ذاكرة مكان

التَبَرّي من شام المَعري

الدلّال

هذا النص ليس بيت شِعر، على الرغم من غناه باقتباسات من “اللزوميات”. وليس بيت شَعر، فخيام النازحين واللاجئين تُعنى بحقوق الماعز. هو بيت عادي، فيه ما في سائر البيوت من أقسام، سوى أنه فقير بالأثاث، وبوسعك هدمه متى شئت.

العتبة

قيل أن أحدهم تعثر بأبي العلاء المعري، فقال هذا الأحدهم: من هذا الكلب؟ فأجابه المعري: الكلب من لا يعرف للكلب “سبعين” اسما! فنظم جلال الدين السيوطي، لئلا تصيبه شتيمة المعري، أرجوزة جمع فيها وفق تعبيره: (وقد تتبعت كتب اللغة، فحصلتها أكثر من “ستين” اسما!) وسمى السيوطي أرجوزته هذه: “التبري من مَعرّة المعري”، والمعرة لغة هي المساءة والمكروه والإثم والأذى… وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم. وقد اختُلف في سبب تسمية معرة النعمان، مسقط رأس أبي العلاء، بهذا الاسم. وعنوان نصي هذا تَناصٌّ مع عنوان أرجوزة السيوطي.

الرَدهة

يفترض أننا تعلمنا في المدرسة كتابة مواضيع التعبير، الإنشاء. وكان من شروط حسن تعبيرك وبراعة إنشائك أن تُطعّم موضوعك بالشواهد. يستوي في ذلك آية كريمة، أو حديث شريف، أو بيت شعر سارت به الركبان، أو شيء من جوامع الكلم من “كذلك قال الأسد”. وكلما كانت الشواهد أكثر، كان ذلك دليلا على سعة اطلاعك، وضمانا لتقريظ معلمك ولدرجة امتحانية أعلى. لم أكن حينها أفهم الداعي لذلك، فقد كان مجرد موضوع تعبير أكتب فيه ما يجول في خاطري، لا أطروحة فلسفية تحتاج أدلة وبراهين. ما علينا، إذ كنت ولا أزال مدمنا للشعر على الرغم من تلك الذكرى الأليمة، أو ربما بسببها. ثم حدث شيء غريب حين فهمت في قول ابن عباس “الشعر ديوان العرب” شيئا لا إخاله كان يقصده. إذ لم يعد هناك موقف أمر به أو يمر بي إلا وجدت شاهدا شعريا من بيت أو اثنين أو ألف توافقه أكثر مما وافق شن طبقة. أحاضرنا راكد؟ أم تاريخنا يعيد نفسه؟ أم أن أسلافنا بلغوا من الحكمة حتى قالوا كلَ ما يمكن أن يقال بخصوص “الشرط الإنساني”؟ لا أعرف. أعرف أن نصي هذا سيكون موضوع تعبير “نموذجيا”.

البهو

 ● مذ تفتَّح وعيي بما يكفي كي يراني أبي أهلا لفهم السياسة، أخبرني أن المواطن هو دافع الضرائب. ولِمَ يدفع الضريبة؟ لأن الدولة تحميه وتقدم له خدمات مقابلها. بدت لي حينها معادلة منصفة. ولا يحتاج الواحد منا أن يكون من أتباع “روزا لوكسمبورج” كي يدرك أهمية العصيان المدني، والإضرابات، والامتناع عن دفع الضرائب.. في إسقاط أنظمة مستبدة ليست لا تحمي مواطنيها فحسب، بل هي تذبحهم. السؤال نفسه كان يؤرق شيخ المعرة:

 وأرى ملوكا لا تحوط رعية … فعلام تؤخذ جزية ومكوس؟ 

 ● ثم إن الأساس أن تكون الدولة في خدمة شعبها:

 إذا ما تبيّنا الأمور تكشّفَتْ … لنا وأمير القوم للقوم خادم 

 ● هذا من حيث المبدأ، لكن في واقع الأمر: 

يسود الناسَ زيد بعد عمرو … كذاك تقلُّبُ الدولات دُوله

 ومن شر البرية ربُّ مُلك … يريد رعية أن يسجدوا له 

 ● والسجود يأتي في أشكال وألوان: منها أن نهتف للقائد، ونحفظ أقوال وحكم القائد، ونجتر إنجازات القائد، ونلتهم بنهم خراء القائد، ونبايع القائد بأبدية ليست من حظ مجرتنا نفسها، وندعو للقائد في معابدنا بأن نرحل ويبقى، وأن ننحدر ويرقى، وأن يسعد ونشقى: 

ما أجهل الأمم الذين عرفتهم! … ولعل سالفهم أضل وأتبر

 يدعون في جُمُعاتهم بسفاهة … لأميرهم، فيكاد يبكي المنبر! 

 ● ومن السبب؟ لا يولد الفرعون فرعونا، على الأقل لم يُثبت العلم إلى الآن شيئا من هذا. لكنه الخوف، سكوتنا عن الحق، فيستقوي الحاكم علينا، فنخاف أكثر، فيستقوي أكثر.. وندور في هذه الحلقة الجهنمية التي تجعل شيخنا يسأل: 

مالي رأيت دعاة الغي ناطقة … والرشد يصمت -خوفَ القتل- داعوه؟

 ● إذن، على هذه الأرض، ولنسمها تفاؤلا: الشام، ولد أبو العلاء وعاش، وتعاقب عليه الحكام من أسود ونمور وفهود وسائر السباع:

 أَلِفنا بلاد الشام إلف ولادة … نلاقي بها سود الخطوب وحمرها 

فطورا نداري من سبيعة ليثها … وطورا نصادي من ربيعة نمرها 

 ● ولم تكن الشام تحتكر هذه المزية وحدها، إذ: 

إن العراق وإن الشام مذ زمن … صفران، ما بهما للملك سلطان 

ساس الأنام شياطين مسلطة  … في كل مصر من الوالين شيطان 

● والسبب واضح حيث:

 يتشبه الطاغي بطاغ مثله … وأخو السعادة بينهم من يسلم 

 ● فلنلعب قليلا بالكلمات إذن:

 والشام شؤم، وليس اليمن في يمن … ويثرب الآن تثريب على الفهم . 

● جميل جدا! ثم يفكر جديا بالهجرة، إذ صارت الإقامة مضجرة حتى الموت في ظل من ينهب البلاد مع أنه في الأصل أجير يفترض به أن يراعي مصالحها:

 مُلَّ المقام، فكم أعاشر أمة … أمرتْ بغير صلاحها أمراؤها!

 ظلموا الرعية واستجازوا كيدها … وعدوا مصالحها وهم أجراؤها 

 ● ليس الهجرة فحسب! بل لا تقتربي يا نفس من الشام مجرد اقتراب! وإن فعلت فأديري ظهرك مباشرة لها ولكل بلد تشبهها:

 إذا دنوتِ لشام أو مررتِ به … فنكِّبيه وراء الظهر أو حيدي

 قد غيّر الدهر منه بعد مبتهج … وألحد السيف فيه بعد توحيد 

● هذا ما تفعله القوة الغاشمة، تستعبدنا، ترهبنا، نتخلى عن قناعاتنا أمام بطش السيف، نجبن في وجه الباطل المزود بالأسلحة، فنمالئ، ونتملق، ونكذب ثم نكذب ثم نكذب: 

تلَوا باطلا، وجلَوا صارما … وقالوا: صدقنا، فقلنا: نعم! 

 ● ويصاب صاحبنا بالقرف، بالغثيان الوجودي من كل شيء، من المكان ومن الزمان ومن نفسه:

 فأفّ من الحياة وأفّ مني … ومن زمن رئاسته خساسة

● والمصيبة، إن بقي مصيبة أكثر من كل سبق، أنهم ينسبون أبا العلاء إلى التشاؤم. ربما، لكن الشيء الذي لا مراء فيه أنه:

 وكذاك يدعى طاهرا من كله … نجس، ويُفقد في الأنام الطاهر

المرحاض

حل به، بتمثاله، عام 2013، مثلما حل بسلفه ومواطنه، أبي تمام حبيب بن أوس، الذي شرح المعري ديوانه في كتاب لم يصلنا ذكيِّ العنوان: “ذكرى حبيب”.

التمثال في الأصل تمثال نصفي. هو لم يُحطَّم، بل حُزّ رأسه الفذ، ونخرت رصاصات شتى صدره الرحيب.

باحث ومفكر عراقي عريق كتب أن “جماعة النّصرة” الأُصولية قد تكون فعلتها بدافع من تشددها الديني، أو فعلها النِّظام السُّوري كي يشيع الرعب في نفوس أهل الفكر والثقافة مِن الجماعات التي تحاربه. لكن كان لقناة فرانس 24، بوصفها سليلة عصر الأنوار والناطقة الرسمية باسمه، رأي آخر. فمراسلها يرى أن الجهاديين ــ وهو في هذه المرة لا يستخدم لفظ “الإرهابيين” الأثير والدقيق ــ فعلوا ذلك لأنه (أي المعري) من أجداد عائلة الأسد، ومُجلّل من قبل الشيعة لانتمائه الافتراضي لعائلة الإمام علي، وبالتالي لعائلة النبي محمد. خَلَص! قطعتْ جَهيزةُ قولَ كل خطيب.

الشرفة

هل كان المعري مؤمنا؟ ملحدا؟ رَيْبيّاً؟ ربوبيّا؟ فيلسوفا؟ مجرد حكيم ذي تأملات لا تشكل منهجا متماسكا؟ تختلف الآراء في ذلك. هو نفسه قال: “أما اليقين فلا يقين…” لكن الأكيد أنه لم يكن حاكما مستبدا أو طاغية سفاحا حتى تُمزَّق صوره وجدارياته، أو تحطم أصنامه، أو تسحل تماثيله في الشوارع. والأكيد أيضا أنه كان ناقدا لاذعا للساسة والمتدينين والعبيد والمنافقين، بل لنفسه. كان ذئبا، وإن اقتصر طعامه على البقول. فاستعدى الجميع عليه، في أمة تفضل أن تكون مستنقعا منتنا تنتجعه بعوضة فما فوقها من طائرات ميج وسوخوي وإف16 وبي52 وأباتشي ولعنات الملأ الأعلى من أهل السماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى