ذاكرة مكان

فتاة تعبر الجسر، مَن أختُها الكبرى؟

في السادس والعشرين من شهر تموز من عام 2018 أنبأنا Tom Rollins قال: حدثتنا Siege Watch قالت: “إنه وفق قانون الحكومة السورية رقم 10 سيعاد تأهيل مخيم اليرموك تحت مسمى مدينة بازيليا Basilia city ولن يُسمح أبدا بعودة سكانه الأصليين”. انتهى.

بازيليا هي الصيغة اللاتينية لمدينة بازل السويسرية. وبازيليا، ابنة أورانوس، هي الملكة الأولى لجزيرة أطلنطس الأسطورية التي غرقت في المحيط الأطلسي (وفي رواية أدق: دمرها قصف مكثف بالطائرات والصواريخ والبراميل.. قبل أن يقوم الغزاة بتعفيشها). وبازل السويسرية، التي يمكنك نطقها أيضا “بال” وفق إثنيتك وميولك اللغوية، مدينة سياحية رائعة. لا يضيرها أن المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 قد عقد فيها بزعامة طيب الذكر “تيودور هرتزل”. فما شأننا والتاريخ؟ منذ متى كان يعنينا؟ يعنيني هنا أن هناك صفحة من هذا العالم الأزرق المدعو فيسبوك – أسعفني بحثي في العثور عليها- اسمها فعلا Basilia city وهي تعود لشركة “دمشق الشام القابضة المساهمة المُغْفَلة الخاصة” الاستثمارية العقارية.

لكن على الرغم من عراقة الاسم، وعلاقته بالفلك والميثولوجيا الإغريقية والساعات الدقيقة والحياد وأرض الميعاد (بلا قرف اسم المخيم، وخرا اسم اليرموك)، ظل لفظه يزعجني، ربما لقرب لفظه من البازلّاء التي لم تكن يوما طعاما مفضلا عندي. بازيليا؟؟ لم تستسغها ذائقتي السمعية، ولم أهضمها. وهنا أسعفتني اللسانيات وقوانين الصوتيات والإبدال في اللغة العربية، التي نراها بوضوح في قراءات القرآن الكريم وفي لهجاتنا المحكية. إذن نبدل بالزاي سينا، ونعرّب الكلمة وفق سياقاتنا البنائية فتصبح: “مدينة الباسل”. وهذا ليس أسهل على ألسنتنا وألذ على أسماعنا فحسب، بل هو اسم يعنينا، يلهمنا، ومرتبط بتاريخنا. ومن منا يجهل الباسل؟ الفارس الذهبي، والرائد المجنح، والمهندس الأزلي، ثم الكولونيل أورليانو، والشهيد الحي الذي اغتاله طيشُ مراهق ثلاثيني وقدر إلهي لعين يترصد أصحاب المواهب الاستثنائية. و”كلنا لك باسل”، وجميعنا في هذا البلد بواسل، وهذه حقيقة واضحة وضوح قرنَي وعل، قديمة قِدم الطحالب على وجه الماء، تافهة مثل اتحاد للكتاب العرب يرأسه “علي عقلة عرسان”. ثم انتشر الاسم كالوباء: نادي الباسل للرماية والفروسية، ومشفى الباسل لجراحة القلب، ومدينة الباسل العمالية، ومطار الباسل، وأكاديمية الباسل للعلوم العسكرية، وجمعية الباسل الطبية الخيرية (ولهذا المكان مكانة خاصة في قلب كل يرموكي حقيقي)، وحديقة الباسل، ومهرجان المحبة/مهرجان الباسل، “وإذا ظلمت فإن ظلمي باسل”، ومنذ شهرين: متحف الباسل في لاذقية العرب يضم مقتنياته الشريفة وبقية مما ترك آل أسد تحمله الملائكة. وباسل اسم عَلَم مذكّر عربي، تسَمَّوا به لخفّته على اللسان دون أن ينظروا إلى بعض معانيه الكريهة، ووَقْع فَعاله فوق الكلام.

ومنذ ذلك الخبر الفاجع، لا استشهاد الباسل والتحاقه بصفوف أنبل من في الدنيا وأكرم بني البشر، بل فِرية Siege Watch عن عدم نية النظام إعادة سكان المخيم الأصليين من الهنود الحمر إلى خيامهم وقبائلهم، ضجت المنصات الإعلامية (وإن كان بعضهم سيعترض على كلمتَي “منصات” و”إعلامية”) بملف إعادة الإعمار.

أهذه تناقضات؟ أكاذيب؟ مسكّنات؟ آمال؟ حقائق تتغير بتغير الوقائع على الأرض؟ كلام غير مسؤول من مصدر مسؤول لا يُسأل عما يقول؟ أم لعلها بكل بساطة “كْوانات”؟ والكوانات هذه نوع من الألغاز المفارقة التي تكثر في بوذية الزن. يطرحها الشيخ على المريد بغرض الانفتاح على طبيعته العميقة، والتخلي عن عادات تفكيره، وتفجير التفكير المزدوج، وزعزعة المعالم المتعارف عليها.

وكثر الحديث عن صدور قرارات، ثم نفيها، فتأكيدها، فتعديلها، فالتراجع عن التعديل، ثم عن عودة محدودة (تعبير ملطف يُقصد به سُكنى عائلات الشبيحة من الفصائل الفلسطينية للبيوت التي حافظت على سلامتها)، فقرار تنظيمي جديد، فاعتراض عليه من القانونيين الفلسطينيين (ممن لم يخونوا بلدهم الثاني سوريا)، فمرسوم رئاسي يطمئن اليرموكيين… وما أدري، ولستُ -إخال- أدري أين استقر الأمر وقر، أو إن كان سيفعل. وبصراحة، وبمنتهى الأنانية، لا يهمني. لكن لا بأس بقليل من إنعاش الذاكرة. ولأن لكل رواية بطلها، فبطلنا الليلة هو أنور عبد الهادي. وهو بطل سبق وذكرته مرات في نصوصي اللعينة. لا لعلاقة غرامية تجمعني به، فأنا أفضل الاشتهاء الجنسي للبهائم; ولا لثأر لي عنده، إذ متى كان للعَيْن أن تعلو على “الحاجب”؟ بل لأنه فرض نفسه بحضوره ودوره واستثنائيته وسكسوكته. هاكم عينة من تصريحاته مشفوعة بتواريخها، علما أنه في 19 نيسان 2018 بدأت الحملة العسكرية التي أفضت إلى التدمير النهائي لمخيم اليرموك.

● “قرار الدولة السورية هو أن لا يُمس أي مدني، وهي ستحافظ على المخيم، وتحافظ على المدنيين داخله”

16 نيسان 2018

.

 ● “قبل بدء الحرب على إرهابيي داعش الذين دخلوا المخيم، كان (يتواجد) به نحو مئتين إلى ثلاثمئة لاجئ، إلا أنهم خرجوا عند بدء الحرب ولم يبق به أحد”.

20 نيسان 2018

.

● “لا يمكن تقدير الأضرار التي لحقت بمخيم اليرموك نتيجة الدمار الكبير”

9 حزيران 2018

.

● “عمليات إزالة الركام من مخيم اليرموك وفتح الطرقات الداخلية فيه ستبدأ بعد عيد الفطر”

10 حزيران 2018.

.

●”من المبكر الحديث عن عودة السكان، وهي لن تكون قريبة بطبيعة الحال، لأن المخيم بحاجة إلى إعادة تأهيل وإعادة إعمار”

20 حزيران 2018

أهذه تناقضات؟ أكاذيب؟ مسكّنات؟ آمال؟ حقائق تتغير بتغير الوقائع على الأرض؟ كلام غير مسؤول من مصدر مسؤول لا يُسأل عما يقول؟ أم لعلها بكل بساطة “كْوانات”؟ والكوانات هذه نوع من الألغاز المفارقة التي تكثر في بوذية الزن. يطرحها الشيخ على المريد بغرض الانفتاح على طبيعته العميقة، والتخلي عن عادات تفكيره، وتفجير التفكير المزدوج، وزعزعة المعالم المتعارف عليها. ومن خلال التفكير جاهدا في الكوان يعمق المريد وعيه، وقد يحقق الصحوة/الاستنارة. كلام كبير أليس كذلك؟ ولعل هذا ما يريده عبد الهادي من تصريحاته السابقة وما تلاها من أطنان: تعميق وعينا وإيصالنا للاستنارة. وواحد من أشهر الكوانات في بوذية الزن هو: “إن كان التصفيق هو الصوت الذي تصدره يدان، فما الصوت الذي تصدره يد واحدة؟” وواحد من أشهرها كذلك هو السؤال الذي يطرحه عنوان هذا النص “فتاة تعبر الجسر، من أختها الكبرى؟” وهو وإن بدا لأول وهلة مدهشا وغريبا وغير منطقي، فلأنه في واقع الأمر مدهش وغريب وغير منطقي. والدهشة -كما علمنا الإغريق- مصدر الفلسفة، والغرابة وثيقة الصلة -لغويا على الأقل- بالغربة والاغتراب، وانعدام المنطق وسيلة مضمونة ومنهج وطيد للكفر بكل شيء وكل أحد. و”الجسر”، هو أيضا الاسم الذي يطلق على مدخل مخيم اليرموك. ووفق مبلغي من العلم، ما من جسر هناك. ولست أدري سبب هذه التسمية، ولم أبحث في ذلك، ولن أفعل. ما سأفعله هو اقتباس بعض الكوانات الشهيرة الأخرى كما وردت في مناهج الزن المخصصة لهذا الشأن، لكن بعد تَبْيئتها، أي جعلها صالحة لبيئتنا وثقافتنا. بعد ترميكها، أي جعلها مفهومة لأهل اليرموك. يستوي في ذلك منهم من غادره قبيل الفاجعة، أو في أثنائها، أو عاشه وماته حتى الرمق الأخير، أو صار مواطنا في بلد ما، أو ممن لا يزال يسكن في محيطه وجواره تتعاوره الآمال والأكاذيب والمسكنات:

 • رجل يقبض بأسنانه على غصن شجرة عال. لا يمكنه التشبث بيديه ولا رجليه. وإذا بعابر يسأله: متى يفتح الحاجز؟ إذا أجاب الرجل سقط وهلك، وإذا بقي صامتا كان عديم الاحترام. فماذا يفعل؟ 

• دخل جاموس إلى مخيم اليرموك، دخل الرأس والجسم والحوافر الأربعة. فلماذا لا يمر الذيل؟

• كيف كان وجهك قبل ولادة سفير دولة فلسطين في سوريا؟ 

• إذا سرق شخص منك خبزك ودواءك، وهو لا يسمح لك بقول أي شيء، كما لا يمكنك التزام الصمت. فإلى متى ستظل متمسكا ببيتك؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × أربعة =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى