ذاكرة لجوء

مخيم صيفي

– «سلامات يا صديقي كيف الحال؟؟».

– «عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. أنا بخير ولله الحمد.. وصلت إلى قبرص بعد جهد جهيد.. وأرجوك إذا كنت تحتاج لأي شيء فرقبتي سدّادة».

– «أريدك سالماً غانماً فقط يا صديقي العزيز».

عند البعض سابقاً، كانت فكرة الذهاب من البيت إلى العمل تبدو غالباً فكرة مملّة، رغم أن أغلب الناس كانوا مكتفين بما يهبهم الله من الأرزاق، سواء التي كانت تنهال عليهم من كل حدب وصوب، أم التي يرونها لدى غيرهم وهم محرومون منها.. وهذا ما زاد الأمر غرابة لاحقاً، أن يصل الأغلبية إلى اليأس والعوز المستحيل.

في ذلك اليوم، وفي تمام الساعة السابعة صباحاً، حين كانت الشمس تبدأ بالشروق على “مخيم البركة” في الشمال السوري، خطرت له فكرة اللجوء.. بحكم أنه من “نخبة” المثقفين الساعين لمستقبل أفضل، في ظل ما وقع من أحداث، إضافة إلى الأحداث الكونية، كانشطار الكواكب والنجوم بفعل العواصف الكونية، حسب علماء الفضاء في وكالة “ناسا”، في وقت موافق لموت الناس جوعاً وعطشاً في كوكب اسمه “الارض”، وأغلب الظن؛ هناك عدم إلمام بتفاصيل هذا الكوكب المجهول والفريد من نوعه- حسب تقرير موثق من تلك الحالات المأساوية التي تمر بها هذه المخلوقات الكونية.

حاول صديقي “نادر”  مراراً وتكراراً العبور إلى ما وراء الحدود التركية، لم ينجح لمرّات عدّة، وفي كل مرة كان يتعرض لحالات نصب وابتزاز: «هذا ليس غريباً يا صديقي؛ استغلال اللاجئ معنوياً وجسدياً ومالياً؛ وحتى كونياً.. وفي أكثر الأحيان نحن من يستغلّ بعضنا بعضاً، أو يساهم في هذا الاستغلال بشكل أو بآخر.. حتى لو مات اللاجئ فسوف يوثّقون موته لكي يدعمه “الاتحاد الأوروبي” ببعض المساعدات الإنسانية، لعلها تنفعه بعد موته.. أما أهله فلن يعلموا أصلاً إلا بعد فوات الأوان، وذلك حرصاً على مشاعرهم، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على “خلق رفيع قل نظيره”».

هذا ما كان يحدثني به في أولى رحلاته، من مخيمه الصيفي الأشبه بالمنتجع، عبوراً إلى قبرص اليونانية، التي وصلها بعد أربع محاولات فاشلة.

«ما يدعو للغرابة، كثرة اتصال خفر الحدود اليونانيين مرحبين بنا، أصحاب القلوب الطيبة والإحساس المرهف الملقبين بالبشر، على عكس تعامل أبناء جلدتنا معنا في أكثر الأحيان، عدا استضافتهم لنا بعد ان كاد يغرق فينا ذلك البلم الملعون، حتى إنني ظننت نفسي ملكاً أو رئيس دولة، وليس لاجئاً.

أقمنا أسبوعين في “الريحانية”، بعد أن عبرنا الحدود التركية، ودفعنا مبلغ ألف دولار، ومنها انتقلنا إلى “مرسين” ليومين اثنين، حتى أمّن لنا المهرّب الطريق، ثم نقلنا ليلاً إلى منطقة مهجورة تبعد عنها ساعتين بالسيارة، بتنا حتى مطلع الفجر. أحضر المهرب البلم المطاطي ونفخه، وصاح بنا اصعدوا إلى المركب.. البلم الذي لا يكاد يتّسع لثلاثين رأساً، حشر فيه أكثر من ستين، تحت الطلب القطعي والتهديد بالسلاح. قام المهرّب بتدريب أحد الشبان اللاجئين على قيادة المركب، وحدد له الوجهة على الـ ( (GPS وانطلقنا.

بعد ثلاث ساعات لحقت بنا سفينة خفر سواحل، عندما رموا الحبل لنا وصاحوا بنا لنلتقطه كي يسحبونا معهم عرفنا أنهم أتراك، فلم يردّ عليهم أحد وكأننا على اتفاق مسبق. أطلقوا حولنا الرصاص الحي حتى نخاف ونمتثل لطلبهم، لكن الشاب الذي يقود البلم ظل يبتعد به حسب الوجهة المقصودة. تبعونا مسافة وقد فتحوا خراطيم مياه الإطفاء فوقنا، حتى أخذ البلم يتمايل ويكاد يغرق، ناهيك عن الحمام الذي أخذناه ونحن بكامل ملابسنا، فضلاً عن الماء الذي تجمّع في البلم وعمل البعض على نضحه، ما أرغمنا على التخلّص من كل ما معنا من حقائب وأغراض، خشية غرق البلم. وبعد نصف ساعة من المطاردة والمعاناة، توقّفت السفينة عن ملاحقتنا وابتعدت.

لكنّ القدر كان لنا بالمرصاد، بعد الظهر هبّت ريح قوية وطغت السحب الكثيفة فوقنا وارتفع معها الموج، فأصبحنا كريشة في مهبّ إعصار، ورغم تكاتفنا وتمسّك بعضنا ببعض سقط الكثيرون في الماء مع كل موجة عاتية.. ساعة من المحنة رأينا الموت يحوم بيننا، وقطعنا الأمل في النجاة، إلى أن فاجأنا القدر، وأرسل لنا سفينتي إنقاذ سريعتين، دارت واحدة حول المركب وطلبوا منا الصعود إليها، فاستجبنا دون أي تساؤل، والأخرى راحت تجوب محيطنا لتلتقط من تراه على سطح الماء.. القدر الذي امتحننا وضعنا في طريق خفر السواحل اليونانية، الذين اصطحبونا إلى جزيرة قبرص، بعد أن أغدقوا على الجميع الحلوى والطعام والشراب والثياب الجافة.

في تلك الرحلة المغامرة التي كلفت الواحد منا مبالغ باهظة، فقدنا خمسة عشر شخصاً، بينهم ولدا عمّي الاثنان اللذان رافقاني المغامرة من “مخيم البركة”.

ما هذه المفارقات التي تحدث، ولم يعد يستوعبها العقل؟ كأن كل حدث أخدود في حياة أي منا يجاهد ليحصل على لقمة سائغة، أو ليحافظ على ما تبقى من كرامته، أو ليساعد أهله في ذلك المخيم، الذين ينتظرون أي مبلغ يسد جوعهم ويسكت أفواههم عن التنابذ بالهموم والاتهامات وشتم الأقدار، فإذا عض الجوع أحدهم اتصل بأخيه لكي يرسل له، وهو الآخر قد يكون محتاجاً ولم يجد عملاً بعد، غير أنه يقترض ليسعدهم ويساعدهم، فهو في أمان ولا بد أن يعمل».

هذا هو كوننا الفسيح المملوء بالأوجاع، كالبحر تماماً؛ تصب فيه كل الأتراح والأفراح والالتواءات والاستواءات- ما عدا “خط الاستواء” الذي التوى حديثاً بفعل العواصف والتغيرات البيولوجية والجيولوجية- ويعج بالفقراء والمساكين وأبناء الـ…. والمخلوقات المجهولة وآلاف القصص والحكايات التي يستحيل توثيقها أو تصديقها، حتى لو أرسلوا “مسبار الفقر” الذي سيقتل ما تبقى من مخلوقات لتنظيف الأغلفة الجوية لكوكب الأرض، ليتسنى للعلماء دراسة القشرة الأرضية، وليتسنى لعلماء الآثار أيضاً أن ينبشوا قبور الفقراء، لكي يحصلوا على بحث وافٍ لما كان يحدث في ذلك الزمن، فوباء الفقر يعد الوباء الأعنف والأخطر في التاريخ على الإطلاق وبدون منازع.

وبعد اتصال هاتفي للاطمئنان عنه وعن أحواله، وليطمئن هو عني أيضاً، طمأنني صديقي “نادر” بأنه ساعد إخوته وأخواته، وساعد أباه بما يستطيع. وقد عرض علي بعض المال كمساعدة شخصية، لكنني اعتذرت وقلت له: «أموري تمام والحمد لله». لكي تستفرد في قلبي ضحكة تستهتر بوضعي المأساوي، لكني أثبت إنسانيتي أمام نفسي على الأقل، فصديقي أقام في قبرص اليونانية، وهو يعمل في البناء والاسمنت وبأجور مقبولة نوعاً ما، لكن التزاماته كثيرة وعليه بعض الديون.

أين المناص والخلاص من هذا القش الذي نحن فيه مجرد إبرة؟ الأحزان والمآسي تلاحقنا في الداخل والخارج، حتى البحر حزن على من ماتوا في قاعه. والأرض لم تعد تحتمل دماً فوق دم.. ومن بؤس إلى بؤس يخيّم في نفوس الفقراء، إذ إن الجائع لا يُلام فمن خلق الجوع خلق الشبع.

صحيح أننا في ظلام دامس، وليس هناك مهرب إطلاقاً، غير أنها لا تضيق إلّا لتفرج، وسنحزن لنسعد، هذا ما نتوقعه من دون أن نجزم ونتأكد.. لكن الله لا ينسى أحداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى