ذاكرة لجوء

أن تعيش النفاق على أنه مرونة.

             

القط هو الكائن الأكثر قدرة على التوازن بين الكائنات، والإنسان أفشلها! لدرجة أن العلماء عَرّفوا التوازن لدى الإنسان على أنه مجموعة من العثرات مُسيطرٌ عليها. وفي ذات الوقت يُقال أن زمرة من أبناء جنس هذا الكائن الفاشل في التوازن، هم الأكثر توازنا بين الكائنات الحية! وهؤلاء هم محترفي رياضة “الجوجيتسو” أو التي نعرفها باسم النينجا.

قدرة التوازن هذه لدى الإنسان تثير الدهشة ليس فقط أنها على الصعيد الجسدي والفيزيائي! بل أيضا على الصعيد النفسي ودورها في التوازن الفيزيائي سلبا وايجابا. فالحالة النفسية ذاتها قد تدفع لاعب الجمباز إلى القيام بأداء عال من الحركات الماهرة أو تدفعه إلى السقوط عن ظهر عارضة التوازن وربما الانسحاب من اللعبة. وللتوازن في مفهومه النفسي حديث آخر؛ فهو أن تكون قادرا على التعامل مع كل ما يواجهك خلال نهارك وفق ردود أفعال وتصرفات ثابتة غير نابعة عن انفعال عاطفي وانجراف وراء مشتتات القرار كالتحيز والتعصب والأحكام المسبقة.. وربما يقارب هذا المفهوم مفهوم المرونة النفسية التي تنطوي أكثر على مضمون التقبل لكل ما يواجه نهارك.

تطالعنا رسمة كاريكاتور لمسمار معوجٍ وبرغي مستقيم! يقول فيها المسمار للبرغي كيف تحافظ على استقامتك، فيجيبه: “لأني بلف وبدور”. للمرونة دور هام في التوازن النفسي، لا ننكر! ولكن لماسلو تعليلٌ حول اختباء مجموعات من غير المتوازنين نفسيا وراء المرونة في سبيل الحصول على كل ما يحتاجونه من محتويات الهرم في جميع مستوياته.

يقف شابٌ أمام ثلُةٍ منتقاةٌ بعناية ليحاضر فيها، خلال ورشة عمل لواحدة من أهم منظمات الأرض! ضمت نخبة من العاملين على مستويات رفيعة في كل قطاعات العمل الإنساني التي تستهدف أكبر تجمع للمهجرين الذين جمعتهم آلة القتل والتهجير العسكرية السورية، في إدلب وفي تركيا! حضروا نيابة عن كل المنظمات والقطاعات الإنسانية التي تسولت طوال سنوات على اسمنا من أغنى الكتل السياسية والاقتصادية في العالم التي اقفلت أبوابها خلف أسوار وأسلاك وحرس حدود وحتى قوى عسكرية ليبقونا تحت حكم ميليشيات إسلامية متطرفة دون أن يعلنوا أنها ارهابية كي لا يقال أنهم يمولون الإرهاب.. المهم أن نبقى بمناظرنا الرثة بعيدا عن حضارتهم وكياستهم ونظرهم.. يقف ذاك الشاب متطاولا على عِلمٍ لا يقبل الهزل وفي معقل من يرعى الطفولة في العالم، ويهرف بما لا يعرف، ويهز الحضور برأسهم كالخراف وعيونهم تنبض قلوبا لفرط اعجابهم بمستواه الثقافي.. ومن بين الحضور يرتفع أصبع مقاطعا سرده الخرافي، مصححا خطأ فادحا ليتبرم الجميع من هذه النكرة الذي أحرج صنما يخاطب جهلهم.. وحينما يعجز جهله عن الاجابة يستشهد بأبيات من الشعر! بينما تواصل البقية تَملقه.

في موضع آخر توكل مهمة تنفيذ دراسة إلى من لا علاقة لهم بالدراسات وفي ميدان أبعد ما يكون عن ميادين تخصصهم! والعجب أن منظمة بريطانية كانت تضخ تمويلا لتبني استراتيجية تدخل إنساني استنادا إلى هذه الدراسة! وفي اللحظة التي يعجز الجميع فيها عن اتخاذ أولى خطوات البداية يستدعون من يملك الخبرة لينصبوا المحراث على ظهره ويستهلكوا جهده ويحلبوا خبرته ثم يعلنون أنهم بارعون وذوو باع في هذا المجال وتضاف على سيفياتهم كلمة “باحثون”. بينما تتملقهم جموع اللاهثين وراء المكاسب.

   في عنتاب الأبية عنتاب الصمود والثورة، أوجدت جموع الثورجيين العاملون في منظمات المجتمع المدني والإنساني كل أشكال العلاقات الإحيائية، كالتطفل والانتفاع والتقايض والافتراس والتنافس والتكايد تحت غطاء التعاون، بل إن بعضهم يقولها علنا بأنهم ينادون بمجتمع: “التعايش السلمي”، والتعايش هو شكل من أشكال العلاقات الإحيائية التي يعتاش فيها طرف على طرف أخر دون أن يؤثر به! كتعايش ديدان البحر مع سرطان الناسك، حيث تتناول من طعام الناسك عندما يأكل! وقِسّ هذا المشهد على مستقبل البلد الذي يرون “مكوناته” تتعايش مع بعضها ع قولتهم! ويبدوا أنهم أضافوا إلى هذه العلاقات الإحيائية علاقة جديدة هي “التمالق” على وزن التفاعل. كأن يتملق “س” من الناس ليس لديه خبرة بمهارات الحياة “ع” من الناس الذي لا يملك أيضا خبرة بمهارات الحياة! فيرد “ع” التملق لـ “س” أمام باقي حروف الأبجدية التي لا تعرف شيئا عن مهارات الحياة التي تشكل جزءا من مشروع يقومون بتنفيذه، ولعلم س + ع بأن باقي الحروف لا تعرف شيئا عن الموضوع يقوموا بعملية “البيض” وهي أيضا من العمليات الإحيائية حيث يبيضون على باقي الحروف بما لا يعرفون ويتملقون بيوض بعضهم أمام الحروف التي تقف “مزبهلة” إزاء ما يجري، وليس من أمرهم شيئا سوى التصفيق التملقي لفخامة س وَ ع. طبعا وهناك علاقة لا يتقنها إلا كل بروفيشنال وهي “اللعق” والعملية الإحيائية منها تُسمى “التلاعق”.

ويروى أن النفاق يضم كل ما سبق! وتبادله بين مجموعة يُسمى “التنافق”؛ ويروى أن المتسلقين على تخصص الدعم النفسي الاجتماعي لعبوا في مفاهيم العمليات النفسية كمفهوم المرونة حتى صار يتضمن معنى النفاق، تحت غطاء “بدنا نعيش”؛ ولا نقصد هنا الثورة التي اجترحها بمعجزة أبناء المنطقة الجنوبية في سورية، بل نتكلم عن ثورجية جنوب تركيا، العايشيين! حيث شرعنوا لأنفسهم أن يساهموا في الفساد من باب المرونة، وتملق أصحاب المناصب من باب التعامل مع الواقع، وتقبل ضعف الخبرة وجلافة المدراء وتسلطهم من باب التكيف، والسكوت عن الأخطاء من باب الابتعاد عما يزعجنا!. وبينما سيطر هؤلاء المتسلقون والمتملقون والمنافقون على كل مناصب القرار في المنظمات الإنسانية على سلبياتهم وإيجابياتهم، وحيّدوا أبناء التخصصات وحاربوهم وطفشوهم وحجموهم.. صارت الساحات لهم ليبدعوا بجهلهم في مصائر الناس ومقدراتها، ويرفعوا شعاراتهم “الواحد بيتعلم من أخطائه” “وإنت قدها”.. واقتحموا ميادين الإدارة وسيطروا على تعيين الموظفين فأبعدوا من يشكل لهم ندا وينافسهم، وأبقوا من يمكن لهم التعايش معهم و الانتفاع منهم! فصار المدير يدير ما لا يعرف به، والمراقب يراقب ما لا يفقه به، والموظِفُ يوظف من لا أهل له، ومن يستأهلون لا ناظر لهم، وتضيع على المَتسول باسمهم لا غيرهم.

نعلم يقينا أن من يدفع بتلك النقود ليقتتل أبناء الوطن، هم من يدفعوا بذاك المبلغ ليداوي جراح المقتتلين! وهم أنفسهم يغذون الفساد بين المقتتلين والمداوين حتى لا ينتصر طرف ولا يلتأم جرحٌ؛ وكل همهم أن تبقى المصائب مشتعلة لتبقى معاشاتهم سارية على حساب نفاقنا وتنافقنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 − 5 =

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى