ذاكرة مكان

مخاض عسير

ما ذلك الصوت؟ هدير الماء؟

كل يوم أقرأ بين الخيام على وجوه عابري السبيل اسم “النواعير”، دون أن أعرف إن كانوا يقصدون ذلك أم لا.. بالنسبة لي هي كالروح تماماً، كنت أجلس إليها ساعاتٍ وساعات. أنينها أو “عنينها” يوقظ فيّ الحنين إلى مجهول في الذاكرة المثقوبة. استيقظ لأرى كلاً قد ذهب إلى عمله، فألتجئ إلى الماء الذي يدير دواليبها العملاقة. كنت صغيراً، والوجه الحقيقي للطفولة ما زال مختبئاً في عمق الأقدار السوادء، محفوفاً بعلم الغيب الذي يجهله البشر.

وأردّد الأغنية التي تطربني:

“سمعت عنين الناعورة… وعنينا شغل بالي”

النواعير، بمثابة غمازات على وجه مدينتي التي فارقتها لاحقاً. الظروف التي فُرضت علينا، لم يكن لنا يد بها، وما كان في نفسي أن أترك ماءها وأن أتنفّس غير هوائها.

– ما زلتُ أعاني؟ بالتأكيد…

منذ يوم خروجي من بوابة “النصر” انطلاقاً إلى الشمال، لم أستنشق هواءً كنت قد اعتدت عليه، لكن كما يقولون: “مكره أخاك لا بطل”.. فقد يولد الإنسان أكثر من مرّة، هل خرج المهدي المنتظر؟

منذ تفتّحت عيناي على الدنيا ارتسمت على بطانتهما صورة جاراتي “النواعير”، وشنّف أذنيّ شجو صوتها الحنون، وحكت لي تاريخاً من المجد والبطولات عن أولئك الذين طوّعوا الأرض والنهر والجبال، وعن “هنانو” الذي تفيّأ ظلّها ساعةً قبل النهوض في وجه الغزاة.

الثورة السلمية هتفت من ساحة العاصي- ساحة “الساعة”، وهتفت حنجرتي معها “يالله إرحل يا بشّار..”. كان صوت “القاشوش” يجلجل في حناجرنا ويشقّ عنان السماء، شهرٌ من اختلاج الحريّة في أجسادنا، والراية تموج فوقنا- علم الثورة الأخضر.

من شرق “السلمية” اقتحم الدواعش قرانا، ذبحوا من وصلت إليه أياديهم القذرة، وفرّ من وجههم العزل الذين سبقوا وصولهم.. حواجز النظام غرباً وجنوباً تعتقل من يخرج من القرى، التي ثارت بوجهه بمظاهراتها السلمية لأشهر طويلة؛ مطالبة بالحرية والعدالة ووأدِ الفساد.. في حين دخل جيش النظام ساحة العاصي ووأد تظاهراتنا السلمية، بعد القصف العنيف الذي أسقط المآذن والبيوت على ساكنيها، وانفلتت رقاب حرّاس النظام من أطواقها، تنهش وتعتقل كل من شارك ومن لم يشارك في هتاف الحريّة.. ولم يبقَ أمامنا إلا طريق الشمال ملجأً وحيداً.

السيارة المتهالكة تئنّ بحملها، ثمانية غير الأب والأم، كنا بين الرابعة من العمر والثانية والعشرين، نحمل جبالاً من الذكريات والحنين، جعلت السيارة المسكينة تترنّح طوال الطريق، وما إن وطئنا أرض المخيم على الحدود الشمالية حتى تنفّست السيارة الصعداء، لكنّ الخبيثة أضمرت في نفسها الحقد على ما حمّلناه بها من الذكريات والحنين، حيث ثأرت لنفسها بعد شهرين مني ومن أبي، وأحمد لله أننا كنا بها وحيدين دون باقي أفراد العائلة، حين تركت أبي تحت حطامها جثة هامدة، وحطّمت ساقيّ الاثنتين.

ما بال هذا التشاؤم، يُغير علينا، كما يُغير على كل سوري، وكأنه يشتمّ رائحته من آخر بقاع الأرض؟ وما بال ذاك اليأس الذي يخيّم معنا في مخيماتنا، وكأنه بات فرداً منا في دفتر العائلة، وبات له جواز سفر كي يسافر معنا؟ هو ممنوع من الاغتراب أو البعد عنا، أما نحن فقد أصبحنا معتادين عليه هنا.. هنا في الشمال؛ حزن الضاحك وضحك الحزين، أمور قد تبدو معقدة للبعض، لكنها كانت سهلة للغاية على المقيمين.

هنا في الشمال، هناك حيث يقتاتون على دماء السوريين، ويشربون ما لذ وطاب من أطهر الدماء، دماء “أولاد سام بن نوح” بالسريانية، أو أولاد الشام المهجّرين… تكتمل حلقات السلسلة الطويلة المعقّدة.

الجميع أصبحوا غرباء ومقيمين، يحرّكهم الحنين إلى وطن مهموم حزين، لا عينٌ ترى ولا أذنٌ تسمع، ولم يعد هناك من يردّ على صراخ أولئك المعتقلين، أو يمسح دمعة عينٍ ثكلت بقرّة عينها، أو يصغي لأنين نواعير العاصي الجريحة تحاول كسر قيود التسلّط والاستعباد.

هل يمكن أن يصبح السوري الحامل لحضارات عشرة آلاف عام قاتلاً؟ أو عَلَقَةً تمتصّ دماء أبناء جلدته؟ أو داعشيّاً يلتمّ حوله داعشيو العالم؟ أو قوّاداً لمصلحة هزيلٍ ظنّ نفسه رئيساً وجلس على الكرسي؟

من شأن المعاناة أن تقلب ظهر المجنّ، في القلب على الأقل.. نكاد نفقد ما تبقى من ياسمين “الشام”، ونواعير “حماة”، والجامع الأموي وقصر العظم، والشهباء والسبيل، وشهبا والقرى المنسية، وأوغاريت ورأس شمرة…. النزوح أشبه بمسرحيات التحدي والجِلاد عند الرومان، حيث إنهم وعلى خشبة المسرح يعدمون الشخص المراد تنفيذ حكم الإعدام به، في جوّ من التمثيل والدعابة والتشويق لما سيحدث للبطل، الذي تتناهشه الأسود والنمور الجائعة، أو تمزّقه حراب من كانوا أصدقاءه يوماً حتى لا يُقتلون.

حتماً هناك- حيث النواعير- سحر غريب يجرّني إليها جرّاً. لا أدري، أكاد أجزم أن قلبي ينبض ماءها.. ولا عجب، فمن تربّى على حب “حماة” ونواعيرها كيف له أن ينساها؟ لو أنني سأروي عنها لاحتجت سبعة أبحر، ناهيك عن معاناة نهر “العاصي” ونهر “بردى” ونهر “الفرات”… الملطّخة مياهها بالدم الطاهر، حتى أشجارها ارتوت من دمائنا، وأصبحت تتنفس ثاني أوكسيد الكربون، وتنفث الكيماوي بحكم العادة.

ويبقى قلبي معلقاً في “النواعير”، ولا سيّما وقت العصر، وبقلعة “شمسين” ودروب “السلمية”، وقلعة حمص وبساتينها وأسواقها العتيقة، وحواري “دمشق” القديمة وأسواقها وياسمينها… في انسجام ببلد أراه أجمل بقاع الأرض بلا منازع، وكيف لا يفخر ابن سورية وليدة الزمان والمكان..

“النواعير” تبكي عبرات فيفيض “العاصي”، و”الربوة” تسفح دموعها فيرتوي “بردى”.. أيها السوري الأزلي أمامك مشوار طويل، يبدأ من اليد البانية والقلوب الحانية، لعل الزمان يبتسم يوماً لبلاد كانت شامة الدنيا.. سنعود لذكريات طفولتنا ومرابع فتوّتنا، نبني ما تهدّم ونُعلي، ونزرع ما تيبّس ونجني…..

تسجيل الفنان “مهنّد المصري” وغناؤه لكلمات الشاعر “أنس الحجّار”، سلوتي في وحدتي:

هي قصّةٌ وسطورها أخشابُ     والحبّ من أعطافها ينسابُ

أسرت قلوب العاشقين بحسنها   وإلى مداها حجّتِ الأغرابُ

عاصٍ وقد غفر الزمان ذنوبه    يُغري الذين عن الصبابة تابوا…

وكثيراً ما أردّد “عنّ عنين الناعورة” لأحرار الشام.

“حماة” و”الناعورة” صنوان، يفنى الزمان ولا تفنيان، في حلمي ويقظتي تبتسمان… سنعود يا “عاصي”، وعلى ضفافك تمرح صبية الأمل وعصافير الغد المنتظر.

لا أريد أن أستيقظ من هذا الحلم بين خيام تقي نصف المطر والبرد، وتقي نصف الحر ونصف الغبار والوحول… ألا يجوز لنا حتى أن نحلم بغد جميل نستعيد فيه نصف حياة، قبل أن يصبح نصف موتنا موتاً تامّاً؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة عشر − 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى