حسام الرفض، كانت الدموع على خده وهو يهز رأسه موافقاً اللعب بغير القميص الذي يحمل رقم قميص مارادونا

لكنه رغم ذلك لعب بروحه.

حصل فريق مدرستنا (النقب) على المركز الأول في بطولة مدارس الأنروا الابتدائية ولم يرفع حسام الكأس ليقبله على طريقة مارادونا، فعل ذلك وقتئذ الطالب حامل الكنية المشابهة لكنية المدير.

وبكى حسام مرة ثانية.

كانت القصة ستنتهي هنا بالنسبة لي ولكن في اليوم التالي جاء مدرس اللغة العربية “عزيز أبو خريش” بقميص رياضي يحمل الرقم عشرة وأهداه لحسام، أهداه أيضاً بيت شعر كتبه على السبورة، طالباً منّا أن نحفظه و أن نثق بأنفسنا مهما فعل الآخرون:

لا بقومي شرفت بل شرفوا بي      وبنفسي فخرت لا بجدودي

لم أفهم بيت الشعر هذا تماماً ذلك الوقت، لكني أدركت في ما بعد أن هناك الكثير من الأحاسيس التي يصعب القبض عليها خارج لغة الشعر وذكرياتٍ لا تُفسر بغيره.

هذه الحادثة ربما هي التي جعلتني أشعر بالحب تجاه صاحب القميص رقم عشرة والتضامن معه ومنذ ذلك اليوم أصبح المتنبي كمارادونا أيضاً بطلاً آخر من أبطال طفولتي- دون أن أفهم ما الذي يجمع الشاعر مع لاعب كرة القدم في خيالي!

كلاهما كان إن انطلق لا يوقفه أحد، الأول بلغته والثاني بقدميه؟

ربما !

ولكن ما علاقة الركض بالشعر!

كلاهما عبقري ؟

لم تكن عبقرية مارادونا فقط بالانطلاقة التي لا يوقفها أحد، في المكسيك، عندما رفع الكرة إلى بوروتشاغا ليسجل الهدف النهائي على ألمانيا، كانت لمسة واحدة مرتجلة منه منحتهم البطولة….

لمسة واحدة.. عفوية… سحرية… 

ثانية واحدة…

لكنّها غيّرت كل شيء، قصمت ظهر الفريق الألماني، كما المتنبي حين ارتجل قصيدته الشهيرة وسماها قاصمة الظهر.

انتهى كأس العالم المكسيكي- مرت في خيالي في هذه اللحظة السيارات التي كانت تجوب شوارع دمشق بهتافها الهيستيري (ترا تن تن تن عا المكسيك….. ترا تن تن تن عا المكسيك) كانت شيئا من التعبير العفوي الجمعي الصادق لشعب لم يسمح له بالتعبير طوال عقود خلت.

انتهت البطولة وحمل الطفل الذهبي -كما سماه شعبه- كأس العالم، عانقه ثم قبّله بفرحٍ طفولي وبدأت أسطورة مارادونا تأخذ مكانها في قلوب البشر حول العالم.

كانت أسطورة بحق ولكن كان لها أيضاً نصيبها من الحظ، من صدفة القرعة التي جعلت الأرجنتين في مواجهة مع عدوتها إنكلترا، ذات العدو الذي استلسمت أمامه قبل أربع سنين في حرب حقيقة، إلى الصدفة التي جعلت الكرة أقرب ليد مارادونا من رأسه ليضعها في المرمى.

وثارت ثائرة المبتهجين لإذلال الإنكليز وأولهم بالطبع كان الأرجنتينيون- ونحن.

شرح محمود درويش ذلك لاحقا بشكل مفصل.

لقد أحببناه جميعًا لأننا وجدنا فيه بطلنا المنشود، لقد أجج فينا عطش الحاجة إلى بطل، بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلق له تميمة، ونخاف عليه – وعلى أملنا فيه – من الانكسار.. محمود درويش

ولم تكن صدفةً أن أجمع المصوتون على أن هدف ماردونا الثاني في هذه المباراة هو الهدف الأعظم في تاريخ البشرية، لقد أذّل فريقا كاملاً بمفرده، حرفياً بمفرده.

قرأت فيما بعد كلام المعلق الأرجنتيني “فيكتور هوغو موراليس” الذي كان يعلق على المباراة وبكى عندما وضع مارادونا الهدف بيده.

للمصادفة كان كلامه هو ذات الكلام الذي بثته إذاعة لندن وسمعته من الراديو عندما كنت طفلا في ذلك اليوم الحار بلا كهرباء حين سمعت باسمه للمرة الأولى.

بالإسبانية:

“أيها الكوكب الذي جاء لطرد الإنكليز

مارادونا 

أيّها القديس

أيّتها الطائرة الورقية القادمة من الفضاء

بقبضة يد خفية فعلتها”

لقد حوّلت الأسطورة أيضاً هذا المذيع الرياضي إلى شاعر، واضطرت إذاعة لندن أن تبتدأ نشرتها بتتمة أخبار حرب الفوكلاند لكن على الطريقة الرياضية هذه المرة.

“إنها يد الله” هكذا ببساطة وشاعرية أعلن مارادونا عن نفسه كقديس، أجاب جميع الصحفيين الذين سألوه عن أحقيته بالفوز، دون خجل ودون أي إحساس بالاعتذار -في هذا شيء من المتنبي.

الطائرة الورقية الفضائية كما أسماها المذيع ستسبح في فضائها الجديد بعيداً عن برشلونة، حمل الطفل الذهبي أحلامه بعد كأس عالم أسطوري ليذهب بها نحو نابولي، المدينة الأشد فقراً في إيطاليا عاصمة الجنوب الفقيرة والمافيا والمهاجرين، في مواجهة عواصم الشمال الغنية، جنوى ميلانو بولونيا روما كلها كانت أهدافاً في خيال المحارب العنيد.

قبل وصوله إلى نابولي سأله أحد الصحافيين في كتالونيا عن الأجر الذي سيحصل عليه في أي ناد غير برشلونة: فأجاب بجملة هاربة من الشعر.

“لا أهتم بالمال ..انا أهتم بالمجد” -في هذا تطابق مع المتنبي.

كان بحاجة عام واحد فقط ليصنع المجد الذي أراده، لقد رفع فقراء نابولي كأس إيطاليا في وجه عواصم المال الإيطالي، خلّصهم طفلهم الذهبي من الدونية التي كانوا يشعرون بها تجاه الشمال الغني، قدّسه أهالي نابولي كما قدّسه الفقراء المنتشرون في أحزمة الفقر حول العالم -لقد كانوا يعاملونني كابنة نبي، قالت ابنته التي أصبحت فيما بعد ممثلة مسرحية مشهورة.

أصبح متنبي الكرة نبياً حقيقياً، بدأ الناس يسمون أبناءهم باسمه هناك، ملأت صوره الأيقونية الصحف، لقد استكملت الأسطورة كلّ شروطها بانتظار النهاية.

الصحافي نفسه الذي استهجن مغادرته لبرشلونة، عاد ليسأل بعض الناس أمام إحدى الكنائس في نابولي عن عشقهم الغريب لمارادونا، عن الفرق بين ماردونا والرب.

لقد كان هذا سؤالاً حقيقياً عند أهالي نابولي.

هل تعلم! أجاب أحد الرجال:

الفرق هو أنّك تستطيع أن تقول ما تشاء عن الرب هنا، أمّا مارادونا فلا…

-في هذا الجواب شيء تجاوز ما حلم به المتنبي

في التسعين عندما التقى فريقا الأرجنتين والكاميرون، سقط بعض لاعبي الكاميرون أرضاً في نوبة بكاء عندما صافحوه، كلٌّ انبهر به بطريقته على وجه الأرض، كان يصرخ في وجه الريح وبعضهم أقسم أنّه رآه يمشي عليها.

وكانت سنة التسعين من القرن الماضي فخ القدر القاتل له ولم ينج.

سقوط الظل العالي

للقدر طرائقه الغريبة في التحكم بمصير أبطاله حتى النهاية.

هي ذات القرعة التي وضعت مارادونا في مواجهة أعدائه الإنكليز في المكسيك ليتوج بطلاً في أعين الكثير، جعلت مسرح مجده تحديداً -إيطاليا -المنقسمة على نفسها اجتماعياً بين شمال وجنوب المسرح التالي المهيأ لسقوطه هذه المرة.

جغرافيا البشر كفيلة بتحطيم الأساطير يقول التاريخ.

جرت المباراة الأولى في ميلانو، هتفت جماهيرها لهزيمة مارادونا -العدو واضح المعالم الذي لا لبس فيه والذي حرمهم من بطولة الدوري الإيطالي لصالح نابولي قبل أسابيع قليلة لتخسر الأرجنتين أمام رومانيا.

في الثانية التي جرت في نابولي هتفت الجماهير لانتصار إسطورتها -الإله الذي منحهم بطولة الدوري الإيطالي قبل أسابيع قليلة لتربح الأرجنتين أمام الاتحاد السوفييتي.

كان الجنوب وفياً، لكن القدر كان يستكمل مكيدته اللئيمة.

ماذا حصل!؟

تقاطعت نتائج الفرق المختلفة مع نتائج القرعة التي تحدد خصوم الأدوار اللاحقة في البطولة مع جغرافيا الملاعب الإيطالية ليكون اللقاء ما قبل النهائي بين إيطاليا والأرجنتين وأين!!

أجابت القرعة كاشفة عن أسنان صفراء وعن خطة محكمة النتيجة:

في الجنوب المارادوني، في نابولي على وجه التحديد، تماماً في الملعب الذي شهد صعود الأسطورة 

في ملعب سان باولو ستكون النهاية، في هذا المكان الذي كان بمثابة الحديقة المنزلية التي اعتاد أن يشرب فيها مارادونا فنجان قهوته الصباحي.

في هذه المدينة الصاخبة المطلة على البحر المتوسط، هنا ولد وهنا سيموت.

دبّت الحيرة في قلوب أهالي نابولي، وامتلأت المدينة بلافتات تثير الشفقة:

مارادونا في القلب وإيطاليا أيضا –نحن نحبك لكننا إيطاليون

كشّر الإعلام الغربي عن أنيابه هذه المرة متوحداً خلف الاتحاد الأوروبي، انقسم الجنوب أيضاً كعادته –الفلسطينيون كعادة معظم المقهورين، لا يعرفون أين يقفون، لكنّ إشاعة ما بأنّ إيطاليا أهدت منظمة التحرير كأس العالم الذي أحرزته في إسبانيا كانت كفيلة بجعل معظم الشعب الفلسطيني وراء العلم الإيطالي.

وكأنه لم يكن معنيا بهذه الحرب التي تدور حوله، كان في عالمه الخاص، يشرب قهوته في ملعبه، ببراءة طفلٍ يذهب لطبيب المنتخب الإيطالي -لا الأرجنتيني ليخبره بإصابته ويسأله ما العمل، يعد جماهير نابولي بانتصار جديد، كان كما المتنبي- ينام ملء عيونه عن شواردها.

 سارت الأمور هكذا حتى اللحظات الأخيرة ما قبل المباراة حين وصل إلى المنطقة المخصصة للصحافة وقال تلك الجملة التي لن تغفر أبداً:

حرفياً: “أشعر بالاشمئزاز حيال أولئك الذين يطلبون من أهالي نابولي أن يصبحوا الآن إيطاليين”

وثارت نابولي بمعظمها عليه.

لقد صدّق الثائر النبيل نفسه –هذا كل ما في الأمر، هكذا فسّر إمير كوستاريكا في الفيلم الذي صنعه عنه وسمّاه باسمه.

وجد الطفل نفسه في موقف لم يفهمه –هل كان ساذجاً ليصدق أن الشعوب تقدم انتماءها الطبقي على هويتها القومية، أم صدق نفسه كإله –حتى المتنبي الذي دفع حياته ثمن كذبته لم يصدق نفسه وحاول الهروب من هذا الفخ.

افتتح هذا التصريح حفلة كراهية على طريقة الشعوب العربية استكملتها ركلات الترجيح التي أقصى بها مارادونا الإيطاليين عن البطولة والتي جرّت الكراهية مضاعفة نحو المباراة النهائية مع ألمانيا في روما.

كانت الكراهية على أشدها وانقسم العالم في حرب التأويلات، اصطفّ الإعلام الغربي وراء الفريق الألماني مرسلا العديد من الإشارات العنصرية تجاه لاعبي العالم الثالث، الإذاعة الإنكليزية نعتته بالقزم ليتفاجأ العالم بأن أسطورتهم الآيلة للسقوط لم تزد عن 165 سم وامتلأت الصحف الغربية بافتتاحيات من قبيل: أوروبا ستسقط الجدار ثانية في تلميح لجدار برلين الذي سقط قبل أشهر، كانت حرب انفعالات عالمية.

لحظة عزف النشيد الأرجنتيني قبيل بدء المباراة، أخذ الجمهور الإيطالي بالتصفير، نزل مارادونا عن عرشه رافعا إصبعه الوسطى في وجه الجميع- بدأت الإسطورة تظهر عورتها في حركة ستتكرر لاحقاً.

استوجبت حركته هذه الطرد لكن الحكم لم يجرؤ على ذلك، تعرض مارادنا لركلات عنيفة مقصودة من بعض اللاعبين الألمان، ارتكبت بحقه مخالفات كثيرة، لقد كانت المباراة في حقيقتها انتقاما من أسطورته.

لقد كنت أشك بقدرته على الاستمرار لكثرة الإصابات التي لحقته، رأيت بعيني كيف أخذت ركبته المصابة سابقاً بالانتفاخ بعد ركلةٍ عنيفة من الجانب الألماني، كنت أظنهم سيرسلونه للمشفى لكنّي تفاجأت حين خرج إلى أرض الملعب في الشوط الثاني، كان يصرخ، يبكي، يصفّق من الألم، لكنه بقي واقفاً واستمر حتى النهاية، كان أفضل الجميع بلا منازع –اعترف حكم المباراة لاحقاً.

كأن عمرك امتدادٌ لأعمارٍ أخرى.. مهما قالت المرايا.. عيناك لم تعجزا بعد.. وتنظران حيث تريد.. أمَلُكَ يدرك نفسه جيداً.. ماريو بينيديتي

انتصرت ألمانيا الغربية بركلة جزاء مشكوك بأمرها، وظهرت الصورة الشهيرة لمارادونا الباكي ينتحب، 

لقد وعد ابنته داليما أنه سيعود إلى البيت بالكأس –هكذا قال.

بعد شهور فشل في اختبار المنشطات فأوقف عن اللعب مدة سنة ونصف، كشفت الصحف عن علاقة له مع عصابة المافيا كامورا الإجرامية النشيطة في المدينة، أنهي عقده مع نابولي وفي النهاية طرد من بطولة العالم التالية لثبوت تعاطيه المنشطات مرة أخرى وبعدها بسنتين اعتزل تماماً.

من علوّ شاهق جداً زلت قدم الطفل الذهبي، وليس مهماً بعد ذلك ماذا سيحصل معه.

هل كان حقاً أسطورة ؟

ربما!!

إنّ أيّ قضية في الكون تحتاج لتكثيف المعنى الكامن فيها كي تنجح في الوصول، القضية التي لا تصل الجميع لن تنتصر، هذه في الأصل مهمة الشعراء، لذلك يبدو التشابه هنا حتمياً مع المتنبي، لقد تشابها بالحلم، كلاهما حلم بالمجد وركض خلفه، الأول بقدميه والثاني بلغته، إذا اتفقنا على هذا الافتراض قد نفهم حاجة البشر لأسطرة أي مخلوق يحاول الركض وراء الحدود القصوى للحلم وهذا ما يجمع المتنبي مع مارادونا مع كل الذين امتلكوا حلما وتمسكوا به.

نحن نصدق الإنسان الحالم وهذا كل ما في الأمر.

تعمقت فكرة الحرية في حياة مارادونا حين استطاع التخلص من أوساط الحرمان التي عاشها في بيت محاط بالقمامة كما استمر يقول دائما، فعل ذلك على مرأى من الجميع، لقد كان هذا حلماً مشتركا لدى جميع الفقراء العاجزين عن التحرر مثله فقدسوه وفي هذا شيء من الحاجة أو الراحة المجانية لهم.

الأسطورة هنا هي العلاج المتوفر المجاني الذي تقدمه اللغة وتصدقه الحواس كلما شعر الإنسان بالحاجة أو بخواء الواقع المحيط، وربما هي مجرد ردة فعل على زمنٍ منحط تأتي على هيئة مرض مزمن يصيب اللغة فتداويه بالقداسة وليس مستغربا أن كل الأمم الفاشلة تهتم برموزها المقدسة أكثر من فقرائها وقضاياها الحقيقية.

الأسطورة هنا، شيء يشبه تماماً المخدرات التي لم يستطع مارادونا التخلص منها ودفع ثمنها حياته.

لقد تحوّل بعد اعتزاله صياداً للعار وللأفعال الشائنة، خرج من إدمان المخدرات ليسقط في إدمان الكحول، لقد كان على خلاف دائم مع الجميع مع نسائه وأطبائه وأصدقائه وحتى بعض أبنائه.

لكنه و رغم كل ذلك، سيستمر كما كان ولن يوقفه شيء عن فعل ما يريد، سيطلق النار على صحفي جاء يسأل شيئا ما، سيدخن السيجار الكوبي في الملعب بين الجمهور على الرغم من حظر التدخين، احتفل بشدة عندما سجل ميسي هدفاً على نيجيريا في كأس العالم الأخيرة، رفع عينه نحو السماء، أجرى حوارا قصيرا مع إلهه، أشار بإصبعه الوسطى للجماهير الأفريقية ثم غاب عن الوعي.

عشيقته التي تصغره بثلاثين عاماً تماماً، ستحضر له الشرطة كلما أمسكها من شعرها استعداداً لضرب رأسها بالزجاج، ومن جهتها ستستمر بالحياة معه –هي تعيش ربما مع الأسطورة وليس معه.

لم تستطع كل نزواته إسقاط السحر عنه، بقي في قلوب البشر ذلك الطفل الفقير الباكي.

كان رجلاً خارقاً حينما يتعلق الأمر بكرة القدم، كان يتصرف معها كشاعر يصنع ما يريد بالكلمات، وفي ما عدا ذلك كانت كلماته جوفاء وإن بدت غير ذلك.

سيجامله الجميع، حتى بيليه سيتحمل إهاناته المبطنة، بعدما عدلت الفيفا قواعد الاستفتاء لمصلحته كي يتشارك مع مارادونا صفة لاعب القرن، في الوقت الذي كانت النتائج تعلن مارادونا كحامل وحيد لهذه الصفة، يعيدني هذا ثانية إلى دموع حسام العالقة في الذاكرة، صديق الطفولة الذي حرموه من ارتداء القميص رقم عشرة، لقد كانت طفولة مارادونا تلخيصاً لجميع الأطفال الذين قهروا صغاراً.

هل كان حقاً أسطورة ؟

قبل عشر سنوات كنت في مدينة جوهانسبورغ قرب الملعب الذي جرت عليه المباراة النهائية لكاس العالم بعد انتهاء البطولة بأقل من شهر، كان الملعب قريباً من سويتو ذلك البانتوستان الشهير وكانت سويتو مملوءة بصور مارادونا بطريقة هيستيرية.

سألت أحد باعة الصور

-ألا تحبون غيره؟

-نحب من وقف معنا 

-وهل فعل ؟

-نعم

-كيف ؟

يخرج البائع صورة لمارادونا وقد نقش على قدمه صورة لكاسترو وعلى ذراعه صورة لجيفارا.

-هل صدقت؟  يسألني ثم يعرض علي شراء الصورة بما يقارب المئة والخمسون رند –عشرة دولارات!

أفكر بمواقفه السياسية التي ظهرت فقط بعد الاعتزال هل كانت ردة فعل على ما اعتبره طعنة الغرب في قلبه وخيانة أهل نابولي المدينة التي أحبها والتي استمر معتقدا أن ليس من حقهم تشجيع فريق بلدهم أمامه.

أفكر في النساء اللواتي طالبنه بإثبات أبوته لأبنائهن، فعلها مرة أو مرتين وأنكر أكثر من ذلك.

يشمئز من الأغنياء، صادق كاسترو وشافيز وموراليس، كره الولايات المتحدة من كل قلبه، عارض غزو العراق وقلبه مع فلسطين، فعل كل ذلك كما المتنبي بلسانه لا بسيفه ومع ذلك أصدّقه.

هل كنا نحبّه أم فقط هو الحنين إلى زمنه؟

انفعالاته الطفولية، تصريحاته النارية، لقد كان طفلاً، شائناً، فارساً، مقاتلاً، مدمن مخدراتٍ و ثائر.

حياته كانت المثال الحقيقي لقدرة الإنسان على الظهور في صورة جميلة وأخرى بشعة في الوقت ذاته ودون تمييز.

عاش حياة صاخبة، البعض يراها عظيمة والبعض الآخر يراها مخزية، ولكن هناك شيء واحد مؤكد، وهو أنه لا يمكن لأحد أن يدعي أنها كانت مملة -في مثل زمننا، هذه وحدها تكفيه ليكون أسطورة.

أمس، تقطعت خيوط الطائرة الورقية التي تربطها بالأرض.

أهالي نابولي نزلت جميعها إلى الشوارع تودعه -لقد كان كل شيء بالنسبة لنا- قال أحد الباكين، حديقة منزله هناك -ملعبه سيحمل اسمه إلى الأبد، لقد كانت مدينة الجنوب و المافيا والمهاجرين وفية عكس ما ظن.

صحف لندن أعلنت الشماتة لموته في صفحاتها الأولى، انتظروه ليغادر، الجبناء، كانوا جميعهم يخشون إصبعه الوسطى.

من الصعب أن تعيش طبيعيا في الأرض بعدما زرت القمر 

قال ذلك في مذكراته التي عنونها:

أنا دييغو 

وكانت الجملة لتكون أجمل لو أتبعها بالسيف والرمح والقرطاس والقلم

أنا أحبه 

*الصورة; لرسام الكاريكاتير هاني عباس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 + عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى